قصتي مع سجن الرأس!

قصتي مع سجن الرأس!

نقاش الحجاب والنقاب يخفي خلفه الفشل في تحقيق الحياة الكريمة (فيسبوك)

كنت أخرج من المنزل خفيفة، ألبس حذائي وأشارك الأولاد اللعب. اذهب لـ"الدكان" أشتري أيس كريم "رأس العبد"، أو أطلب السحبة من صاحب الدكان، أملاً بأن أحصل على البالونة الكبيرة. لم أكن أحمل همًا عند خروجي غير هم حذائي الذي يجعلني انخفض لأرتديه.

لم أكن أعرف إمكانية أن يكون السجن رمزيًا، في الرأس أو في الروح!

في العاشرة من عمري، كنت أسمع عن السجون، خاصة عندما كنت أجلس مع أبي أشاهد جلسات محاكمة النظام السابق، نظام صدام حسين. لم أكن أعرف عن السجن كثيرًا غير أنه غرفة مظلمة تفصل السجين عن الحياة، عن المشي خطوة واحدة للأمام، ولم أكن أعرف وقتها أن من الممكن أن يكون السجن رمزيًا، في الرأس أو في الروح! حتى جاء اليوم الذي قرّر فيه أبي أن أرتدي الحجاب! كان عليّ أن أتمرن كيف ألفه أو أخنق نفسي به. كيف أتذكر أن أصحبه معي كلّما خرجت، وأن أقاوم الألعاب والخروج المستمر. أن أراقب العالم من نافذة غرفتي. غطيت شعري بالقماش ولففته حول رقبتي، قبل أن يلف الحبل على رقبة صدام حسين!

اقرأ/ي أيضًا: عشرون رسالة غير محجبة

قطعة القماش هذه، جعلتني أحصد التهاني والتبريكات، لأني ـ بحسب قولهم ـ أسير على خطى "الشريفات والملتزمات" من بنات ديانتي. الديانة التي كنت لا أعرف شيئًا عنها، سوى أن نبيها محمد، والنساء فيها محجبات، أما معتنقوها فهم يصلّون ويؤدون الشهادة. مرّة خرجت من المنزل، كنت أشعر بشيء غريب. حركة الهواء مختلفة، سرعتي في الركض كانت أخف، حتى انتبهت لوهلة أنني خرجت من غير قطعة القماش. لقد نسيته! رجعت خطوات للوراء، وعدت للمنزل ركضًا خائفة من أن تلمحني أعين الناس، أو عين أبي أو أقاربي.  

كنت أشعر دومًا أنني مذنبة، لأني لم أحبه يومًا، وهذا الشعور كان نتيجة للانصياع وراء سلطة أكبر من عمري، وأقصد هنا؛ سلطة الأسرة المنحدرة من سلطة العشيرة، العشيرة المنحدرة من سلطة المجتمع، المجتمع الذي ينحدر من منهج الدولة والأخلاق العامة التي تنشرها أو تفرزها بفعل الفشل أو محاولة تدعيم سلطتها. هل للدين دخل في ذلك؟!

اليوم، أشعر أنني كنت نائمة في حفرة دفنها الزمن، لأني عندما صحوت بدأت أحفر، وعندما خرجت بدأت أنفض التراب من جسدي. هذا ما تفعله السلطات، تجعلنا مقيدين، وتشل حركة التفكير واتجاهه الصحيح أو الخاطئ، لا ضير في ذلك، وبالتالي تجعلنا مثل حشرة في العجين. إنهم يحولونا لروبوت. الذنب الوحيد في ذلك أننا انشطرنا من هذه البيئة، أو سقطنا سهوًا.

في السابق، عندما كنت أبكي وأنا طفلة لأن رقبتي متحسّسة من قطعة القماش، كنت أبكي لأني لم أفهم لماذا ارتديه، رغم أنه عائق، ومتعب، ومنهك.  خاصة عندما كنت أراقب أولاد عمي من سطح بيتنا وهم يلعبون كرة القدم بملابس رياضية ضيقة وقصيرة، ومن دون غطاء رأس!

محمد، كان معي في نفس الصف الدراسي، أي أننا ولدنا في نفس السنة، وكان قريبًا مني، وكنا نتشارك الأفكار والأحاديث يوميًا، نأكل نفس الطعام، نذهب للمدرسة سوية، نأخذ الدروس نفسها، طيّب؛ لماذا لم يرتدي الحجاب؟ تساؤلات كانت تعصرني، لكني كنت أخشى أن أصارح حتى نفسي بها، لأنه حرام! لأنني سوف أعلّق من شعري يوم الحساب، ولأن لا نقاش في الدين، ولا جدال في أوامر القرآن، هكذا قالوا لي. هل هو دين؟!

