عزمي بشارة: ثورة العراق وطريق التحول من الطائفية إلى الديمقراطية

عزمي بشارة: ثورة العراق وطريق التحول من الطائفية إلى الديمقراطية

حل الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة لن يغيير شيئًا في ظل النظام القائم

الترا عراق - فريق التحرير

يتواصل الحراك الاحتجاجي في العراق، حتى بات يمكن تعريفه بثورة رافضة للنظام القائم في البلاد بسمته الطائفية الطاغية، بوعي منقطع النظير، على أمل أن ينتج تغييرًا حقيقيًا نحو نظام ديمقراطي وطني، وهو ما أشار إليه المفكر العربي عزمي بشارة خلال تحليله للحراك في البلاد.

عد بشارة إدراك الحراك العراقي للصلة الوثيقة بين الطائفية والفساد مؤشرًا على ثورة وعي يقودها الشبان 

ركز بشارة، مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، على ربط الشبان الذين يمثلون نواة الحركة الاحتجاجية في العراق، بين الطائفية والفساد، وإدراك تعامل القائمين على النظام الطائفي مع البلاد كغنيمة، يتقاسمونها باسم طوائفهم، التي لا تحصل في النهاية على شيء، لتنتج زعماء طوائف يورثون زعاماتهم جيلًا بعد جيل، وتنشأ حولهم مجاميع زبائنية تتقاسم كل شيء في الدولة، ليحل الولاء الطائفي محل الكفاءة، وتصل الأضرار حتى إلى قطاع الوظائف، ليغيب الإنتاج والتطوير.

اقرأ/ي أيضًا: "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيّلة" لعزمي بشارة.. تأصيل غير متخيل

وعلى الرغم من مرور 16 عامًا على النظام القائم، يرى بشارة أن الطائفية لم تتجذر بعد في العراق من خلال الدستور، وأن البديل لنظام المحاصصة الطائفية القائم، هو التحول نحو نظام ديمقراطي، يرتبط فيه الفرد بالدولة بصفة الموطنة فقط.

كما يرى أن الإشارة إلى انطلاق الحراك من القواعد الشعبية "الشيعية" التي تعدها الفصائل الطائفية الحاكمة قواعد شعبية لها، مهمٌ للتعبير عن الرفض التام داخل الحراك للخطاب الطائفي، حيث لا يمكن أن يقبل هؤلاء الشبان والمشاركون في الاحتجاجات، والذين اكتشفوا هويتهم الوطنية، أن تكون الطائفية مبررًا لإفقارهم وتهميشهم وللفساد، وتصديرهم كخطابات طائفية مقابل حرمانهم من الثروة.

الفساد بوصفه المشكلة الأشد تعقيدًا في بلاد هي الخامسة من حيث إنتاج النفط، وتصل حصة الفرد فيها إلى 17 ألف دولار سنويًا، وفق الناتج القومي، تحول إلى كارثة بعد أن بات قاعدة عامة يسير كل شيء وفقًا لها، كما يقول بشارة، مشيرًا إلى بحث قدمه أمريكي مختص كشف عن بيع العراق نفطًا بقيمة ترليون دولار منذ 2003 حتى 2018، 650 مليار دولار منها مفقودة، أي غير مسجلة.

لماذا تواجه الثورة بالعنف؟

لا يبرئ بشارة أيًا من الأطراف المسيطرة على النظام في البلاد، من العنف ضد المتظاهرين، سواء الفصائل المسلحة أو القوات النظامية، فيما يعزوه إلى تأثر النظام بالمحيط، وتحديدًا سوريا، في ظل التأثير الإيراني، الذي يرى القائمون عليه أن العنف نجح في سوريا، على الرغم من تدميرها بشكل كامل.

عزا بشارة استخدام العنف من قبل السلطات ضد التظاهرات إلى التأثر بالمحيط وتحديدًا ما جرى في سوريا

مطاولة الشبان في ساحات الاحتجاج، في مواجهة العنف، يراها بشارة، تعبيرًا عن شجاعة أسطورية، وتجسيدًا لقناعة الشبان بعدم وجود ما يخسرونه في ظل النظام القائم، حيث وصل الحال بالنظام إلى نهب البلاد وعدم تقديم شيء سوى الوظائف الحكومية، والتي أوقفها ارتفاع حجم تلك الوظائف إلى عشرة أضعاف ما كان موجودًا في عام 2003، مقابل تعطيل القطاع الخاص والاستثمار بشكل تام، لأنه -وفقاً لبشارة- لا يوفر المكاسب التي يمكن توزيعها على الأتباع كما هو الحال بالنسبة للوظائف الحكومية، وهو ما يؤدي في النتيجة إلى بطالة جسيمة.

