ultracheck
رأي

الدولة "المفتعلة".. سيرك إقطاع العراق السياسي

31 يوليو 2018
GettyImages-1006302506.jpg
يحتاج التغيير إلى إدراك مآزق الواقع وتناقضاته (Getty)
رعد أطياف
رعد أطيافكاتب من العراق

نراهن كثيرًا على تغيير الأفكار لأنه، كما نفهم، من تغيّرت أفكاره تغيّر واقعه. والحقيقة، ومن زاوية محددة، فإنه ليس بالضرورة أن توجد علاقة حتمية بين تغيير الأفكار وتغيير الواقع، فقد يكون العكس هو الصحيح. والزاوية المحددة التي أعنيها، هي رهاننا على التنوير المجرد، بمعنى أننا نراهن على تغيير الأفكار بمعزل عن تغيير الواقع. لذا يبقى خطابنا النقدي خطابًا تجريديًا: الأفكار في عالم والواقع في عالم آخر تمامًا.

إننا نراهن على التنوير المجرد، بمعنى أننا نراهن على تغيير الأفكار بمعزل عن تغيير الواقع. لذا يبقى خطابنا النقدي خطابًا تجريديًا

 في خطابنا النقدي الموجه ضد الفكر الديني مثلًا، وهو مهم للغاية، يجري التركيز على وعي الأفراد؛ تتغير حياتنا الفكرية من خلال القراءات النقدية، ونغدو أشخاصًا مختلفين عمّا كنّا عليه في السابق، ولا يعود الخطاب الديني بصورته النمطية قادرًا على الإجابة عن كل الأسئلة، ويتحول الدين من شريعة فقهاء إلى فضاء أوسع وينخرط بالإجابة عن الأسئلة الكبرى ويساهم في البحث والتنقيب عن هشاشة الوجود البشري وأسئلته المقلقة. لكن كل هذا يجري كعملية تأويل للفكر وحسب! ولا يُلقي بظِلاله على الواقع الصلب.

ذلك أن الواقع يبقى كما هو؛ فالمؤسسة الدينية بحرسها القديم باقية، والمنظومة الاجتماعية الممانعة تقاوم "ببسالة" كل ما هو جديد. نحن أمام مواضعات اجتماعية أصلب وأقوى من أن يغيرها النضال الفردي، فالحرس القديم يتدرّع بمؤسسات اقتصادية نافذة وإقطاعيات تسهر على هيمنتها جيوش جرارة، فيكون وعي الفرد مثل الفقاعة وسط هذا النفوذ الهائل.

 والسؤال الأكثر جذرية في هذا السياق هو سؤال الدولة! تلك الفكرة الثورية التي يمكنها قلب الواقع والإطاحة بالحرس القديم، ذلك إن السؤال الوحيد الذي يكتسب مشروعيته في منطقتنا هو سؤال السلطة وليس غيره. فمن هنا نجد تقاليد السلطة نافذة في كل مسامات وعينا الاجتماعي. إذا غاب رجال الدولة حلّ الحكواتيون محلّهم ويغدوا وعي الأفراد أثرًا بعد عين، وتتم مصادرة كل هذا الوعي على يد سجّان متخّلف. لكن متى يختفي هذا السجّان المفترس، بعبارة أخرى، متى يختفي هذا " الوحش" الاجتماعي؟ حينما يظهر رجال الدولة، لكن ماهي الشروط الاجتماعية التي تدفع باتجاه ظهور مثل هؤلاء الرجال؟

 حينما يتنامى الوعي الفردي ويتحول إلى وعي اجتماعي واسع. لكن كيف تتغير العلاقات الاجتماعية؟ حينما نكتشف القوى المهيمنة والمسيّرة لهذه العلاقات، والقبض على تناقضاتها الداخلية، من خلال تفكيك عناصر البنية المحركة لهذه العلاقات.

اقرأ/ي أيضًا: تظاهرات البصرة تتوسع في العراق.. سخط الجنوب يوحد الشارع

 لكن ما هي  العناصر التي تشكّل بنية المجتمع العراقي؟ إنها القبيلة والطائفة، وعنصر خارجي يلعب دورًا "رياديًا" في تجذير أسس التخلّف، وهو المهيمن الخارجي. ما لطريق إلى تفكيك هذه  البنية العصيّة على التغيير؟ الرهان على الصيرورة. هل يمكن الرهان على الصيرورة كما هي أم أن هناك شرط جوهري لابد له أن يقلب المعادلة؟ الشرط الجوهري للقبض على الصيرورة هو الوعي بها، وهذا الأخير يستلزم مفكرًا يخترق تلك التناقضات الاجتماعية عبر نقدها وتحليلها وكشف زيفها وإظهارها للعلن.

 وفي ظل غياب هذا المفكر الواقعي تبقى حلقة التاريخ في العراق مغلقة وساكنة وعصيّة عن كل حدث جديد يمكنه أن يتحول إلى أفق للتفكير المنتج. إن طلّاب السلطة يعلمون قبل غيرهم زوال نعمتهم وأفول نجمهم فيما لو تم بناء مؤسسات وطنية كبرى، ويتم الاستثمار فيها وبنائها خدمةً للصالح العام وليس للإقطاعيات. ويلقي وجود مؤسسات وطنية بظلاله على وعي المجتمع، ويغدو هذا الأخير متسلحًا ومدركًا لفقره وحرمانه، ومن ثمّ يقضي على الإقطاعيات الكبرى التي تهيمن على مقدّرات البلد.

