ما هي

ما هي "خطيئتنا" كعرب ومسلمين؟!

من فرنسا حيث تظهر كتابات التحريض على المسلمين (تويتر)

يحاول البعض إعطاء العنف هوية إسلامية عربية نظرًا لوجود بعض "النصوص الحربية" في القرآن وانطلاق السلفية الجهادية من هذه النقطة بالذات. فإن لم يكن إسلاميًا فهو عربي في نهاية المطاف، لكنّه ليس صحيحًا أن نعتبره هوية للشعوب العربية؛ فالعنف طبيعة بشرية تتباين شدتها حسب الظروف المتاحة لها.

 إن للعنف طابع سياسي في الأول قبل أن يكون "حتمية ثقافية"، في باكستان وأفغانستان يشتد العنف بين الجماعات القبلية المتناحرة، ثم تأتي السلطة لتستثمره، فضلًا عن الضخ السعودي والدعم اللامحدود من أمريكا

ثمّ إن الأمر لا يخلو من تسرع وتقليد للرؤية الاستشراقية التي حاولت إعطاء الإسلام صبغة ثقافية واحدة. بعبارة أخرى، دمج الشعوب الإسلامية في هوية ثقافية صلبة ومتماثلة، وهذا خطأ، ذلك أن الإسلام يتكيّف وينصهر بالثقافة التي تتبناه، إذ لا يمكن مماثلة الإسلام الإندونيسي بالإسلام السعودي، وهذا واضح للمتتبع، ولا يتبنى الإندونيسيون النصوص الحربية كمراجع للعنف.

اقرأ/ي أيضًا: روزخونات العراق

إن للعنف طابعًا سياسيًا في الأول قبل أن يكون "حتمية ثقافية".  في باكستان وأفغانستان يشتد العنف بين الجماعات القبلية المتناحرة، ثم تأتي السلطة لتستثمره بصيغة دينية ذات طابع حماسي مخيف، فضلًا عن الضخ السعودي والدعم اللامحدود للعنف الديني في باكستان ودعم تنظيم القاعدة ومباركته من قبل الولايات المتحدة.

هذه الأمثلة توضح لنا الصيغة الواضحة في جعل الدين عنيفًا أو مسالمًا، وإلا فالنصوص الحربية كانت موجودة في القرآن وعاش العرب المسلمون مع التشكيلات الثقافية المتنوعة في الشرق الأوسط ولم يأكلوا بعضهم بعضًا. وبالطبع حينما نحلل جذور العنف وأسبابه السياسية والاقتصادية، فحينئذٍ سيكون للعقيدة المتصلبة حصة في تنامي العنف، وما عدا ذلك يبدو التحليل متحيّزًا ويعاني من أحكام مسبقة نحتاج إلى تحليلها قبل تحليل العنف الديني!.

لقد كانت الشعوب الأوروبية غاية في الهمجية والبربرية، وقد كانت جذور إمبراطوريتهم تكمن في القرصنة والنهب والسلب، لكنّهم نجحوا في معجزتهم الخالدة "الدولة الحديثة" واستطاعوا أن يسيطروا على النزعة التدميرية في الإنسان عن طريق القانون إلى حدٍ كبير. ولولا تأسيس الدولة بإطارها القانوني المعروف اليوم لم تستطع أوروبا أن تكبح جماح العنف الديني والعرقي. ومشكلتنا نحن الشرقيين لسنا إرهابيين، ولسنا عنصريين، ولسنا حمقى، وما يجري في محيطنا ليس غريبًا على باقي الشعوب.

لم تكن مشكلة الدولة الشرقية كونها دينية وعنيفة، ولم تكن حكوماتنا دينية، بمعنى حكومة رجال الدين، لقد كان شكل الحكومات التي تعاقبت على منطقتنا منذ الدولة الأموية حتى هذه اللحظة لا يعتمد على الدين فقط، بل كان الدين أحد مصادر التشريع للدولة العربية الإسلامية.

