الكاظمي يكسر

الكاظمي يكسر "سنة التغليس" مع الفصائل.. رسالة إلى واشنطن أم ورطة؟

تثير عملية الدورة تساؤلات عدة حول أهدافها

الترا عراق - فريق التحرير

منذ بدء الحديث عن الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن، لجأت فصائل المسلحة المقربة من إيران إلى سلاحها المفضل، الكاتيوشا وبجرع شبه يومية مرة نحو المنطقة الخضراء وأخرى صوب مطار بغداد، كان أكثرها مرارة على حكومة مصطفى الكاظمي صاروخ سقط ليلة تدشين الحوار قرب السفارة الأمريكية، ليحرج رئيس الحكومة ويضرب أبرز تعهداته المتعلق بحصر السلاح وحفظ السيادة.

تثير عملية الدورة تساؤلات عدة حول أهدافها وقدرة الحكومة على التعامل مع تداعياتها

ومع قرب زيارة الكاظمي إلى واشنطن، والتي لم يفلح سلفه عادل عبد المهدي بالظفر بها، داهمت قوة خاصة من جهاز مكافحة الإرهاب مقرًا لحركة كتائب حزب الله، جنوبي العاصمة، واعتقلت مجموعة من عناصرها بينهم قياديون، بالإضافة إلى ضبط أسلحة وصواريخ ومنصات إطلاقها، وفق بيان رسمي صدر عن قيادة العمليات المشتركة.

رسالة نارية..

بدت العملية "الجريئة" وفق وصف مرافقين، خرقًا لعادة رؤساء الحكومات السابقة تجاه الفصائل، التي تدرج تلك العمليات تحت عنوان "المقاومة"، على الرغم من انخراطها ضمن قوات رسمية من جهة ومشروع سياسي من جهة أخرى، ورسالة حادة من رئيس الحكومة مفادها أنه لن يتغاضى عنها خاصة مع مع امتلاكه أدوات "ناجعة" متمثلة بجهازي المخابرات ومكافحة الإرهاب.

لكن الأمور لم تجرِ كما يشتيها الكاظمي في تلك الليلة، التي أعادت إلى الأذهان مطلع العام الجاري حين قتل سليماني والمهندس بضربة أمريكية، فبعد تنفيذ المهمة من قبل وحدات جهاز مكافحة الإرهاب، تحركت فصائل مسلحة بعجلات حكومية وبدون موافقات رسمية نحو مقرات حكومية داخل المنطقة الخضراء وخارجها و"احتكت بها تجاوزًا"، على حد تعبير بيان قيادة العمليات المشتركة والتي وصفتها بـ"جهات لا تريد أن تكون جزءًا مِن الدولة والتزاماتها وتسعى إلى البقاء خارج سلطة القائد العام للقوات المسلحة الدستورية والقانونية".

كما ظل الغموض يلف نتائج العملية، فالرواية الحكومية تقول إن المعتقلين قيد التحقيق، لكن أطراف عدة تحدثت عن تسوية وحل وسط، تمثل بتسليم المعتقلين إلى مديرية أمن الحشد الشعبي، وهو ما أشار إليه بيان قيادة العمليات ضمنًا بالحديث عن التعامل مع المعتقلين "بحسب العائدية"، بانتظار قرار قضائي.

"غلس..!"

في الأثناء، عد زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، العملية "تطورًا خطيرًا وفوضى عارمة"، مطالبًا الكاظمي بـ"التغليس" عن استهداف القوات الأمريكية أسوةً بالحكومات التي سبقته.

وقال الخزعلي في كلمة متلفزة، إن "توجيه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي باعتقال عناصر من الحشد عبر جهاز مكافحة الإرهاب يعد فوضى عارمة"، فيما وصف ما حدث ليلة الجمعة بـ"الحدث خطير".