وبغض النظر عن أن الإيمان الحقيقيّ لا يمكنه أن يتغلغل خارج الروح، إلا عندما ينعكس بسلوكنا لا بشكل أجسادنا وعدد الثياب التي نرتديها. لقد فُسر القرآن منذ نشوئه، وانشطر واحتضر وقسّم حسب جماعات وطوائف معينة، وانتشر في أمكنة، وانطفأ في أخرى، مات مرات عديدة ورجع للحياة مرّات أخرى، وإلى يومنا هذا، لم نجد وقفة واحدة من جميع العلماء والمفسرين والشيوخ، أي أن النصوص التي جاءت في القرآن متغيّرة التفسير، رغم أنه ثابت.  

علماء دين كثيرون قالوا إن الحجاب فريضة، وهذا جاء بعد تفسير لرؤيتهم التي أراها أنا خاطئة ويراها آخرون صائبة. علماء دين وبعض المفكرين الآخرين قالوا إنه شكل اجتماعي، ولا صحة في تفسير النصوص التي جاء فيها الحجاب على أنه فريضة، أو على أنه يحمل نفس المعنى الذي روّج له وحفر في أذهان الكثيرين.

ولو رجعنا لتفسير كلمة حجاب في معجم اللغة العربية، لوجدنا كل المصادر تفسّر الحجاب على أنه حاجز أو منع. أي أنه يفصل بين شيئين، ولا يمحي شيئاَ لغرض بقاء الآخر. ولم أجد آية في القرآن تتحدث عن غطاء الرأس أو تفرضه على المسلمات. تقول الآية من سورة الأحزاب: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. فسر الكثير هذه الآية على أنها تخص نساء النبي وليس المسلمات جميعًا. وكلمة حجاب هنا يقصد بها الحاجز الذي يفصل بين اثنين لا غطاء الرأس. يفسر سيّد القمني الآية على أنها نزلت عندما كان المسلمون يأتون لنساء النبي ليستفتوهن ويسألوهن في شؤون الجنس ليتسننوا بسنة نبيهم. نزلت الآية لكي يكون بين نساء المؤمنين والسائلين حاجز، أي ستارة. وذلك لمنع الحرج.

تقول الآية من سورة الأحزاب: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ) وهذا دليل على أنها تخص نساء النبي. أما الآيات الأخرى التي ذهب تفسيرها لتحجيم المرأة ووضعها في علبة سردين، هي آيات نزلت لبيئة مختلفة عن التي نعيشها الآن، وبتفسير مختلف تمامًا عن الذي دس في الأذهان. يقول الدكتور محمد شحرور إذا قرأنا الآية (31) من سورة النور: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) نجد أن على المرأة ألا تبدي زينتها المخفية إلا لسبعة من المحارم فقط، فلم يأت ذكر العم والخال والصهر، فهل تعني الزينة المخفية الشعر والمكياج؟ أم يتكلم عن شيء يتعلق بخصوصيات المرأة العميقة حيث استثنى جزء من محارم النكاح وترك الجزء الآخر القريب جدًا أي الذي يعيش معها داخل بيتها؟ فزينة المرأة في جيوبها، في خلقها نفسه لا في شعرها، فإما زينة ظاهرة في جيوب وجهها (جمال تقاطيع وجهها كالعينين والفم والأنف والذقن) واستثناها من الإخفاء، أو زينة مخفية في بقية جسمها (كالصدر مثلًا) وعليها تغطيتها حتى أمام الأقرباء من عم وخال وصهر، فالكلام عن لباس المرأة داخل بيتها ولا علاقة له بحجاب أو غطاء شعر. علمًا أن البعل هو الزوج خارج فراش الزوجية. ثم من هم نسائهن؟ هل هناك نساء النساء أم نساء المحارم المذكورة؟ فهنا نسائهن لا تستقيم إلا بمفهوم التأخير، أي ما تأخر عن المذكورين أعلاه، أي الابن يليه ابن الابن وابن الأخ يليه ابنه وهكذا. وهذا يبيّن لنا أن الكلام هو عن خصوصيات المرأة، وأي امرأة في العالم لا ترغب في أن يطلع على خصوصياتها عدد كبير من الناس. وكل ما يقال عن الحجاب هو خطأ، فالمرأة العربية تلبس الحجاب تبعًا للأعراف والتقاليد، وطرح مشكلة النقاب يبيّن حد التفاهة التي وصلت إليها مفاهيمنا التراثية.

بعد هزيمة العراق في حرب الكويت، أصبح خطاب صدام حسين هشًا وغير مقنع، وكان لا بدّ له من بسط يده للإسلاميين

إذن، هنا علينا أن نسأل؛ ما السر وراء شعر المرأة وماذا يهدّد؟ قبل عدة شهور كنت في زيارة لإحدى المؤسسات التابعة للوقف الشيعي، وهي مؤسسة إعلامية، ومن المتعارف عليه أن الذي يعمل بمهن كهذه، عليه أن يكون خفيفًا من الانتماءات والقيود، ثقيلًا بالمادة التي يقدمها للشارع. تفاجأت بطلب تغطية شعري، قبل أن أدخل المؤسسة، رغم أني محجبة، لكن بعض الخصلات كانت تهرب من الزنزانة!