 ما هي  العناصر التي تشكّل بنية المجتمع العراقي؟ إنها القبيلة والطائفة، إضافة إلى  المهيمن الخارجي

لمجرد أن يستأنف الوطنيون سؤال الدولة ستشهد تلك الإقطاعيات تهديدًا لهيمنتها. فمن هنا يغدو سؤال الدولة صداعًا مؤرقًا في رؤوس السلطويين. كلما نضج وعي الفرد بهذه الحقيقة نكون قد اقتربنا خطوة مهمة في بلورة وعي اجتماعي قائم على نمط مقاوم يجري بالضد من خطاب السلطة، ويقوّض معه أساطير الخطاب القبلي والطائفي. وحتى ذلك الحين لا تزال العلاقات الاجتماعية تعيد إنتاج نفسها وسط دائرة مغلقة، وتعبر عن نفسها بقوة من خلال هذه الطبقة الطفيلية التي تعتاش على فائض الثروة، وتبني لها صروحًا كبيرة بدعم إقليمي ودولي.

 حينما تبدأ عناصر هذه البنية الاجتماعية التي ذكرناها بإعلان موتها أو ضعفها، فحين ذلك سنشهد وعيًا اجتماعيًا مغايرًا يتخذ من بناء الدولة شعارًا لا يقبل المزايدة، فالدولة هي ذلك "الوحش" الذي يلتهم المخلوقات الطفيلية ويمارس الإكراه القانوني ويحتكر القوة لنفسه، وهذا ما يبدو غائبًا حتى هذه اللحظة، في العراق خصوصًا وفي منطقتنا العربية على وجه العموم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تحالف الجميع مع الجميع في العراق.. العبور من الطائفية إليها!

الديوانية تخرج عن صمتها.. فقراء العراق في قلب الحركة الاحتجاجية

الكلمات المفتاحية

GettyImages-56623235_0.jpg

سيكولوجية النائب الخاسر

بعض الخاسرين انتخابيًا يتعاملون مع الانتخابات وكأنها محطة مؤقتة في مسار طويل


الزهور صدام حرب الحشد الشعبي

باقات بلاستيكية على نعوش الشهداء: حكاية الأزهار القاتلة في العراق

بدأ توظيف الزهرة في العراق من الحقبة التي سخّرت فيها السلطة مقدرات البلاد والعباد للتعبئة العسكرية


الإطار التنسيقي

كيف ابتلع تحالف "الإطار التنسيقي" المجتمع المدني في العراق؟

استراتيجية الاحتواء، رغم نجاحها النسبي، قد تبقى عاجزة عن الاستمرار في إنتاج شرعية اجتماعية حقيقية


.

التحولات الخطابية للقوى السياسية الشيعية وأزمة الشرعية الداخلية

أخذ الخطاب السياسي الشيعي يشهد انقسامًا بين اتجاه يسعى إلى مراجعة تجربة الحكم واتجاه آخر ينظر إلى أي مشروع إصلاحي بوصفه تهديدًا لمعادلات القوة القائمة ونتيجة لذلك برزت أنماط متعددة من أدوات الصراع السياسي

واسط
راصد

منع "البرمودة" في واسط.. الشرطة تصدر توضيحًا إثر انتقادات وردود ساخرة

أثار قرار منع ارتداء "البرمودة" ردودًا غاضبة وأخرى ساخرة ما دفع الشرطة إلى إصدار توضيح رسمي

معمل الأسمدة
أخبار

وفاة اثنين من موظفي معمل الأسمدة والإصابات بلغت 50 حالة.. حصيلة رسمية

أعلنت مديرية الدفاع المدني حصيلة حادث تسرب غاز الأمونيا داخل معمل الأسمدة في خور الزبير بالبصرة


إصابة البصرة
أخبار

صحة البصرة: إصابات بحادثة تسرب الأمونيا والعلاج يجري في الردهات الحرجة

أكّدت دائرة صحة البصرة تسجيل حالات اختناق لعدد من موظفي معمل الأسمدة في خور الزبير

الحلبوسي القائم الأميركي
أخبار

الحلبوسي يناقش مع القائم الأميركي تطورات الأحداث في العراق والمنطقة

عقد القائم بأعمال السفارة الأميركية في بغداد لقاءً مع رئيس مجلس النواب تناول التطورات في العراق والمنطقة

الأكثر قراءة

1
سياسة

تحليل: اختبار حقيقي لحصر السلاح.. الهجوم على السعودية "يحرج" الحكومة العراقية


2
أخبار

المالكي يراسل "المدونين": لنتوقف عن نشر "الغسيل".. أعداؤنا يرقصون فرحًا


3
أخبار

طائرة مسيرة تضرب ناقلة تحمل مليوني برميل نفط في المياه العراقية


4
أخبار

مصدر: المخابرات تعتقل مالك قناة "عراق الحدث" فور وصوله إلى إيران


5
سياسة

القضاء يتحرك نحو الطائفية بالإعلام والمواقع.. و"إدارة الدولة" يخشى العقوبات الأميركية