عندما فجر جرح السيادة الحنين إلى صدام!

عندما فجر جرح السيادة الحنين إلى صدام!

تسبب انتهاك ترامب للسيادة العراقية بنوع من الاستفقاد لنظام الاستبداد السابق في العراق (علي محمد/الأناضول)

فجرت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غير المعلنة إلى العراق، والتي جاءت وفق أطر غير دبلوماسية، فوضى كبيرة عند عديد من المدونين العراقيين في وسائل التواصل الاجتماعي، بين شعور بالأسى وتبادل اتهامات بالعمالة وإطلاق سيول من الشتائم على رؤوس السلطة والأحزاب الحاكمة، في مزاج شبه موحد ونادر تسبب به الجرح الذي استشعروه من انتهاك السيادة العراقية، رغم أنهم غضوا الطرف فيما سبق عن خروق أخرى كالمباحثات التي كانت تجري بين السفير الإيراني في العراق، إيرج مسجدي، ومبعوث الرئيس الأمريكي لشؤون مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط بريت ماكغورك، بسبب وضوح قطعية الانتهاك هذه المرة.

كان للخذلان الذي تمثل بـ15 سنة من الفشل السياسي في العراق، الدور الأبرز في استعادة النظام السابق، بنوع من الحنين، والبحث عن صدام المعدوم وحزبه المحظور في الوجدان العراقي

رافقت ردود الأفعال هذه استعادة جدل قديم جديد، حول مقارنة غير عقلانية بين رئيس النظام السابق صدام حسين، ورؤوس السلطة في نظام ما بعد 2003، لاسيما أن لغط كبير قد سبق زيارة ترامب، أثاره عدد من طلبة جامعة الأنبار، كانوا قد رفعوا صورة لصدام في حفل لهم. ما تسبب بفصلهم من الجامعة، تفاديًا لما قد يثيره ذلك من تهم جديدة حول توجهات أبناء هذه المحافظة وعلاقتها بالنظام الحالي وفق سياقات طائفية، تشير إلى أنهم كانوا حاضنة لتنظيم داعش فيما سبق، ومؤيدين لحزب البعث المحظور وفق الدستور العراقي.

اقرأ/ي أيضًا: كيف استفادت إيران "حصريًا" من زيارة ترامب السرية إلى العراق؟

القائد الرمز أم الدكتاتور

إن استعادة صدام حسين المتكررة بوصفه الرمز أو الدكتاتور، لا تنتهي بنتيجة لدى أحد الفريقين، اللذين عادة ما يكون أحدهم شيعيًا والآخر سنيًا. إذ إن فصدام الذي لا تُنكر حقيقة دكتاتوريته حتى داخل بعض الأوساط المؤيدة له، ما زال محملًا برمزيات وطنية وقومية، رغم ما رافق فترة حكمه للبلاد من ويلات. فالقوة والحزم والتصريحات النارية وجعل الحرب خيارًا، وإن غير عقلاني، سابقًا للدبلوماسية والسياسة، كانت أسبابًا لإدانة صدام، في نفس الوقت الذي كانت فيه عاملًا مهمًا في تشكيل رمزيته، التي يتم استعادتها مع كل انتهاك للسيادة العراقية.

يرجع سبب رفض شريحة واسعة من العراقيين بشكل مطلق لكل ما يتعلق بنظام صدام حسين إلى عدة أسباب، منها أنهم يحمّلون صدام مسؤولية 15 سنة من الفشل السياسي بعد أن ساهمت سياساته المتخبطة في الاحتلال الأمريكي للبلاد، وتكوين بنية عميقة من المحاصصة، التي ستأتي لاحقًا بطبقة حاكمة فشلت فشلًا ذريعًا في تلبية طموح العراقيين، كما أن كثيرًا من العراقيين يرفضون المنطق القائل، بأن إسقاط النظام كان خطأ، لأن 15 سنة من الدم والدمار راحت هباءً، من دون تحقيق أي تغيير.

 الملفت أن وجهات النظر في المناطق الجنوبية بدأت تنحى منحًى آخر بهذا الخصوص. إذ تسربت أنباء عن خروج تظاهرات خلال احتدام الاحتجاجات العراقية في آب/ أغسطس 2018، تهتف بالثناء لصدام حسين في محافظة كربلاء. غير أن متابعين للمشهد الاحتجاجي، ينكرون هذا التغير، ويرجحون أن هذه الشعارات كانت مجرد وسيلة لاستفزاز السلطات، وأنها لا تعني بالضرورة تغيرًا في انطباعات العراقيين تجاه الاستبداد، الذي فرضه نظام البعث عليهم وعلى عائلاتهم.

