لماذا تم

لماذا تم "إبعاد" عبد الوهاب الساعدي عن قيادة قوات مكافحة الإرهاب العراقية؟

رشح شغاتي الفريق العارضي لتولي مسؤولية قوات مكافحة الإرهاب بدل الساعدي (فيسبوك)

الترا عراق - فريق التحرير

دوت أنباء إبعاد الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي قائد قوات جهاز مكافحة الإرهاب، عن قواته إلى إمرة وزارة الدفاع، لتشعل الغضب في الأوساط السياسية والشعبية وعلى مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، وفتحت الباب أمام تساؤلات كثيرة واتهامات للحكومة وعلى رأسها عادل عبد المهدي بـ "مواصلة" سياسة إقصاء الكفاءات فسح الساحة أمام "الفاسدين".

أثار قرار عادل عبد المهدي بإبعاد الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي غضبًا كبيرًا وتفاعلًا واسعًا على المستوى السياسي والشعبي

لم يتردد الساعدي أو "رومل العراق"، كما يطلق عليه محبوه لـ "حنكته العسكرية وقدرته على قيادة المعارك"، في كشف جانبه من القصة، حيث أعلن تفاصيل مكالمة هاتفية جرت بينه وبين رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة، وملابسات "العقوبة" التي صدرت بحقه.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا "عاقب" جهاز مكافحة الإرهاب بطل أول معركة في الموصل؟

في حين أشارت وثيقة اطلع عليها "الترا عراق" إلى أن كتاب إبعاد الساعدي صدر في 23 تموز/يوليو، من قبل قائد الجهاز، ليحل محله الفريق الركن سامي العارضي، على أن يمنح منصب آخر للساعدي وفق رؤية القائد العام للقوات المسلحة.

أكثر ما يثير القلق حول أزمة الساعدي، وفق مراقبين، ربما هو سياسة "إبعاد" قيادات الدولة ورجالها، لحساب شخصيات أخرى مقربة من "الميليشيات" ومنغمسة في المحور الإيراني، وهو ما عبر عنه بيان صدر من رئيس كتلة صادقون الجناح السياسي لحركة عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي.

من هو عبد الوهاب الساعدي؟

عبد الوهاب عبد الزهرة زبون الساعدي، من مواليد مدينة العمارة عام 1963، جنوب العراق، ترعرع في بغداد ودرس جامعيًا في الموصل، قبل أن يدخل الكلية العسكرية الأولی الدورة 69 ويتخرج منها كأحد الأوائل، ثم خدم في صنف القوات الخاصة، وعندما أصبح برتبة نقيب دخل كلية الأركان وتخرج منها عام 1996، من الدورة 61 كلية أركان برتبة رائد ركن.

نال الساعدي تقديرًا عالٍ ودخل كلية القيادة ثم الحرب، واستمر بدراسته العسكرية حتى حصل على درجة الماجستير في العلوم العسكرية، ما أهله إلى شغل منصب أستاذ محاضر في كلية الأركان، في زمن النظام السابق، وقد تخرج على يديه العديد من ضباط الركن العراقيين والعرب.

صدر قرار إبعاد الساعدي عن قائد جهاز مكافحة الإرهاب طالب شغاتي بتاريخ 23 تموز/يوليو وفق كتاب سري وشخصي ورشح العارضي لخلافته

انتقل إلی العمل في جهاز مكافحة الإرهاب وأصبح رئيس أركان قوات مكافحة الإرهاب، وأشرف علی تخريج الكثير من مقاتلين العمليات الخاصة، لكنه ظل بعيدًا عن الأنظار، قبل أن يسطع نجمه في ساحات المعارك بعد عام 2014 حين اجتاح تنظيم "داعش" مساحات كبيرة مت البلاد.

كان الساعدي على رأس القوات التي خاضت أشد المعارك وأصعبها في الأنبار إلى صلاح الدين والموصل وكركوك، فيما اشتهر بـ "بساطته" ومشاركته مقاتله في مأكلهم ومنامهم، ما خلق له شعبية كبيرة، خاصة بعد لقطات مؤثرة ظهر فيها الساعدي حين بحثت عنه طفلة موصلية واحتضنته، عقب نجاح قواته في تحرير عائلتها.

توقيت حساس..

