"شبح الفولتية" أكبر "انجازات" التكنوقراط.. حلقة جديدة من "جحيم" الكهرباء!

قال وزير الكهرباء إن الخدمة ستتحسن في شهر تشرين الأول/أكتوبر (Getty)

الترا عراق - فريق التحرير

لطالما كان صيف العراق حاسمًا على مدى تاريخيه فبمراجعة بسيطة تجد أن أغلب الأحداث الكبرى التي غيرت مصير البلاد وقعت خلاله، فكيف إن كان ذلك الصيف غير مسبوق على مستوى ارتفاع درجات الحرارة في ظل غياب للخدمات وشعور بالظلم والحرمان، لا بد حينها من الاحتجاجات العارمة الغاضبة.

بدأت بوادر الاحتجاجات في المحافظات الجنوبية نتيجة أزمة الكهرباء في سيناريو مكرر عن المواسم الماضية

كان الصيف هو الاختبار الذي حذر الجميع منه حكومة عادل عبد المهدي منذ منحها الثقة العام الماضي، حيث كانت احتجاجات الجنوب قد أطاحت بسلفه حيدر العبادي، وبدأت من أزمة الكهرباء تحديدًا، لكن وزير الكهرباء لؤي الخطيب كان أطلق وعودًا بزيادة طاقة الإنتاج وساعات التجهيز، ولا زالت وعودًا فقط، حيث تشهد مدن البلاد تفاوتًا بساعات التهجيز، ومشاكل فنية كبيرة أدت إلى تعطل أجهزة وخروج محطات عن الخدمة.

اقرأ/ي أيضًا: مآزق الصيف والعقوبات.. ما خطط العراق لتعويض كهرباء وغاز إيران؟

يستورد العراق ثلث الطاقة الكهربائية من إيران بمعدل حوالي 4 غيغاواط بشكل مباشر أو غيره، إما من خلال خطوط الطاقة أو عبر إمدادات الغاز الطبيعي بحسب وزير الكهرباء.

 وعود.. خارطة طريق!

وبغض النظر عن الجنبة السياسية لأزمة الكهرباء، فقد لاح الأمل بحل عند تسنم لؤي الخطيب الوزارة باعتباره أحد الوزراء التكنوقراط، والذي أوعز بتشكيل خلية أزمة لوضع الخطط والبدائل استعدادًا لصيف 2019، مؤكدًا أن ملف الكهرباء من أولويات الحكومة الجديدة من أجل حل الأزمة، فضلًا عن تعهد من طهران بالالتزام بعقود تجهيز الكهرباء والغاز وعدم تكرار ما حدث في العام الماضي.

كانت أسباب أزمة الكهرباء طوال السنوات الماضية، تتأرجح بين إنخفاض الإنتاج وعدم كفاءة شبكات النقل والتوزيع، فضلًا عن ما سببته أحداث تنظيم "داعش" والتي ضاعفت كلفة تطوير المنظومة إلى ترليوني دولار، لكن الحكومة عمدت إلى الإستعانة بخبرات عالمية نجحت في دول تتشابه إلى حد كبير بظروفها مع العراق، لوضع خارطة طريق لملف الطاقة، حيث تعاقدت مع شركة سيمنز الألمانية بـ700 مليون يورو للمرحلة الأولى تشمل إضافات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل لسعة توليد طاقة جديدة وعالية الكفاءة لإعادة تأهيل وتحديث المحطات الموجودة حاليًا، وتوسيع شبكات النقل والتوزيع.

"شبح الفولتية"!

لكن ما أن حل الصيف حتى تبخرت تلك الوعود ولم يتبقى من خطط الوزارة إلا "انخفاض الفولتية"، وهي حيلة يتهم مواطنون وناشطون الوزارة باتباعها لزيادة ساعات التجهيز، تضمن عدم قدرة المواطن على تشغيل أجهزته المنزلية كأجهزة التكييف وغيرها، فضلًا عن ما تسببه من عطب لتلك الأجهزة، وهو ما تنفيه دوائر توزيع الكهرباء في بعض المحافظات حيث أعلنت شركة توزيع كهرباء الجنوب، فقدان ما يقارب 1000 ميغا واط من الطاقة في محافظة البصرة إثر "انهيار الفولتيات".

رفعت الوزارة ساعات تجهيز الكهرباء لكن بفولتية منخفضة أدت إلى عطب الأجهزة الكهربائية وأثارت استياءً شعبيًا واسعًا

لكن محافظ المثنى أحمد منفي عزز تلك الاتهامات للوزارة خلال تسجيل مصور بٌث عبر فيسبوك، قال فيه إنه أعلن حالة الطوارئ بسبب تراجع مستوى الكهرباء، وظهور حالة غريبة لم تحدث منذ عام 2003 وهي انخفاض الفولتية، متهمًا الوزارة بـ "استغلال المحافظة للتجربة"، فيما هدد بأن "أبناء المحافظة لن يسكتوا وأن للصبر حدودًا".

لم يقتصر الأمر على المثنى والبصرة بل أغلب محافظات الوسط والجنوب، حيث قالت عضو مجلس محافظة بابل أحلام الوطيفي، إن "هناك انخفاضًا في الفولتية في عموم المحافظة وبقوة شديدة، سيما بعد التصريح الذي أطلقه وزير الكهرباء حول نية الوزارة زيادة عدد ساعات تجهيز المحافظة بالطاقة الكهربائية، فقد عانى المواطن من تردي واقع الكهرباء"، مؤكدة في حديث لـ"الترا عراق"، تعطل الأجهزة الكهربائية لكثير من المواطنين نتيجة ضعف الفولتية، التي انخفضت أحيانًا إلى الثلث.