كان من المشاهد البارزة التي رافقت الاحتجاجات مثلًا، هتاف أُطلق في محافظة ذي قار، قال فيه المتظاهرون: "جنوب بيا وقت تترحم لصدام بس غير الزبايل صعدت صيته"، أي أن الجنوب لم يكن ليترحم على صدام، غير أن النفايات قد رفعت من صيته"، وهو ما بدا وكأنه سخط عام حول ما آلت إليه الأحوال بعد عام 2003، جعل من أهالي جنوب العراق الذي انتفضوا ضد نظام الحكم البعثي وسقط في انتفاضتهم أكثر من 100 ألف قتيل، يترحمون عليه بسبب النفايات التي تجاوز سوؤها سوءه.

خذلان عربي

كان المشهد العربي كاملًا بعد نهايات 2010، مطلًا على كثير من التغيير، لكن الواقع الذي فرضته عشرات السنوات من الاستبداد كان عصيًا على الانكسار أمام الثورات. وضع المصريون منذ أول انتخابات شهدتها البلاد بعد سقوط نظام حسني مبارك، أمام خيارات لا تمثل تطلعات شباب الثورة؛ قبل أن يعود النظام القديم، متمثلًا بالجيش، بقيادة عبد الفتاح السيسي، واضعًا نفسه كخيار وحيد، ضد التطرف والإرهاب والانفلات.

أما علي عبد الله صالح الذي أسقط اليمنيون نظامه، فقد تمكن من التحالف مع معارضي الرئيس الجديد، ويقود مع الحوثيين وقادة من جيش نظامه السابق حربًا أهلية لم ينهها مقتله. ورغم غياب الثورة في مشهد الإطاحة بصدام ونظامه عام 2003، إلا أن المعطيات التي رافقت ذلك تكاد تكون مطابقة، فلم تستطع الأحزاب التي تقاسمت السلطة خلال 15 عامًا، تحقيق ما يمنح العراقيين سببًا للاحتفاء بسقوط الدكتاتور، واستبدال حزبه الأوحد بنظام ديمقراطي متعدد الأحزاب.

اقرأ/ي أيضًا: الصراع على تشكيل حكومة العراق.. وستمنستر على خط سيرك الطائفية!

كان لهذا الخذلان الذي تمثل بـ15 سنة من الفشل السياسي، الدور الأبرز في استعادة النظام السابق، بنوع من الحنين، والبحث عن صدام المعدوم وحزبه المحظور في الوجدان العراقي. وكان له الدور الأبرز أيضًا، في ظهور أسئلة، على غرار إن كان باستطاعة داعش احتلال ثلث الأراضي العراقية بوجوده، أو باستطاعة سفراء الشرق والغرب تقرير مصير الحكومة القادمة تحت حكم نظامه، وصولًا إلى إمكانية هبوط طائرة الرئيس الأمريكي في الأراضي العراقية وخروجه منها دون علمه، وهو سؤال رغم لا منطقية المقارنة فيه، إلا أن حضوره في عقلية المواطن المظلوم والمكلوم منطقي تمامًا.

كان المشهد العربي كاملًا بعد نهايات 2010، مطلًا على كثير من التغيير، لكن الواقع الذي فرضته عشرات السنوات من الاستبداد كان عصيًا على الانكسار أمام الثورات

السيادة أو الاستبداد

في عودة أخرى إلى سطوة الثنائيات، وفي الاحتجاجات القائمة مرة أخرى، تناقل مدونون عراقيون في وسائل التواصل الاجتماعي حديث رجل مسن في إحدى التظاهرات، تخلى فيه عن مطالبه بالخدمات وفرص العمل، ليطالب بوطن. "عمي بطلنا، ما نريد كهرباء ولا ماي ولا تعيينات.. نريد وطن، رجِّعوا لنا الوطن".

لا يحمل هذا المنطق، الذي صار رائجًا، نزعة نحو تفضيل السيادة على الخدمات أو المطالب المعيشية، بقدر ما يحمل إدراكًا للتكامل بينهما. حيث إن أزمة مياه الشرب مرتبطة بالعلاقة مع الدولتين الجارتين إيران وتركيا، كما أن أغلب العراقيين يؤمنون بأن خراب العملية السياسية في العراق هو بسبب التدخلات والاستقطابات الواسعة، بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وإيران من جهة أخرى. وهو الأمر الذي أشار إليه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر عدة مرات، ووجه بتحريك حملة شعبية حول تحرير القرار العراقي من الهيمنة الشرقية والغربية تحت وسم "قرارنا عراقي" على وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أن الصدر نفسه، الذي لا ينفك يطالب بالدفع نحو استقلالية المؤسسة العراقية، قابل قاسم سليماني للحديث عن تشكيل الحكومة عدة مرات قبل التصويت على عادل عبد المهدي في البرلمان رئيسًا للوزراء.

 

اقرأ/ي أيضًا: