فيروس كورونا: العلاج باليوتوبيا!

فيروس كورونا: العلاج باليوتوبيا!

انعكست قوة فيروس كورونا على جملة من أذهان الفلاسفة (فيسبوك)

إنني أشير لجورجيو[الفيلسوف] كصديق قديم وأعتذر عن استحضار ذاكرتي الشخصية هنا.. فقبل ثلاثين عامًا، قرر الأطباء بأنني أحتاج لزراعة قلب، وقد كان جورجيو واحدًا من قلة نصحني بألا أفعل، ولو أنني اتبعت  نصيحته، لكنت في عداد الموتى خلال وقت قصير- الفيلسوف الفرنسي جان لوك نانسي.

كان الترياق الوحيد الذي برع به الفلاسفة هو السؤال، وشكّل الهاجس الأول لكل الصياغات المفهومية اللاحقة. لطالما كان السؤال أنيسًا في خلوات الحكماء العظام: ما الوجود، ما هو الجوهر، ما هي القيم؟ وبضرب من الحرية الفلسفية الفريدة تركوا الجواب للآخرين؛ فالسؤال الخام عند الفيلسوف بوابة هائلة لمزيد من القابليات التي تمد الفكر والحياة بإمكانات مفهومية جديدة. ولا يبقى السؤال عند الفيلسوف معلّقًا على مذبح العدم؛ فالمغامرة (الجوابية) تأتي على شكل مفهوم، وهذا الأخيرة يمثّل "هبة الفيلسوف" التي يمنحها للعالم؛ إنها مغامرة شائكة ومعقدة وثقيلة يقوم فيها الفيلسوف كمحارب لا يكل وهو يجول في تخوم العقل البشري لترميم بناه التحتية.

يبدو أن قوة فيروس كورونا الذي يجتاح العالم انعكست وقائعه على جملة من أذهان الفلاسفة

 يخبرنا تاريخ الفلسفة، كما يوضّح جيل دولوز، أن المفاهيم هي هوية الفلاسفة. لا نعرف أرسطو إلّا من خلال مفهوم "الجوهر"، ولا أفلاطون إلّا من خلال مفهوم "المثال"، ولا نيتشه إلا من خلال مفهوم "القيم" ولا فوكو إلّا من خلال مفهوم"السلطة" وهكذا. حينما يكف الفيلسوف عن وظيفته الأساسية، وهي إبداع المفاهيم، يغدو مؤرخًا وحاملًا لإمضاءات غيره من الفلاسفة. حينما يكف الفيلسوف عن عملية الإبداع المفهومي، فلربما يغدو فيلسوفًا "ورعًا" يتخذ من الأمنيات الطيبة واستشراف المستقبل وظيفة تحل محل الوظيفة الأصلية، وتبدو منظوراته نسقًا من اليوتوبيات التي لا تعززها الوقائع؛ فهذه الأخيرة تمنحه دفقًا هائلًا من الإمكانات المفهومية. فلا مكان للأحلام والريبة الزائدة. 

اقرأ/ي أيضًا: المؤامرة والعار في زمن كورونا.. نظريات أم فيروسات؟

يبدو أن قوة الفيروس الذي يجتاح العالم انعكست وقائعه على جملة من أذهان الفلاسفة. وعلى الرغم من الإمكانيات الكبيرة في البلدان الأوربية والبيئة الخصبة لغزارة الأفكار التي تدفع فلاسفة لامعين لتحليل هذا الحدث العالمي  بالاعتماد على جملة من المعطيات التي قد تسند أمنياتهم الطيبة، لكن يبدو الواقع أصلب بكثير من تلك الأمنيات. الأمر الذي يجعل من فيلسوف وعالم اجتماع لامع، كإدغار موران، أن يجعل من هذا الحدث العالمي مناسبة ليجدد انتقاده للعولمة والنيوليبرالية الجديدة على أنها "اعتماد متبادل دون تضامن".