من بين التساؤلات التي أثارها قرار، هو توقيت، إبعاد قائد وضابط رفيع بإمكانيات الساعدي وخبرته عن المعركة التي لا تزال مستمرة ضد تنظيم "داعش"، بالتزامن مع خطاب زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي الذي تحدث عن معارك استنزاف وحرض مقاتليه على ضرب السجون ومهاجمة المخيمات التي تضم نساء على صلة بالتنظيم.

كما ربط مراقبون بين القرار والأزمة التي تشهدها المنطقة في ظل حرب متوقعة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تلقي بظلالها على العراق، ما يعني أن البلاد في أمس الحاجة إلى خبرات عسكرية وقيادات منضبطة لمواجهة أي تحركات للفصائل والميليشيات داخليًا.

قال الساعدي في حديث لـ "الترا عراق"، إن "العقوبة والإهانة التي صدرت بحقه، جاءت وفق كتاب سري وشخصي رفعه قائد الجهاز الفريق أول ركن طالب شغاتي إلى القائد العام للقوات المسلحة عادل عبد المهدي، بعد أن تضررت مصالح 200 شخص اكتشف أنهم لم يكونوا منتظمين بالدوام ضمن صفوف الجهاز (فضائيين)".

أثار القرار مجموعة كبيرة من التساؤلات من بينها صدوره في توقيت أمني وسياسي حساس تواجه البلاد فيه "تحديات كبيرة"

أضاف الساعدي، أن "عبد المهدي برر القرار لدى اتصاله شخصيًا به، بالتدوير الطبيعي"، لكنه رأى أن "القرار إساءة كبيرة صدرت بحقه، بعد ما حققه إنجازات عسكرية بشهادة عبد المهدي نفسه".

طالب الساعدي بـ "إحالته إلى التقاعد، إذا كانت رغبة القيادة العامة للقوات المسلحة إبعاده عن الجهاز، بدل نقله إلى إمرة وزارة الدفاع، والتي عرضت كلها سابقًا عليه من قبل رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، لكنه رفضها رغبة في إكمال مهام الحرب ضد تنظيم داعش"، على حد قوله.

يشار إلى أن قوات جهاز مكافحة الإرهاب بقيادة الساعدي، نفذت خلال الأشهر القليلة الماضية عمليات وصفت بـ "النوعية" ضد تنظيم "داعش" في صحراء الأنبار والمناطق النائية والجبلية في محافظات صلاح الدين ونينوى وكركوك، محققة نتائج مهمة، وفق بيانات رسمية معززة بالصور والمقاطع المصورة.

نكران جميل.. وقلق!

رأت شخصيات سياسية بارزة، من بينها رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي ورئيس البرلمان السابق سليم الجبوري، في إبعاد الساعدي "نكرانًا لجميله" في معارك التحرير، فيما تساءل العبادي، إن "كانت صفقات بيع المناصب وصلت إلى القيادات العسكرية".

اقرأ/ي أيضًا:  هل سحب عبد المهدي الحشد من يد قاسم سليماني.. ما دور الصدر ومصير المهندس؟

شخصيات أخرى سياسية ومسؤولة أعلنت رفضها للقرار، وطالبت بإعادة النظر فيه، فيما تصدر الساعدي مواقع التواصل الاجتماعي كأكثر المواضيع تفاعلًا، حيث كتب الكثير من الناشطين والمواطنين منشورات تعبر عن تضامنها مع الساعدي، مع حملة مكثفة للتذكير بمواقفه وصوره أثناء الحرب.

ربطت أغلب المنشورات والمواقف، القرار بـ "قلق" الشخصيات السياسية والحكومية الذي تواجه استياءً شعبيًا كبيرًا نتيجة ما أوصلت إليه البلاد خلال السنوات الطويلة السابقة، من شعبية الساعدي الذي ارتبط اسمه كثيرًا بالدعوات إلى تغيير شامل للنظام السياسي القائم، فضلًا عن الإشارة إلى "فساد" داخل الأجهزة الأمنية.

عد سياسيون ومراقبون وناشطون القرار "نكرانًا للجميل" وتعبيرًا عن قلق السياسيين من "الشخصيات الوطنية" التي تحظى بشعبية كبيرة

يقول الخبير الأمني هشام الهاشمي، إن القرار يعبر عن "تخبط في القرارات الإدراية والعسكرية بشكل غير مدروس"، محذرًا من أن "الحرب على داعش لا تزال مستمرة وتجميد رموز النصر في هذا الوقت، خلل كبير يحفز معنويات العدو ويضعف ثقة المواطن بقرارات القيادة العسكرية".

