06-أبريل-2024
سن الزواج المبكر في العراق

سن الزواج من أسباب الطلاق في العراق (ألترا عراق)

الزواج سنة من سنن الحياة، ولا غنى للإنسان فمن خلاله يتم حفظ النسل البشري واستمرار وجوده على سطح المعمورة، ولأهمية الزواج في حياة الإنسان فقد حظي باهتمام بالغ في مختلف الشرائع السماوية والأرضية، إذ أُفردت له أحكام خاصة تتولى تنظيم عقد الزواج ولعل من أهم تلك الأحكام هي التي تعنى بسن الزواج أو الأهلية المطلوبة لإبرام عقد الزواج من لدن الزوجين.

السن والأهلية ضمن أهم أحكام عقد الزواج

وسنّ الزواج هذا يعرف بأنه العمر الذي يجب أن يبلغه، حسب معايير قانونية أو دينية، كل من طرفي الزواج لكي يكون زواجهما صحيحًا من الناحية الشرعية والقانونية، وسن الزواج يختلف من بلد إلى آخر لأنه يتبع العادات والتقاليد السائدة في تلك المجتمعات، والسن المسموح فيه عادة في أغلب البلدان هو تمام الثامنة عشرة من العمر. 

أما في العراق، فقد حددت المادة (7 الفقرة 1) من قانون الأحوال الشخصية النافذ سن الزواج بإكمال الثامنة عشرة من العمر، غير  أن المشرع لم يكتف بنص المادة السابعة، إنما وضع استثناءً من النص المذكور في المادة الثامنة التي أجازت زواج من أكمل الخامسة عشرة من العمر بموافقة الولي، وكذلك من بلغ الخامسة عشرة إذا وجد القاضي ضرورة قصوى في ذلك. والمادة الثالثة من قانون رعاية القاصرين عدت الصغير الذي أكمل الخامسة عشرة من العمر وتزوج بإذن المحكمة كامل الأهلية، في الحقوق المتفرعة عن عقد الزواج حسب قرارات محكمة التمييز الاتحادية. 

ولم يكتف المشرع بنص المادة السابعة فقط، إذ إن الاستثناء الذي أورده في تلك المواد صادر به مضمون المادة السابعة من قانون الأحوال الشخصية فقد صار المعمول به بالواقع هو الاستثناء وليس الأصل. فالمشرع لم يقف عند حدود هذا الاستثناء من القاعدة العامة وهي إكمال الثامنة عشر من العمر فقط، بل إنه عاد ونسف الأصل والاستثناء حين سمح بالزواج خارج المحكمة من طريق إبرام عقد الزواج عند رجل الدين، ومن ثمّ تصديق هذا الزواج أمام المحكمة بدعوى تسمى (دعوى تصديق زواج) وفق أحكام المادة العاشرة الفقرة خامسًا من القانون نفسه.

والمصيبة الكبرى والطامة العظمى في تصديق الزواج الخارجي أمام المحكمة أنه غير مقيد بحد أدنى من العمر ولا يرعى فيه الأصل أو الاستثناء الواردين في المادتين السابعة والثامنة من قانون الأحوال الشخصية المعدل، فهذا الزواج يتم في أي عمر، وبإمكان الرجل أن يتزوج من فتاة عمرها اثني عشرة سنة وكذلك بإمكان الرجل أن يتزوج في سن الرابعة عشرة أو أقل من ذلك وهكذا.

تصديق الزواج الخارجي في العراق لا يشترط عمرًا محددًا 

وفي هذه الحالة ليس لمحكمة الأحوال الشخصية أن ترفض تصديق الزواج الحاصل بين الطرفين بحجة عدم توافر الأهلية التي اشترطها القانون في طرفي عقد الزواج لا من حيث الأصل ولا من حيث  الاستثناء لأنها في هذه الحالة أمام أمر واقع، وواقعة الزواج هذه من دعاوى الحل والحرمة وعلى المحكمة التصدي لها وعدم رفضها بحجة عدم بلوغ السن الأدنى للزوج أو الزوجة وهو بلوغ الخامسة عشرة من العمر وفقًا للمادة (8 الفقرة 2)، لأن رفضها أو قبولها لن يغير من الواقع شيئًا، وإنّ هذا اجتهاد يترتب عليه تعقيد لمسألة شرعية واقعة بين طرفين اشترط القانون ضرورة توثيقها بسلاسة وشفافية، بحسب ما تراه محكمة التمييز الاتحادية في قرارها الصادر من الهيئة الموسعة المدنية ذي الرقم 60/2022 والمؤرخ في 21/ 2/ 2022.