ويعترف هذا الفيلسوف التسعيني على أن العولمة أنتجت حركة التوحيد التقني والاقتصادي للكوكب لكنها لم تعزز التفاهم بين الشعوب. و أن الحروب والأسلحة النووية والاقتصاد غير المنظم مصيرًا مشتركًا بين البشر غير أن البشر لم يدركوا ذلك بعد. ويرى موران أن الفيروس كان عملًا مباشرًا في بروز أزمة عدم التضامن الدولي في مثل هذه المخاطر. أو ما يسميه "الانغلاق الأناني للأمم". بمعنى نحن أمام خطر "انغلاق قومي" بحسب تعبير الرئيس الفرنسي ماكرون. والآمال التي يسوقها فيلسوفنا تتمحور حول إيجاد صيغة جديدة أكثر انفتاحًا للأمم فيما بينها. في المجتمعات الأوربية، يوضح موران، تدهورت فيها هياكل التضامن التقليدية، ومن المشاكل الراهنة، كيف سيستعيد ذلك المجتمع تلك الأواصر المفقودة بين المواطنين والجيران. ببساطة شديدة: يتوق الفيلسوف الفرنسي إلى استعادة القيم الإنسانية المفقودة، ويتمنى لو كان لهذا الوباء عبرة للبشرية أن تعمق حس التضامن المفقود عبر إيجاد صيغة جديدة أكثر إنسانية لعبور هذه المشكلة.

في الحقيقة لم نشهد تضامنًا ملحوظًا بين الشعوب الأوربية بشكل عام (والاستثناءات حاضرة دومًا على أي حال) فضلًا عن حكومات الاتحاد الأوروبي. فعلى العكس من ذلك، تطالعنا الأخبار عن سرقات لبعض الشحنات الطبية من قبل بعض الدول الأوربية. يقول الرئيس الصربي ألكسندرفوتشيتش في فديو انتشر في مواقع التواصل الاجتماعي "لقد أدركت أن التضامن الدولي غير موجود، التضامن الأوروبي غير موجود، كانت تلك قصة خيالية على الورق".

مؤكد إن أدغار موران يتطلع لغد أفضل ولم يجزم بحدوث تلك الأمنيات في الراهن. لكن وللأسف الشديد، أن العالم لا يجري طبقًا لأمنيات النبلاء، ومنهم هذا الشيخ التسعيني النبيل. فلا التضامن الشعبي على المستوى القومي موجود ولا على المستوى العالمي إلّا بحدود ضيقة؛ فالطبيعة الصراعية بين بني البشر سيبقى تأثيرها ساري المفعول حتى إشعار آخر. فتغيير البنى الاجتماعية، في مجتمع الحداثة خصوصًا، يتطلب حلولًا جذرية واقتلاع قيم اجتماعية وسياسية واقتصادية متجذرة في وجدان الإنسان المعاصر الذي تفترسه نزعة الاستهلاك.

في مقالة للفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك جاءت بعنوان "كورونا كفرصة للتحرر والديمقراطية ومناهضة الاستهلاك؟" استعاد فيها أمنيات الفيلسوف الطيب، فعلى الرغم من تردده الواضح في المقالة، غير أنه لم يمنع نفسه من هذه الأمنيات الطيبة التي جاءت على شكل "حاجة إلى تضامن كامل غير مشروط واستجابة منسقة على المستوى العالمي، شكل جديد لما كان يسمى فيما مضى الشيوعية". ومن جانب آخر "تعتبر أوقات الفراغ- لحظات حاسمة لإعادة إحياء تجربة حياتنا، ما كان الصوفيون القدماء يسمونه (الصفاء)".

المزيد من الشفافية والديمقراطية وتخفيف نزعة الاستهلاك والاستمتاع بلحظات "صوفية" والخلاص من آليات السوق وقوانينه الجائرة، وضمان عدالة توزيعية من قبل الدولة تجاه المواطنين وظهور نمط شيوعي ليس بالضرورة أن يكون مشابهًا للنماذج الماضية. هذه خلاصة أمنيات الفيلسوف السلوفيني. ما تثبته الوقائع العالمية، إن الإنسان ضاق ذرعًا في تباعده الاجتماعي وهو محبوس في دوائر العزل الضيقة، ويظهر أن آخر ما يتمناه (الإنسان المعزول) ويفكر فيه هو لحظات النقاء الصوفي، فضلًا عن أمنياته العزيزة على قلبه: المزيد من الاستهلاك والنزعة الفردية، فآليات السوق هنالك من ينوب عنه في تنظيمها!