فيما عد علي بشار، أستاذ جامعي وباحث في مجال العلاقات الدولية، القرار "سياسيًا"، مضيفًا في حديث لـ "الترا عراق"، أن "الساعدي رجل مهني قام بجملة إصلاحات على مستوى جهاز مكافحة الإرهاب، وعزز من مكانة المقاتل داخل الجهاز بشكل عام، وهذه الإجراءات عززت من مكانته بشكل كبير وأدت إلى شعور الآخرين بالمنافسة".

قال بشار، إن "عزل الساعدي لا يخلو من تقاطع المصالح والجهاز بشكل عام، ويقال إن هنالك قائد جديد تابع لأحد الأحزاب السياسية سيأتي في وقت لاحق ليحل محل الساعدي"، مبينًا أن "مصير القادة الوطنيين في ظل حكومه تسودها المحاصصة والتقاسمات الحزبية سيكون مثل هذا المصير، وهذه ليست المرة الأولى ولا الأخيرة، فيما كان الساعدي في وضع آخر الآن لو كان على علاقة بأحد الأحزاب".

رأي آخر!

لكن أصوات أخرى رأت في الحملة المساندة للساعدي، "تدخلًا" في شؤون القائد العام للقوات المسلحة، مع انتقادات للتصريحات التي أدلى بها الساعدي والتي تتفاعل بشدة، ورفض لحصر الانتصار على تنظيم "داعش" بقائد واحد.

قال رئيس كتلة صادقون عدنان فيحان، إن "تحجيم الانتصار العراقي الكبير بقائد واحد مجافاة للحقيقة وتزييف للتاريخ وابتعاد عن الإنصاف"، مضيفًا: "مع احترامي لكل قائد عسكري من كل الصنوف والتشكيلات فان الانتصار تحقق بجهد جماعي بدايته شعبيه ونهايته مشتركة".

كما بين فيحان، أن "ما أثير بخصوص موضوع القائد عبد الوهاب الساعدي مبالغ فيه بدرجة كبيرة وتدخل بمهام القائد العام حتى أنها توحي بان هناك من يقف ورائها". تلك التصريحات تعزز مخاوف مراقبين من مساعي يتهم عبد المهدي بقيادتها لتقريب رجال الفصائل المسلحة والضباط الذين نالوا رتب "وهمية" فيما عرف بـ "الدمج"، وتعزيز مواقعهم في المؤسسة العسكرية على حساب قادة تلك المؤسسات من الضباط الأكفاء.

من جانب آخر تشير تسريبات غير مؤكدة إلى احتمالية تدخل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر لإيقاف قرار "تجميد" الساعدي، فيما تشير أخرى إلى أن عبد المهدي ربما يسند منصبًا آخر للفريق بهدف امتصاص موجة الغضب الكبيرة التي أثارها قراره.

يرى مراقبون أن القرار ربما يأتي ضمن سياسة تقريب شخصيات "موالية لإيران" على حساب قادة كفوءين مع تسريبات حول احتمالية تدخل الصدر

ويستعد أبناء محافظة نينوى إلى افتتاح نصب للساعدي في مدينة الموصل، كتعبير عن الامتنان لدوره في تحرير المدينة، يوم الأحد 29 أيلول/سبتمبر 2019، مع دعوات إلى حضور شعبي كبير من قبل ناشطين وصحفيين وسياسيين، كردة فعل رافضة لقرار إبعاده عن مسؤولياته العسكرية.

من الجدير بالذكر أن الساعدي لم يكن أول ضابط يواجه هذا المصير، حيث كشفت مصادر أمنية، في شباط/فبراير، عن نقل المقدم في جهاز مكافحة الإرهاب سلام العبيدي من موقع آمر الفوج الثاني، إلى فوج الدعم والإسناد، ما يعد "عقوبة له".

يشار إلى أن جهاز مكافحة الإرهاب كان له الدور الأهم والأبرز في معارك التحرير الكبرى في الموصل وصلاح الدين والأنبار وغيرها، فيما برزت أسماء ضباطه كـ "أبطال"، من بينهم الفريق الركن عبد الغني الأسدي والفريق الركن عبد عبد الوهاب الساعدي، فضلًا عن العبيدي وغيره.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

أسلحة الحشد الشعبي "تحت يد" وزارة الدفاع.. كيف نمسك الطائرات المسيرة؟

ماذا حصل مع جهاز مكافحة الإرهاب في كركوك؟.. إجابات من مصدر خاص