مشكلتنا دائمًا وأبدًا تنطلق من الاستبداد والمركزية الصارمة والقمع السياسي. لا يعني هذا أن الدولة الدينية، إن وجدت، لا تتورط بالقمع، بل ستوظف الدين لعنفها السياسي. لكن لمعرفة جذر المشكلة بشكل صحيح هو في الدولة العربية الحديثة وتشكيلها؛ إذ لم تستطع النخب العربية إيجاد شكل واضح ومفهوم للدولة، يخضع لأطر قانونية واضحة. حيث ظلت الدولة العربية الحديثة تستند إلى هذه المعادلة: سلطة العسكر والإسلام الرسمي الذي تهمين عليه السلطة. وبهذا المنطلق لم يكن هناك حيز سياسي واضح المعالم، ويتم التضحية بالحريات المدنية والسياسية على حساب " الضرورة، ومن هذه الأخيرة ينطلق العنف!؛ فالحرب العراقية الإيرانية وأسبابها السياسية، وقبلها الاحتلال الاستيطاني الصهيوني، وإرهاب الأنظمة العربية وقمعها لشعوبها وتآمرها المستمر على قضايانا الحيوية لا يتعلق بالعنف، وتآمر حركات الإسلام السياسي، بكل صنوفها المذهبية، مع بريطانيا، أقول، إن كل هذه الوقائع لم تكن أسبابها عربية إسلامية، ومن يحترم حقائق التاريخ ويحترم نفسه، سيجد متّسعًا للعنف في السياسة قبل أن يتهم دينًا أو عرقًا أو طائفة بهذه الصفة ويغرق في خرافة الحتميات الثقافية. لا يوجد عرق أو دين عنيف أو مسالم، بل يوجد نظام سياسي متماسك يحصر العنف الشرعي بيد الدولة حصرًا، ونظام سياسي متهالك يقدس السلطة على حساب الدولة، فيتنامى العنف بكل أشكاله. ذلك أن الدين أو العرق ليس معطى ثابت حتمي، وإنما يؤثر ويتأثر بحركة التاريخ، فمن الصعب للغاية فصل الدين عن السلوك الاجتماعي، فالفصل هنا نظري مجرّد لا حقيقة له في الواقع.

إن خطيئتنا الكبرى تكمن لدى أسلافنا الذين لم يستطيعوا بناء الدولة القانونية. دائماً ما كان "القائد" هو الدولة، فكانت الدولة العربية دولة قمعية بوليسية خارج أطر القانون. هذا هو الفارق الكبير بين عنف مشروع وممسوك من قبل الدولة، وعنف مباح يتخذ شرعيته من الهويات الفرعية حينما تنفرد بسلطتها بعيدًا عن سلطة الدولة.

 إن العنف ليس له هوية عرقية أو دينية أو طائفية، وإنما تغدو الطائفية أو العرقية شكلًا تعبيريًّا لتبرير العنف، ويبدو المقدس الطائفي أو العرقي هو البديل السحريّ في حال غياب الدولة

ما إن تغيب الدولة في أي مجتمع كان حتى تخرج الأفاعي من جحورها، وهذا ما يحصل في منطقتنا العربية بالذّات.  ذلك إن العنف ليس له هوية عرقية أو دينية أو طائفية، وإنما تغدو الطائفية أو العرقية شكلًا تعبيريًا لتبرير العنف، ويبدو المقدس الطائفي أو العرقي هو البديل السحريّ في حال غياب الدولة. ماذا يحصل لمجتمع عاش تحت نير الطغيان لثلاثة عقود أو أكثر؟ بالتأكيد سينتقم هذا الشعب على طريقة "الطبقة المُهَيمَن عليها" ضد الطبقة المهيمنة. إذ يحدث كل هذا لغياب العدالة ووجود تفاوتات طبقية حادة تدفع الناس للدفاع عن وجودها، لكن هذه الحقائق بعيدة عن بعض "المثقفين"، لأن البحث عن هذه الأسباب ستجعلهم متهمين قبل غيرهم.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الدين و التديُّن.. هل للتعصب هوية؟

تركة التعصب إذ يرثها مجانين الحكم