28-أكتوبر-2015

مظاهرة في بغداد، في أيلول/سبتمبر 2015 (Getty)

كثيرون يسألون دائمًا "لماذا تتظاهرون؟"، وبعض الأحيان أجد الإجابة سهلة ومرة أجدها صعبة، وفي أحايين كثيرة أضحك. نعم أضحك حدّ البكاء على واقعنا المزري، لأن كل شيء في العراق يدعوك للتظاهر، ويأتيك السؤال: "لماذا تتظاهرون؟".

في بغداد، الاقتصاد متدهور والأمن غائب، ونسبة الفقر ترتفع، الأمل وحده من ينخفض

عندما خرج العراقيون، في الحادي والثلاثين من تموز/ يوليو 2015، في ساحة التحرير، في أول تظاهرة ضد الخراب الذي يعيشونه، وقبلهم في محافظة البصرة، لم يكن خروجهم بطرًا، أو لقضاء الوقت والتقاط صور السيلفي مثلما يوجه البعض من اتهامات جارحة لهم، لكنهم شعروا بأن الوضع يزداد ظُلمة، وأن النور قد يتبدد لاحقًا ما لم يسعوا إلى الحفاظ على بصيص الأمل المتبقي وإعادة الحياة لهم ولبلادهم.

نتحدث عن عراق ما بعد 2003، على اعتباره "العراق الجديد" مثلما وصف من قبل حكامه. هذا العراق صرف على مدى عقد ما يقارب الترليون دولار أمريكي، لكن لا أحد يعرف أين صُرفت تلك الأموال، فالمشاريع الخدمية لا تحتاج لحديث، يُمكنكم زيارة العاصمة وليس مناطق أخرى لتروا مأساة بغداد بحقيقتها. الاقتصاد متدهور، والأمن غائب، ونسبة الفقر ترتفع، في المقابل ينخفض الأمل لدى العراقيين.

البصرة، المحافظة التي تقع في جنوب العراق، وتشكّل مصدرًا أساسيًا لموازنة البلاد، التي تكوّن ثمانين في المائة من مبالغها حصيلة الإيرادات النفطية والمنافذ الحدودية التي تأتي منها، لكن البصرة تُعاني من سوء الخدمات، فشوراعها أشبه بشوارع مدينة تُقصف كل يوم، خربة جدًا. الناس هُناك يعانون من الماء، لا يوجد لديهم ماء سوى المالح الذي يضطرون إلى استخدامه لأغراض بسيطة، بينما الشرب والاستحمام يُشتريان.

أما مدن الجنوب الأخرى التي يغبطها البعض بأنها ستكون في ظل "الحكم الشيعي" مرتاحة ومسترخية ومتطورة، لا زالت على حالها، بل ربما أصبحت أسوأ، وربما كانت هناك تغييرات طفيفة لكن لا ترتقي إلى الأموال التي صُرفت، كذلك الحال مع المناطق الشمالية (باستثناء إقليم كردستان) والمناطق الغربية. كل شيء في هذه المدن خرب آيل للسقوط.

الطبقة السياسية الحاكمة في العراق بعد 2003، والتي جاءت بفضل "الديمقراطية" المزعومة، تحكمنا بلباس الملائكة وبأفعال شياطين، يعدوننا بالعسل ويعطوننا السم، يضحكون بوجوهنا ويطعنوننا من الخلف، يقولون ما لا يفعلون، يسرقون قوت أطفالنا، ينهبون خيراتنا، يسيئون إلى عراقنا، كل هذا ولا زلت تسأل لماذا نتظاهر؟ لا يحتاج أحد أن يقنعك بالتظاهر، كما لا تحتاج أنت أن تسأل لماذا تتظاهرون؟ فقط قف في أي شارع من شوارع بغداد وأنظر حولك، البنايات، الجدران، الرصيف، التقاطع، الناس، المتسولون، الباعة الجوالة، صور الموت، مجاري المياه الطافحة، الحفريات في الشارع، النساء، الشيوخ، الأطفال... تمعن بهذه الأشياء، هل ستجد أيًا منها على ما يُرام؟ كل هذه الأشياء ولا زلت تسأل لماذا تتظاهرون؟

 بعد 2003، الطبقة السياسية الحاكمة التي جاءت بفضل "الديمقراطية" المزعومة، تحكم بلباس الملائكة وبأفعال شياطين

أن تكون واقفًا في ساحة التحرير أو أي مكان آخر، لا يعني أنك نفذت أجندة خارجية بإسقاط العملية السياسية في البلاد، مثلما يروّج البعض، ولا أنك ستكون ندًا للإسلاميين، ولا الإسلامي سيكون ندًا لك. وجودك في الاحتجاجات أبسط تصرّف يُمكن أن تقوم به لتعبر عن غضبك من الوضع البائس الذي تعيشه منذ سنوات، كما أنه دليل على محاولاتك لإيجاد مستقبل آمن لأطفالك.

أن تكون عراقيًا وأنت تخرج كل يوم جمعة مطلقًا العنان للاستمرار باحتجاجك ضد القتلة وسراق قوت الشعب، دليل وعيك واحترامك لأرض ستكون شاهدة على مواقف ستخلدها أنت وأصدقاؤك في طرد أعتى عصابات الفساد في العالم. ربما تكون منتفعًا خلال الفترة الحالية من حزب حاكم أو حليف له ومنزعجًا في ذات الوقت من وجود التظاهرات، لكني على يقين بأنك قادر على أن تكون جزءًا من بلدٍ سيغادره الموت والفقر والحرمان في وقت ما، لذا عليك أن تكون واحدًا من ملايين الداعين للتغيير.

لا أحد يُريد للعراق أن لا يكون بخير، كما لا يُريد أي من العراقيين العيش بغير السلام والأمان في دولة تحترم الجميع وتضمن حقوقهم. هذه الدولة لن تأتي من فراغ. هي بحاجة لجهد كبير. تضمن فيه حق الإسلامي المعتدل والمدني الساعي إلى خلق بيئة اجتماعية بيضاء قادرة على نبذ كل أشكال العنف والتطرف.

الآن، هل عرفت لماذا نتظاهر في ساحة التحرير؟

اقرأ/ي أيضًا:

عراق "عقوق" الإنسان

أعياد العراق.. أفراح منقوصة