لا يمكن لوباء أن يجعل البشرية أكثر تضامنًا وإنسانية، بل ستعمد "الأسرة الدولية" إلى إعادة تنظيم صفوها من جديد

وعلى الضد من ذلك، يبدو أن الفيلسوف والمنظر القانوني الايطالي جورجو أغامبين شديد الريبة في نظرته لسياسات العزل المتبعة للتصدي للوباء. واستنادًا إلى فكرة "الاستثناء" التي عنون بها كتابه المشهور؛ فهو يعتبر أن السلطات تعمم حالة الاستثناء مستغلة الظروف الاستثنائية وتتخذ منها مبررًا لتعطيل القانون لحيازة السلطة المطلقة، ويرى من فيروس كورونا مثله مثل فيروس الأنفلونزا العادية، وأنه لا يوجد مسوغ حقيقي لعمليات الحظر. إن السلطات، يقول أغامبين، استفدت المبررات الكافية لمفهوم الإرهاب، لذا فهي تخترع وباء يعزز ميولها السلطوية لتعميم حالة الاستثناء لتقييد الحريات ونشر الخوف والفزع بين المواطنين. تبدو قصة الفيلسوف الإيطالي مأخوذة من سجلات البوليس العربية تمامًا! إن التهويل، في نظر أغامبين، مبالغ فيه، ونتمنى أن يكون الفيلسوف الايطالي قد غير رأيه وهو يرى بأم عينيه كيف تتهاوى إيطاليا على أثر ضربات الفيروس المميتة.

اقرأ/ي أيضًا: كورونا.. دروس في الدولة والإنسان

كانت أفكار ميشال أونفري أكثر واقعية؛ فهو يشتغل على جملة وقائع لها إطارها السياسي والاجتماعي الذي يعززه الحراك الجماهيري للمطالبة بالحقوق، كالحراك العمالي الذي تشهده فرنسا، فضلًا عن القضية الأكثر انتشارًا وهي قضية المهاجرين ومعاناتاهم المستمرة. وكانت  تعريفاته أكثر وضوحًا ومباشرة من جيجيك، ولم تتطلب من أونفري تعريفات غامضة حول طبيعة الصراع (كفرة جيجك عن عدالة توزيعية خارج إطار آليات السوق لكن ليست بالضرورة أن تكون مثل النماذج الشيوعية الماضية). إذ طالب ميشال أونفري بصياغة تصورات جديدة، كما جاء بترجمة أيمان الرياحي التي اعتمد عليها في هذا المقطع، عابرة للثنائيات الماركسية "الكلاسيكية"، كالعمال والبرجوازية، لأن الأزمة الإنسانية التي يمر بها واقعنا الإنساني، بحسب أونفري، لا يمكن حصره ضمن إطار الصراع الطبقي القائم بين طبقة الكادحين وطبقة مالكة لوسائل الإنتاج. يرى هذا الفيلسوف ينبغي على الفكر النقدي أن يواجه كل أشكال التسلط ضد الفئات الصغيرة المضطهدة. وهذه الأخيرة تشمل العاملين والعاطلين عن العمل، والمهاجرين وجميع المهمّشين سياسيًا واجتماعيًا. فبالتالي يدعو ميشال أونفري الأدباء والمبدعين بمختلف مجالاتهم الفنية للاهتمام بموضوع البطالة ومشاكل الهجرة.

إن الوقائع ستعطينا الخلاصة الوافية في نهاية المطاف: هل سينتصر العالم لقيم معينة، أم ستجري غربلة وانتقاء من كل هذه النماذج لتعطينا حزمة قيمية بحلة جديدة؟ لا مكان للأمنيات، الوقائع أقوى وأمضى من كل أمنياتنا الطيبة. لا يمكن لوباء أن يجعل البشرية أكثر تضامنًا وإنسانية، بل ستعمد "الأسرة الدولية" إلى إعادة تنظيم صفوها من جديد، وتستلهم من هذا الحدث المربك صياغات جديدة تعزز أدوات القوة لدى المهيمن! ويبقى العالم كما هو عليه: صراع غير متكافئ لا مكان فيه للضعفاء في نظر السياسة الدولية، وليس في نظر اليوتوبيا!

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

كورونا.. الديمقراطية بين قوسين

لن نعود إلى ما كنّا عليه قبل كورونا.. "التباعد الاجتماعي" جاء ليبقى