ما هي آثار

ما هي آثار "صندوق النقد الدولي" على العراق؟

ترتفع معدلات الفقر في العراق مع استمرار الحكومة بالقروض دون مشاريع تنموية للاقتصاد الوطني (تويتر)

يقدم صندوق النقد الدولي القروض والمساعدات للدول التي تحتاج لهذه القروض منذ 40 عامًا، لكن من المفارقات الجليّة عدم حصول أي زيادة في النمو أو الرخاء في الدول التي لجأت إليه باعتباره "الملاذ الأخير للتزود بالسيولة"، بل العكس هو الصحيح، إذ أن مديونية هذه الدول تزداد تفاقمًا من يوم لآخر، والفقر تتسع دائرته بلا انقطاع.

لم يحصل أي تغيير أو زيادة في النمو أو الرخاء في الدول التي لجأت إلى "صندوق النقد الدولي" 

مهدت سياسات الصندوق الطريق أمام المصارف والشركات العملاقة، الأمريكية حصرًا، للوصول إلى أقصى ربوع المعمورة، وأسفرت في الدول النامية عن فقر مدقع ومجاعات قاتلة وتدهور عظيم في النظامين الصحي و التعليمي، وفي مستلزمات الرعاية الاجتماعية، أي أفرزت تدهور مجالات كانت تتصف في كثير من دول العالم الثالث بالتخلف أصلًا.

اقرأ/ي أيضًا: قدرة العراقيين الشرائية.. من مغامرات صدّام إلى فقدان 790 مليار دولار!

صندوق النقد الدولي يذر الرماد في عيون الرأي العام، و يدعي أن هدفه هو صناعة نظام نقدي عالمي جديد وقوي، وخالٍ من العيوب، بمساعدة الدول التي تقع في أزمات مالية خانقة وتقديم القروض الكافية لسد الحاجة، ورسم سياسات اقتصادية جيدة وجديدة. كذلك يدعي هذا الصندوق ومع البنك الدولي، أن تطبيق "النيوليبرالية" هو الحل الأنجع لعالم ينعم باقتصاد مستقر. والحقيقة خلاف ذلك تمامًا، فهدفه يكمن في تعزيز هيمنة القوى العظمى في العالم، الولايات المتحدة الأميركية على النظام العالمي ككل. كما يتجاهل صندوق النقد الدولي مثلًا، النجاحات الباهرة في النمو الاقتصادي التي قدمتها الصين وتايوان وهونغ كونغ وسنغافورة وكوريا الجنوبية، على الرغم من عدم انصياعها لليبرالية الحديثة مع وجود ملاحظات على سياسات هذه الدول المذكورة وما يتعلّق بالاستبداد فيها، لكن لا نبالغ إذا قلنا إن سر نجاح هذه الدول اقتصاديًا هو عدم انصياعها لسياسة الليبرالية الحديثة.

وعن الخراب الذي يصنعه هذا الصندوق داخل العراق، صرّح نائب رئيس صندوق النقد الدولي ديفيد ليبتون بمنتصف شباط/ فبراير 2018 في "مؤتمر إعادة أعمار العراق" بأن "العراق في 2022 سيضطر لدفع 60 بالمئة من عائداته لصندوق النقد الدولي لكي يسد الديون المترتبة عليه"، أي أن العراق سيكون شبه عاجز عن دفع الديون والفوائد المركبة عليه. هذه الديون التي أنهكت ظهر الدولة العراقية قد بلغت 123 مليار دولار في نهاية عام 2018.

بطبيعة الحال، إن سياسة الصندوق تجبر الدولة الدائنة على القبول بالشروط المفروضة عليها من قبله، ففي حال عدم قدرة الدولة على تسديد الديون في الوقت المحدد ستفرض سياسة الصندوق على الدولة أن يطبق سياسة التقشف، والتقشف يعني، بطالة جماهيرية بين صفوف الشباب في المقام الأول، وتعرض صنوف المواطنين إلى أبشع أصناف الفقر وتقويض أسس أنظمة الرعاية الاجتماعية، واتساع رقعة التفاوت الاجتماعي في جميع البلدان الخاضعة لتدخلات الصندوق، وبلوغها مستويات تاريخية، تنذر بعواقب وخيمة وجسيمة. إنه صندوق يحارب الفقراء بدل الفقر، ويصل بهم إلى اللاعدالة الاجتماعية.

ومن أمثلة الخراب التي خلفها الصندوق هي الاضطرابات التي ضربت يوغسلافيا في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. بعد تفاقم الديون على يوغسلافيا لنادي باريس ونادي لندن وعدم إيجاد القدرة على تسديدها في الوقت المحدد علق صندوق النقد مساعداته المالية لهذه الدولة، ودفعت هذه الإجراءات شعب تعداده 24 مليون نسمة إلى حافة التهلكة وحياة البؤس والحرمان، حيث خسر الملايين من العمال فرص عملهم، وباتوا محرومين من أدنى الحقوق التي يجب أن توفرها لهم الدولة التي لم تعد قادرة على شيء بسبب الديون المفروضة عليها. وبعد هذه الكارثة التي حصلت، اشتعل لهيب الصراعات القومية والحرب الأهلية التي تذرع بها حلف الأطلسي الذي تقوده أمريكا والاتحاد الأوروبي للتدخل عسكريًا في يوغسلافيا. هذا المثال البسيط لمن يتوسم خيرًا بالسياسات الأمريكية في المنطقة عمومًا وفي العراق خصوصًا. ثم لا يسع الفرد إلا القول بأن هذه الممارسات القذرة تعيد إلى الأذهان أبشع عصور "الهيمنة الكولونيالية".

اقرأ/ي أيضًا: تجارب 3 دول دمر قرض "النقد الدولي" اقتصادها

عند الحديث عن آثار صندوق النقد الدولي، يشير خبراء اقتصاديون إلى أن حجم الكارثة العراقية مهول، حيث أن العراق سيستغرق 30 عامًا لتسديد هذه الديون، وهذا يعني هيمنة صندوق النقد على الواردات النفطية العراقية لثلاثة عقود، إن لم تتفاقم في حالة طلب قروض أخرى، لكن هذه الأحاديث مرت دون جدوى على آذان الحكومة العراقية.

سيضطر العراق إلى دفع 60 بالمئة من وارداته إلى صندوق النقد الدولي عام 2022 فيما يتوقع أن يستمر العراق في تسديد ديونه 30 عامًا

الهيمنة الاقتصادية تعني الهيمنة السياسية بكل أشكالها، حيث لا قرار مستقل، ولا مصلحة قصوى، ولا سيادة، هذا ما تفعله أمريكا، سيدة الخراب الأولى في العراق وغيره من الدول العربية. الأمر الغريب الذي نسمعه بعد كل هذا الكم من الدمار التي تخلفه أمريكا نسمع أصواتًا "مازوخية" هنا وهناك "مساندة للتوغل الأمريكي" تقوم بالشتم والانتقاص من الشباب الذين يرفضون الهيمنة الأمريكية والخارجية بكل أشكالها على أساس وطني مستقل، أنهم لا يريدون علاقات سياسية مبنية في الإطار الدبلوماسي المحترم، إنما علاقات غير محترمة، يخضع فيها ما يعتبرونه "ضعيفًا" للمهيمن الأكبر الذي يتحكم بمصير الأجيال ويرهن مستقبل الدولة بين يديه ويد "صندوق النقد الدولي".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

صندوق النقد الدولي.. عقيدة إفقار الفقراء وتجويعهم

أفقر أيام مصر.. صندوق النقد مع السيسي ضد الشعب