اقرأ/ي أيضًا: "سودانيات ضد الحجاب".. اغتيال المعارِضات بالفبركة

إن هذه المؤسسات التي تحمل لواء الدين أو الطائفة، شخوصها يشبهون مندوبي الإعلانات، أنهم يروجون للطائفة والدين، ولا غرض لهم بغرز الحقيقة أو السير نحوها، لا غرض لهم سوى ببيع أي شيء يمهد لبقائهم حتى لو كان منتهي الصلاحية. أن تدخل سافرة لمؤسسة تحمل لواء المذهب الشيعي، يعني أنها تهدد الصورة وتزعزعها من مكانها، الصورة المخنوقة بالاضطرابات.

وبالعودة للنظام السابق، لو أخذنا لمحة عن البوم الصور لأمهاتنا وجداتنا، لوجدنا أنها لا تخلو من الملابس الضيقة والقصيرة، وكانت نسبة المحجبات ضئيلة جدًا، حتى بدأ تضييق الحريات في بداية السبعينيات حين أصدر وزير الداخلية آنذاك صالح مهدي عماش قرارًا بصبغ سيقان النساء اللواتي يرتدين التنورة القصيرة، تفاجأ العراقيون وهم يرون عمال النظافة يحملون الفرشاة وينفذون الأوامر. في وقتها كان الشعر منجيًا حين أوعز للجواهري بالاحتجاج وهو يقول:

أترى العفافَ مقاس أقمشة؟ ظلمتً إذًا عفافا

هو في الضمائر لا يخاطُ ولا يقصّ ولا يُكافى

مـنْ لـم يخـفْ عـقبى الضمير فمن ســواه لـنْ يخافا

وألغي القرار في وقتها بعد موجة من السخط والغضب،  حتى جاءت الحملة الإيمانية التي قام بها حزب البعث في زمن صدام حسين، الحملة التي جاءت لـ"إعادة الإسلام" إلى مكانته، ورغم أن حزب البعث كان علمانيًا ونقيضًا للإسلاميين، لكنه وقف وقفة واحدة معهم، لأن الخطاب العلماني أُفرغ من محتواه ولا بدّ من نموذج وخطاب جديد! ولكي تكتمل وجوه الحملة، استبدلت وقتها محلات المشروبات الكحولية بالمساجد، وطالت اللحى واختفت وجوه النساء وبصمتهن في الوجود العراقي!

ولا بدّ أننا أصبحنا نعرف عواقب هذه الحملة التي ساهمت بنمو الإرهابيين المتدفقين من تحت عباءة الدين والطوائف. كان السؤال؛ كيف يضع العلماني يده بيد تجار الدين إن كان يبغضهم ويبغض وجودهم، أم أنهم لم يسمعوا عن القرآن والحجاب في السابق إلا عندما روج له المتأسلمون؟

بعد هزيمة العراق في حرب الكويت، أصبح خطاب صدام حسين هشًا وغير مقنع، وكان لا بدّ له من بسط يده للإسلاميين. إنها نزعة "القائد" في الحفاظ على هيبته، وخوفه من أن تحاوطه النزاعات من كل جانب. أراد أن يستبدل الخطاب القومي ـ العلماني بالخطاب الديني الذي سيكون خير عزاء في أيام الحصار والفشل السياسي والعزلة الدولية. ومن هنا بدأ بتغيير المجتمع وأسلمته، وكأنه يقلب الكتاب من الصفحة الأخيرة.

تحوّل وقتها، شكل المجتمع من حضري لعشائري، وهنا علينا أن نتخيّل شكل شيخ العشيرة في وقت نمو السلفيين وصناعة التنظيمات التي ساهمت بتغييب المجتمع وانحداره. هذا ما يفعله الحاكم. إنه يستطيع ارتداء أي أيديولوجيا تناسب الصفقة الرابحة وربما باستطاعته تقديم الشيطان على أنه الله.

نقاش الحجاب والبرقع يخفي خلفه الفشل في تحقيق الحياة الكريمة للناس

لقد قطع مجتمعنا طريقه نحو القاع منذ الوقت الذي تحول النقاش فيه من العدالة الاجتماعية والحقوق إلى الجدل حول أهمية الحجاب والبرقع وضرورة احترام التقاليد. إنه النقاش الذي يخفي خلفه الفشل في تحقيق الحياة الكريمة للناس ويحاول إخفاء أسئلة الحريات بأسئلة تشغل الناس بتضاريس الطوائف وأنماطها كما حصل فيما بعد 2003. إننا نريد أن يعرف الناس حقوقهم وحرياتهم كي يطالبوا بها وسط إشغالهم المتعمد بالقشور، وإن كانت المرأة تجهل مكانتها الحقيقية، لن تستطيع أن تسير باتجاهها، وإن كان المجتمع يسير بأعين ملأى بالضباب سوف يقع في أول حفرة تصنعها فضاءات الثقافة المريضة.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

عن أحجبة الاستهلاك وطبائع الاستملاك

تطرف النسويات بين الجهل والمراهقة