هذا الأمر  ساهم في ارتفاع حالات الطلاق بشكل كبير. فلو عملنا إحصائية بسيطة سنجد أن العدد الأكبر من حالات الطلاق اليوم هي دون الثامنة عشرة من العمر، فهؤلاء ما يزالون وحسب القوانيين والأعراف المحلية والدولية أطفالًا يحتاجون إلى الرعاية والمتابعة، وليس لهم القدرة على إنشاء أسرة، فهم يحضرون إلى المحاكم وآباؤهم يقودونهم، فكيف بالمقاد أن يقود، ويكون مسؤولًا عن زوجة ومن ثمّ أطفال؟ - فهم لم يدركوا بعد معنى الزواج، فالزواج لكي يكون ناجحًا يحتاج إلى نضج كبير واستقلال مالي، لا سيما في ظل التغير الذي عاشه المجتمع العراقي بعد عام (2003) والذي ألقى بظلاله على المجتمع العراقي الذي أصابه انهيار كبير بسبب ارتفاع حالات الطلاق بأعداد كبيرة فضلًا عن انتشار المخدرات بشكل خطير جدًّا، إضافة إلى تراجع المستوى الأخلاقي، وتفكك الروابط العائلية، فقد صار من الصعب المحافظة على تماسك الأسرة أمام هذه الظواهر السلبية التي تهددها. 

الخلاصة:

  • مما تقدم نجد المشرع العراقي في قانون الأحوال الشخصية المعدل والمرقم 188 لسنة 1959 قد حدد الأهلية المطلوبة لعقد الزواج بتمام الثامنة عشرة من العمر كقاعدة عامة.
  •  ثم جاء ووضع استثناء من تلك القاعدة العامة في المادة الثامنة وسمح لمن أتم الخامسة عشرة من العمر بأن يتزوج إذا ثبت للقاضي أهليته وقابلتيه البدينة فله أن يأذن له بالزواج بعد موافقة وليه، وإذا امتنع الولي طلب منه القاضي موافقته خلال مدة يحددها له فإن لم يعترض أو كان اعتراضه غير جدير بالاعتبار أذِنَ القاضي بالزواج.
  • ثمّ إن المشرع قد وضع استثناء آخر من القاعدة العامة وسمح لمن بلغ الخامسة عشرة من العمر أن يتزوج إذا وجد القاضي ضرورة تستدعي تزويجه عبرَ معاملة تسبق العقد تسمى (حجة ضرورة) تقدم مع أوراق الطرفين لتنظيم عقد الزواج، إلّا  أن الأخطر من ذلك هو سماح القانون بتصديق الزواج لمن عقد زواجه خارج المحكمة واكتفى بعقوبة جزائية له فقط في نصّ المادة (العاشرة الفقرة 5) من قانون الأحوال الشخصية المعدل وهذا الأمر خطير لأنه الزواج فيه غير مقيد بسن معين للزوجين وليس للمحكمة أن ترفض تصديق هذا الزواج لأنه أصبح أمرًا واقعًا كما ذكرنا آنفًا.

يجب تعديل قانون الأحوال الشخصية لعدم السماح للأعمار الصغيرة بالزواج

وفي الخاتمة: صرنا أمام ظاهرة خطيرة تهدد المجتمع، وهي السماح للأعمار الصغيرة بالزواج الأمر الذي انعكس سلبًا على المجتمع بعد ارتفاع حالات الطلاق بشكل كبير جدًّا، باتت هنالك ضرورة ملحة لإلغاء الاستثناء الوارد في المواد المشار لها آنفًا، وذلك بتعديل قانون الأحوال الشخصية الحالي أو تشريع قانون جديد، فنصوص القانون الحالية أصبحت مشكلة بحد ذاتها بدلًا من أن تكون حل لمشكلة يعاني منها المجتمع. فإكمال الثامنة عشرة من العمر يعدُّ سنًّا مناسبًا يصل فيه الشاب والشابة إلى مستوى لا بأس فيه من الفهم والإدراك والنضج الذي يؤهلهما لتحمل أعباء الحياة الزوجية وكذلك الحد من ظاهرة الطلاق وآثارها السلبية على الفرد والمجتمع.