دستور ديمقراطي.. ومعارضة طائفية!

على مدى 16 عامًا، دارت البلاد في حلقة مفرغة، انتخابات تنتج ائتلافات طائفية، ومعارضة هدفها المشاركة في التحاصص الطائفي، كما يبين مدير مركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في ظل حاجة البلاد إلى معارضة ديمقراطية حقيقية.

اقرأ/ي أيضًا: أن تقرأ كتاب الطائفية لعزمي بشارة من العراق

يشير بشارة إلى إن دستور العراق ديمقراطي لا يضم مفردات طائفية، لكن الأحزاب الطائفية تستغل دستورًا ديمقراطيًا لتمثيل طائفي لا يفرز إلا قيادات طائفية، عادًا أن الثورة القائمة تريد الخروج من هذه البوتقة، وقد تنتج حركات غير طائفية، شريطة تغيير طريقة الانتخابات، فلا يمكن وفق هذه الطريقة أن تنفذ حركات ديمقراطية، إلا لو أتيح لها أن تتنافس على مستوى البلاد، لتحصل على تمثيل في البرلمان وتصبح هناك ديناميكية مختلفة.  

أكد بشارة ضرورة أن تنتج حركة الاحتجاجات مؤسسات وتنظيمات مستعدة لخوض الانتخابات بعد تحقيق مطلب تغيير قانون الانتخابات

فاللعبة دائمًا لعبة إعادة تركيب الطائفية من جديد، والمطلوب وفق بشارة، أن تنتج ثورة الوعي القائمة مؤسسات وتنظيمات مستعدة لخوض الانتخابات، بعد تحقيق مطالب عينية على رأسها تغيير قانون الانتخابات، كما يرى أن حل الحكومة وإجراء انتخابات وفق الطريقة القائمة، لن يسفر عن شيء، لأن القوى المنظمة ذاتها ستفوز، مؤكدًا أن الحراك يجب أن يقدم بديلًا أو يفرز قوى تطرح بديلًا.

يقترح بشارة انتخاب برلمان يقسم إلى نصفين، أحدهما ينتخب من خلال المناطق، والآخر عبر انتخابات قطرية باعتبار العراق منطقة واحدة، في حال كان القفز إلى برلمان ديمقراطي وطني صعبًا، مشيرًا إلى ضرورة أن يكون هناك نوع من التفاوض والتفاهم والمساومة للانتقال بالتدريج إلى نظام غير طائفي، ويرى أن المهمة في العراق أسهل، لكن يصعبها التدخل الخارجي.

إيران وحراب واشنطن!

نحو واحدة من أهم المطالب التي حملها الحراك العراقي، تطرق بشارة إلى التدخل الخارجي في العراق، والذي تشعر إيران أنها المقصود الرئيسي فيه، خاصة أن الهتافات الرافضة لها انطلقت من قاعدة تفترض طهران أنها تدين لها بالولاء الطائفي.

فالنفوذ الإيراني قائم على الرغم من مروره بحالة ضعف نتيجة الحصار والعقوبات الاقتصادية، لكن شرعية تدخلها في العراق عبر جسر طائفي، ضربت من خلال ثورة شعبية، وفقًا لبشارة، الذي يبين أن نفوذ طهران حل بصفقة مع الولايات المتحدة الأمريكية وبحراب الاحتلال الأمريكي، ما يسقط تبرير النفوذ الإيراني بـ "الممانعة والمقاومة"، كما يعرب عن استغرابه من تصريحات المسؤولين الإيرانيين عن مؤامرة التدخل الخارجي في العراق، وافتراضهم الوصاية على العراق، والذي ليس له أي واقع حتى من منطلق طائفي، بل حلّ نتيجة عطب في لحظة الانتقال من النظام السابق، والذي هندسته واشنطن.

قال بشارة إن النفوذ الإيراني في العراق حل بصفقة مع الولايات المتحدة الأمريكية ما يبطل حجة "المقاومة والممانعة"

يرى بشارة، أن الديمقراطيات تحتاج إلى إجماع على الدولة وتحتاج إلى وطنية، حيث الإجماع على الدولة من أهم شروط الديمقراطية، ثم يعود في ختام حديثه عن الحراك العراقي إلى الإشارة نحو أهمية عودة تبلور الهوية الوطنية عند شباب لم يعرف صدام حسين، ولم يعرف كل هذه الحساسيات، وليس لديه الشعور بالمظلومية التاريخية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مئذنة الخلاني تشهد "موقعة السنك".. صدور المتظاهرين تصد الرصاص عن التحرير!

هل أهدر خامنئي دماء المتظاهرين العراقيين.. كيف سيرد السيستاني؟!