26-أكتوبر-2015

أمام المدرسة التي شهدت الجريمة في مدينة ترولهتان

هزت السويد الأسبوع الماضي جريمة مروعة تمثلت بقيام مراهق سويدي بقتل ثلاثة أشخاص من أصول أجنبية في مدرسة في مدينة ترولهتان جنوب غرب البلاد، في ما وصفه رئيس الوزراء ستيفان لوفين بـ"اليوم الأسود في تاريخ السويد"، كما عبر الملك كارل غوستاف السادس عشر عن حزنه العظيم وفزعه الشديد إثر الحادث.

بعض المهاجرين من أصول أقلوية من حملة الجنسيات يؤيدون الأحزاب ذات التوجهات اليمينية المعادية للأجانب

منفذ الجريمة أنطون بيترسون البالغ من العمر واحد وعشرين عامًا، وهو من المعجبين بأفكار اليمين المتطرف اقتحم مدرسة كرونان مرتديًا قناعًا وحاملًا سيفًا انهال به على طلاب من أصول أجنبية فقتل الطفل الصومالي أحمد حسن، وتصدى له الأستاذ المساعد العراقي الكردي لافين إسكندر فقتله أيضًا، وترددت أنباء عن مقتل مدرس آخر هو اللبناني أو السوري نظير أسو خلال الهجوم، لتتدخل الشرطة بعدها وتطلق النار على المهاجم فترديه قتيلًا.

تمتلك حادثة ترولهاتن الأركان الدرامية الكاملة لجعلها مأساة ذات رمزيات متعددة، فالقاتل سويدي أبيض من أحفاد الفايكنغ، لم يكن يرتدي القناع على سبيل التنكر من أجل الهالووين، وليس مسلمًا متطرفًا يحاكي لثام داعش وعمليات الذبح المصورة التي يرتكبها، والضحايا هم طفل أفريقي مسلم، وشاب كردي، وإذا صحت الأنباء عن الضحية الثالثة فهو رجل مسيحي من إحدى الأقليات القومية الشرقية، أي أن ليس فيهم من تنطبق عليه صفة العربي المسلم، الأكثر عرضة للتحريض اليميني والاعتداءات العنصرية في أوروبا.

تشير تحقيقات الشرطة إلى أن القاتل كان يبحث عن ضحايا يحملون ملامح أجنبية أو بشرة سمراء، وكمراهق سطحي فإنه لم يكن بالتأكيد يعرف الفرق بين الأرتري المسيحي والصومالي المسلم، أو بين العربي والكردي والإيراني، أو بين السني والشيعي والسرياني والآشوري، والأهم أنه لم يكن معنيًا بهذه الفروق التي يعتقد بعض المهاجرين السذج من القدامى أو الجدد أنها تعني شيئًا للعنصريين، وللمفارقة فإن بعض المهاجرين من أصول أقلوية من حملة الجنسيات يؤيدون الأحزاب ذات التوجهات اليمينية المعادية للأجانب! اللافت أيضًا أن الضحايا على علاقة ثقافية أو لغوية أو دينية مع العروبة، وهم ينتمون جغرافيًا إلى الشرق الأوسط، المنطقة الأكثر توترًا في العالم والأعلى تصديرًا للاجئين.

في اليوم التالي لجريمة ترولهاتن، اتفقت الأحزاب الكبرى في السويد على إيقاف منح الإقامات الدائمة للاجئين وإعطائهم إقامات مؤقتة

لم تنشأ حادثة ترولهاتن -التي سبقتها عدد من حوادث حرق كامبات اللاجئين- من فراغ ، فالتحريض في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي مستمر منذ أعوام، وقد وجدت الأفكار المتطرفة تعبيرها السياسي العلني والشرعي من خلال حزب ديمقراطيي السويد "سفاريا ديموكراتيرنا" الحديث العهد والذي تحول إلى القوة السياسية الثالثة من حيث الحجم في المملكة الإسكندنافية، هذا الحزب الذي صرح زعيمه (الصبي) جيمي أكسون مؤخرًا أن اللاجئين يأتون إلى السويد من أجل الرفاه الاجتماعي، لا هربًا من الحروب ليرد عليه مسؤول في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم بأنهم يهربون من تنظيم داعش الإرهابي فحسب! وفي غمرة موجة التعاطف الدولية مع اللاجئين خصوصًا السوريين غردت مسؤولة في سفاريا ديموكراتيرنا بأنه كان الأولى استقبال اللاجئين بمدفع رشاش بدلًا من الحفاوة التي قوبلوا بها، وانتهى الأمر باستقالة هذه السيدة من الحزب دون أن تتعرض لمساءلة أو محاكمة.

شهد اليوم التالي لجريمة ترولهاتن وخلافًا للتوقعات مفاجأة سلبية للاجئين، فقد اتفقت الأحزاب السياسية الكبرى على إيقاف منح الإقامات الدائمة للاجئين وإعطائهم إقامات مؤقتة، فيما بدا أنه صفقة بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب المحافظين "النيا موديراتيرنا" المعارض، لمنع انهيار حكومة الأقلية وتمرير الميزانية وعدم إجراء انتخابات مبكرة. وهكذا فإن اليمين المعتدل ينقل المطالب الحقيقية لليمين المتطرف إلى طور التنفيذ فيما يغرق اليسار المنقسم والمفتقد للرؤية في الحرتقات والانتهازية، في ظل غياب شخصيات سياسية قائدة وتاريخية.

 اقرأ/ي أيضًا:

حصلنا على أوروبا، فماذا نفعل بها؟

"أوروبا الجديدة" التي تكره اللاجئين