كسر الكاظمي "سنة التغليس" التي سار عليها رؤساء الحكومات كمنهج للتعامل مع حراك الفصائل المسلحة 

وأضاف الخزعلي، "كان يفترض معالجة هذا الموضوع من قبل رئيس هيئة الحشد"، مؤكدًا أن "جهاز مكافحة الإرهاب جهاز وطني قاتل إلى جنب الحشد الشعبي ضد الإرهاب".

وقال زعيم الحركة المسلحة، إن "بيان العمليات المشتركة الخاص باعتقال عناصر الحشد كتب من قبل الأمريكيين"، كما تحدث عن "محاولات أجنبية لضرب قوات الحشد الشعبي".   

وتثير العملية التساؤل حول علاقتها بالزيارة المرتقبة للكاظمي، وهل هي رسالة إلى واشنطن عن جدية الحكومة في تحييد الجماعات المسلحة التي تتعرض للمصالح الأمريكية في العراق، ومدى نجاح الحكومة في إتمامها بشكل يمنح الأمريكيين الاطمئنان.

العصائب على القائمة!

ويعتقد الخبير الستراتيجي أحمد الشريفي، أن الجانب الأمريكي "استثمر" بشكل أو بأخر الوضع الحالي لتحقيق مكاسبها في ظل صراع النفوذ مع الجارة الشرقية للعراق، والمرحلة القادمة ستمنح حلفاء الأمريكيين "الدور الأبرز" في العملية السياسية على حساب حلفاء إيران.

ويقول الشريفي لـ"ألترا عراق"، إن "استهداف الأمريكيين غير مجد، ويؤدي إلى نتائج سلبية على مستوى الحشد الشعبي كعنوان عام أو الفصائل بشكل خاص، فدور الفصائل ليس التعبئة العسكرية فقط فهي تمتلك أجنحة إعلامية ومؤسسات سياسية، ومثل هذه ضربات قد تكلفها ثمن يستنزفها إعلاميًا وسياسيًا، ويمنح الأمريكيين ذريعة للرد مستقبلاً".

ويرى الشريفي، أن "خيارات القوة على حساب السياسة قد لا تكون مفيدة في ظل صراعات الإرادات"، فيما يستشهد بالوضع المصري واللبناني في سياق حديثه عن ضرورة إبعاد القوة ووضع استراتيجيات إدارة بالنسبة لفصائل المقاومة.

يرى مختصون أن الإصرار على خيار القوة من قبل الفصائل قد يكلفها ثمنًا باهظًا 

ويقول، إن "الجيش المصري ينسحب ويتقدم ويناور ولم يستخدم القتل والعنف خشية الوقوع تحت طائلة القانون الدولي، وفي لبنان حزب الله يشكل حكومة تعجزعن توفير الخبز"، محذرًا من أن "الاستمرار بإطلاق صواريخ الكاتيوشا، حتى وإن كان تحت مسميات فصائل جديدة، "يعرض العشرات من أبناء المقاومة إلى الخطر ويستنزفها سياسيًا، دون نتائج مجدية".

كما يؤكد، أن "الأمريكيين يطمحون إلى حكومة طوارئ في حال عدم نجاح حكومة الكاظمي في وضع حد لتلك الهجمات التي تتعرض لها المصالح الأمريكية، وهو خيار قد يلاقي ترحيبًا جماهيريًا بسب تذمر المجتمع من المنظومة السياسية".

ويصف المحلل الأمني، خطاب زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي بـ"غير الموفق"، مشيرًا إلى أن الحملة التي بدأت بكتائب حزب الله تعني أن العصائب على القائمة، و"إطلاق تهديدات يمنح الشرعية للحكومة لاستهداف الحركة، فضلاً عن الرغبة الأمريكية".

