07-أبريل-2018

معرض بغداد للكتاب (فيسبوك)

ربما لن يحصل زائر بغداد على الصورة المتخيّلة لها في الوجدان العربي، بعد ما عايشته من حروب وحصار واحتلال، فالمدينة منهكةٌ تعاني مراراتٍ لا يبدو أنها ستنتهي بسهولة، غير أنّ الزيارة ومعايشة اللحظة البغدادية تقدّم صورة لعراق يسعى إلى الخروج من نفق الحرب والخراب. ترى ذلك في الروح المتوثبة التي صنعت فعاليات "معرض بغداد الدولي للكتاب" (تنتهي فعالياته في 8 نيسان/أبريل الجاري)، الذي لا يريد أنْ يكون مجرّد معرض كتاب تقليدي وحسب، بل فاتحة لحياةٍ وجدت أسبابها ودوافعها كلّها للخروج إلى أفق جديد.

لا يريد معرض بغداد الدولي للكتاب أن يكون معرض كتاب تقليدي، بل فاتحة لحياةٍ عراقية جديدة

أقيم المعرض في مدينة المعارض الواقعة في حي المنصور، الواقع في منطقة الكرخ، وقد وصل عدد الدور المشاركة، بالأصالة أو الوكالة، إلى 600 دار نشر عربية وعراقية، إضافة إلى باقة مميّزة من الفعاليات الثقافية والاقتصادية الموازية.

"ألترا صوت" كان حاضرًا في المعرض، ورصد حركة الإقبال اليومية الكبيرة، إذ لم يقتصر الحضور على أبناء بغداد وحدها، فالعديد من الزوّار كانوا يأتون من المدن العراقية الأخرى، واللافت حقًّا أن المعرض بلا وقت ذروة حال معارض الكتب، حيث تشهد ساعات معينة من النهار، أو أيام نهاية الأسبوع، إقبالًا أوسع من غيرها. لدى قرّاء العراق معادلةٌ أخرى؛ الأوقات كلّها أوقات ذروة. "إنه كرنفال" كما يقول الشاعر صفاء سالم إسكندر، الذي يوضّح أكثر في حديثه لـ"ألترا صوت": "ها نحن ذا ننتقل من عرض الكتب إلى جو الكرنفال. وما يشكّل أفضلية المعرض هو حضور الكتّاب العرب، الأمر الذي زاد من عدد الحضور والمعجبين".

يعلّق الزميل الصحافي مصطفى سعدون على دور المعرض الثقافي والإنساني في مدينة مثل عاصمة الرشيد قائلًا: "الصورة السوداوية التي رُسمت عن بغداد وشوّهت من خلالها طيلة السنوات الماضية، لم تعد موجودة، وخير دليل على ذلك كل النشاطات والمناسبات التي تحتضنها العاصمة، وآخرها معرض بغداد للكتاب، الذي أسهم في تأكيد عودة بغداد المدينة التي تكتب وتقرأ وتطبع، وحفّز عددًا كبيرًا من الشباب البغدادي بالتوجه نحو قراءة الكتاب والمطالعة في وقت يُقال ان القراءة تراجعت".

يأتي مثقفون وكتاب من مختلف المدن العراقية، من البصرة هناك الروائي ضياء جبيلي والشاعر محمد حاذور، ومن الحلّة (بابل) الشاعران مازن المعموري وحيدر الفيحان، ومن جبل سنجار تحضر مجموعة من الشعراء الشباب من بينهم زيدان خلف وعماد بشار وسرمد سليم. بالإضافة إلى العديد من كتاب المنفى العراقي مثل الروائيين علي بدر ومحمد حياوي، والقاص أزهر جرجيس، والشاعر والباحث جمال جمعة. إلى جانب هؤلاء، تلتقي بشعراء بغداد مثل عبد الزهرة زكي وزعيم نصار وأحمد عبد الحسين، والروائيان سعد محمد رحيم وأحمد سعداوي. يقول لنا الشاعر الشاب زيدان خلف: "هذا أول معرض دولي للكتاب تسنح لي فرصة زيارته، ومن هول الفرحة رحتُ أنكب على الكتب الجديدة والقديمة أيضًا، إذ أنّ المنطقة التي نعيش فيها تعاني من شح الكتب، وهذا ما جعلنا شغوفين أكثر بزيارة معرض لم يخيب ظنوننا".

شهدت الندوات المرافقة للمعرض إقبالًا قويًّا، لا سيما في الندوات التي استضافت الروائيين الكويتيين بثينة العيسى وسعود السنعوسي، وفي الندوة الحوارية مع اللبنانية علوية صبح والجزائري واسيني الأعرج، وفي الجلسة المخصصة لحضور الكتاب العربي في الغرب التي جمعت المترجم الألماني غونتر أورت والروائي علي بدر.

معرض بغداد للكتاب 2018
خلال التكريم
 

يشيد الشاعر الشاب محمد حاذور بالندوات التي حضرها على هامش المعرض، لا سيما الجلستين اللتين تناولتا تجربة الجوائز العربية ومكانة الراحل فالح عبد الجبار، يقول: "من بين ما يميز هذه الدورة عن دورة العام الماضي، بالإضافة إلى الضيوف المميزين هو الندوات المميزة المتنوعة ما بين السرد والفكر". بينما يرى الكاتب أحمد الشيخ ماجد أن برنامج الفعاليات طغى عليه الأدب، وافتقد لحضور النخب الفكريّة والأكاديمية، يقول: "كنا نتمنّى مع الأدباء حضور بعض المفكّرين، سيما وأننا شاهدنا أن سوق الفكر ينافس سوق الأدب والرواية بالنسبة للقراء وزوار المعرض".

قدّم "معرض بغداد الدولي للكتاب" أيامًا لا تنسى لبغداد وضيوفهاعلى السواء

أما الشاعر علي رياض فيرى: "استطاع المنظمون المستقلون، بمعزل عن وزارة الثقافة، تنظيم أفضل دورة للمعرض منذ عام 2003، ما جعل الإقبال على المعرض واسعًا جدًا طيلة أيامه. لكن حدثت بعض الأخطاء الصغيرة التي كان يمكن تلافيها، مثل عدم توافر مساحة جيدة للجلوس والاستراحة، وشيء من الفوضى في برنامج فعاليات المعرض وندواته، غير ذلك كان كل شيء رائعًا".

اقرأ/ي أيضًا:
‎بغداد في زمانين

كذلك شهد المعرض فعالية اقتصادية موازية، قدمت العديد من الندوات الاقتصادية في الفترة الصباحية، برعاية "رابطة المصارف العراقية الخاصة"، أبرز رعاة المعرض، التي وعدت خلال جلسة خاصة مع ضيوف المعرض، من خلال رئيسها وديع الحنظل بأن يستمر هذا الدعم وأن يتطوّر في المستقبل. كما كرّمت الرابطة، على هامش المعرض، 14 شخصية سياسية واجتماعية وثقافية، كنوع من استذكار شخصيات قدّمت للبلد الكثير، وتأكيدًا على إيمانها في دعم الإبداع العراقي في مختلف مجالاته، كما قال رئيسها.

قدّم "معرض بغداد الدولي للكتاب" أيامًا لا تنسى لبغداد وضيوفها. على أمل أن تتطور التجربة وتتسع في الدورات المقبلة، لكي يعود العراق إلى مكانته الثقافية في قلوب العرب، وإلى فعاليته الحيوية العالية، التي نراها اليوم في الحضور القويّ للأدب الذي يكتبه العراقيون عربيًّا وعالميًا.