أشارت الوطيفي، إلى حجم معاناة المناطق الريفية في ظل الوضع الراهن بحجة منح الأولوية للمدن، عادة أن "أغلب مشاكل العراق تتجسد بسوء التخطيط وضعف المعلومة"، فيما رأت أن "لا تفسير لما يحدث، إلا أنها محاولة من الوزارة لتوفير المزيد من الطاقة الكهربائية عبر خفض الفولتية"، مؤكدة أن "أغلب المشاكل مفتعلة لمصلحة جهة معينة والهدف غالبًا جيوب الفاسدين".

من جانبهم، أعرب مواطنون عن غضبهم لاتباع الوزارة "أسلوب المولدات الأهلية" بهدف رفع ساعات التجهيز والذي انعكس سلبًا عليهم وكلفهم أجهزة كهربائية وساعات من المعاناة، في ظل عدم استجابة فرق الصيانة في وزارة الكهرباء لاتصالاتهم وشكواهم.

يقول جعفر محمد من سكان أطراف بغداد لـ "الترا عراق"، إن "محطات التوزيع تجهز الدور السكنية بفولتية أقل من المقررة، ولا نجد تفسير سوى محاولة ترشيد الاستهلاك، فهل وعود زيادة ساعات التجهيز من قبل الوزارة تتم بهذه الطريقة؟"، مطالبًا الوزير بـ "تفعيل دور دوائر الصيانة وتوجيهها بالاستجابة للمواطنين فور تلقيهم شكاوى".

أما علاء وليد وهو من سكنة مدينة الصدر شرقي بغداد فيقول لـ "الترا عراق"، إن "المواطن يلجأ إلى القطاع الخاص لمعالجة المشاكل بعد اليأس من الحكومة، لكن الكهرباء وصيانتها أمر محصور في كوادر الوزارة وهذا ما يضعنا تحت رحمة موظفيها".

فتحت وزارة الكهرباء تحقيقًا في "عارض فني" أدى إلى خسارة نصف طاقة الإنتاج بخروج أكثر من 10 محطات عن المنظومة

كانت وزارة الكهرباء أعلنت، السبت الماضي 15 حزيران/يونيو، فتح تحقيق في عطل أدى إلى خسارة نصف كميات الإنتاج، بخروج خط نقل الطاقة الكهربائية الضغط الفائق (شمال بغداد – شرق بغداد) (٤٠٠ ك.ف)، جراء عارض فني، ما أدى إلى انفصال الوحدات التوليدية في محطات (واسط الحرارية، والرميلة الغازية، والرميلة الاستثمارية، وشط البصرة الغازية، والصدر الغازية، والمنصورية الغازية، والديوانية والخيرات الغازيتين)، بعد أن بلغ توليد المنظومة قبل الانفصال (17800) ميغا واط.

الصدر غاضب!

آخر المتفاعلين مع أزمة الكهرباء كان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي أصدر، الأحد 16 حزيران/يونيو، بيانًا غاضبًا من 10 نقاط حول الأزمة بعد انتشار تصريح لوزير الكهرباء وعد فيه بتحسن الكهرباء بحلول شهر تشرين الأول/أكتوبر، وهو شهر يشهد تحسنًا ملحوظًا على مستوى الطاقة الكهربائية كل عام نتيجة اعتدال درجات الحرارة وتخفيف الأحمال عن منظومة الطاقة الوطنية.

اقرأ/ي أيضًا: بعد اتفاق بـ 14.6 مليار يورو.. هل أزاحت سيمنز واشنطن عن كهرباء العراق؟

دعا الصدر في أبرز نقاطه، إلى "قطع يد الميليشيات والأحزاب المتحكمة بوزارة الكهرباء، ومحاسبة تجار المولدات، وقطع الكهرباء عن المسؤولين داخل المنطقة الخضراء، كي يشعروا بمعاناة الشعب، وقطع خط الطوارئ عنهم وتخصيصه للمستشفيات والمدارس وبعض الدوائر المهمة فقط".

 

 

بدوره رد وزير الكهرباء لؤي الخطيب، على الصدر، مؤكدًا أن تعليقه في المؤتمر الصحفي بمحافظة المثنى لم يكن على وجه العموم بل إشارة إلى الحل الأمثل لمعالجة شح التجهيز لبعض محافظات الجنوب والمتعلق بمشروع محطات شركة "جي إي" في السماوة والناصرية (تحديدًا) والتي ستدخل الخدمة في الشهر العاشر من هذا العام.

اقترح الصدر 10 نقاط لحل أزمة الكهرباء منها قطعها عن المسؤولين، دون أمل بحل حقيقي قريب للأزمة المستعصية وفق مراقبين

كان رئيس مجلس الوزراء، وجه الأحد، بتشكيل خلية دائمة الانعقاد خاصة بالطاقة الكهربائية والمتابعة المستمرة وتقديم المقترحات والحلول و"تذليل الصعوبات ومعالجة الحالات الطارئة"، تلك المعالجات لن تنجح وفق المؤشرات والأحداث السابقة، في ظل غياب مشروع حقيقي لإعادة تأهيل قطاع الكهرباء في البلاد منذ 16 عامًا على الرغم من إنفاق عشرات مليارات الدولارات على الملف، الذي يرى فيه مراقبون ورقة ضغط تمارسها الدول التي تتحكم بالبلاد شأنها شأن الملف الأمني.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بلد المليون مولّد.. أزمة كهرباء "بلا انقطاع" في العراق!

القطاع العام في العراق.. اسأل الكهرباء