ماذا بعد واشنطن؟

ويرجح الشريفي، أن يعود الكاظمي من واشنطن "بقوة أكبر من تلك التي مكنته من تولى رئاسة الحكومة، وقد تتعلق بالدرجة الأولى بالانتخابات المبكرة، من خلال صناعة رصيد جماهيري يضمن النجاح فيها، عبر خيار حصر السلاح بيد الدولة، والذي تسانده من المرجعية الدينية والجماهير، ومن يحققه يكون هو الأقرب للجماهير والأكثر تلبية لمطالب المرجعية".

ويضيف، أن "مصلحة العراق لا تتحقق بسيطرة حلفاء إيران أو أمريكا، بل بشخصية وطنية قادرة على وضع حد للطموحات الإقليمية والدولية، وتقديم المصلحة الوطنية، فالصراع الأمريكي الإيراني يغيب القوى الوطنية ويجبرها على الاعتزال، ويفتح الميدان للانتهازيين".

من جهته، كشف القيادي في تحالف الفتح حامد الموسوي، عن عزم الهيئة السياسية للتحالف عقد اجتماع مع الكاظمي للحديث عن ضرورة استثمار تنسيقه مع الحشد الشعبي في المفاوضات المرتقبة، وعدم منح الأمريكيين "مكاسب" على حساب الحشد الشعبي.

زادت العملية من ارتياب أطراف سياسية حول نوايا الحكومة في ما يتعلق بمستقبل العلاقات مع واشنطن

ويقول الموسوي لـ"الترا عراق"، إن "محاولة صناعة فجوة بين الحشد الشعبي والكاظمي هدف أمريكي، يراد منه ضرب المقاومة وإضعاف الدولة، وهذه المفاوضات مهمة في رسم ملامح العلاقة بين أمريكا والعراق، ونرى أن الضعف أو التهاون يؤثر على مستقبل العراق التفاوضي مع الولايات المتحدة".

ويؤكد الموسوي، أن "تحالفه داعم للدولة ويعمل على تقويتها ويقف مع أي إجراء ضمن هذا المسار"، لكنه يعتبر في الوقت ذاته ما جرى في الدورة "عملية غير موفقة".

ويبين القيادي في التحالف الذي يتزعمه هادي العامري، أن "الهجوم طال مقرًا رسميًا للحشد الشعبي أحد الأجهزة الأمنية للدولة، والذي يعتبر من واجهتها، والمساس به يؤثر على شكل الدولة، وجميع وحدات الحشد الشعبي ترفع بشكل يومي تقريرًا أمنيًا إلى قيادة العمليات المشتركة، وتنسق عملها معها ومقر اللواء 45 جزء من تلك المنظومة".

"خطأ.. وورطة"!

ويضيف الموسوي، أن "الكاظمي أبلغ القيادات السياسية أن العملية خطأ والمعلومات لم تكن دقيقة"، مرجحًا أن "يكون الجانب الأمريكي هو من زود الكاظمي بالمعلومة وأراد توريطه".

ويرى الموسوي، أن "الجهاز الرقابي للحشد الشعبي المتمثل بمديرية أمن الحشد كان هو الجهة الأنسب لتنفيذ العملية، كما هو الحال في الأجهزة الأخرى التي تجري عملية ضبطها ومراقبتها داخليًا"، مؤكدًا أن "الأخطاء تقع ضمن جميع الأجهزة الأمنية وعلى مستوى العالم، وإلا كيف سقطت المحافظات على يد تنظيم داعش".

يرى تحالف العامري أن واشنطن دفعت الكاظمي إلى "فخ الورطة" مع الفصائل المسلحة 

ويختم الموسوي بالتأكيد، على ضرورة أن "تعالج  الأخطاء وفقًا للسياقات القانونية والخطوات الحكيمة، وليس بتجاوز القانون".

 

اقرأ/ي أيضًا:  

تطورات "ليلة التوتر".. القصة الكاملة لـ "مباغتة" كتائب حزب الله في بغداد

"كواليس" صعود رجل المخابرات.. كيف قاد مقتل سليماني الكاظمي إلى القصر؟