معركة

معركة "الوجود المريح".. النفوذ الأمريكي والإيراني

المحتجون رفعوا لافتات تندّد بالنفوذ الإيراني في العراق (فيسبوك)

رغم الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت لثمان سنوات، وما تخللها وتلاها من خطاب عدائي صدّرته أجهزة السلطة السياسية والدعائية والتربوية والتعليمية، ضد النظام الإيراني، والشيطنة المتبادلة من قبل الدولتين، إلا أن الحال تغيّر بعد سقوط نظام صدام حسين، وصار التواجد الإيراني المكثف في مناطق الوسط والجنوب، والمليوني في أوقات الزيارات الدينية، مشهدًا طبيعيًا، وتقلصت ـ تدريجيًا ـ حدّة العداء لإيران، حتى بات "ولاء" فئة من العراقيين المقلدين للمرشد الإيراني علي خامنائي علنيًا، عشية سقوط محافظات عراقية بيد تنظيم الدولة (داعش)، وقد صَنع التدخل الإيراني المُساند للحكومة العراقية على الأرض، بالسلاح والخبرات وغيره، مشاعر إيجابية في الوسط والجنوب العراقي تجاه الإيرانيين، متزامنًا مع استعادة الثقة بالنفس في الحرب ضد التنظيم، والحالة العاطفية التي تشوب أوقات الحروب بالعادة.

كانت الاحتجاجات المتذبذبة هي العامل الأول في "سحب القدسية" من ذلك الخطاب العقائدي الذي يقسم الناس إلى محور خير يُحارب التنظيم، ومحور شر داعشي/بعثي يتهم "المقدسين الجدد" بالعمالة

من الجانب الآخر، واجه الأمريكيون فور احتلال العراق، مقاومة شرسة في المناطق السنية والشيعية، بدأت بالخفوت بعد تفجير المراقد الدينية في سامراء عام 2006، ثم تنظيم خطة الانسحاب باتفاقية الإطار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة.

اقرأ/ي أيضًا: نظرة إيران إلى احتجاجات تشرين.. عداء لشيعة العراق

بفعل المقاومة المسلحة، والضغط السياسي الداخلي في واشنطن، انسحبت الولايات المتحدة من العراق عسكريًا بشكلٍ تدريجي، لكن دورها لم ينتهِ، متخذةً استراتيجية جديدة في التعامل مع الملف العراقي، متجانسًا مع دورها في المنطقة إبان الثورات العربية.

كان للانسحاب الأمريكي وسقوط المحافظات بيد الجماعات الإرهابية، وزيادة وتيرة الفساد السياسي والإداري والمالي، والخطاب الطائفي، وتدهور الأوضاع المعيشية بالنسبة للمواطنين، الدور الأكبر في تقليل حدة العداء ـ على المستوى الشعبي ـ للولايات المتحدة. كما عزّز تأكيد الحكومة العراقية المستمر على "النصر" المُحقق بعد الانسحاب الأمريكي، الانطباع العام لدى الناس بأن الساحة خلت للإيرانيين وحلفائهم العراقيين.

أُثناء الحرب على تنظيم (داعش)، وصعود الخطاب العقائدي الشيعي المُتسامح مع الوجود الإيراني في العراق، اندلعت احتجاجات شعبية في صيف 2015، واستمرت بشكل متذبذب حتى 2018، وكانت هي العامل الأول في "سحب القدسية" من ذلك الخطاب العقائدي الذي يقسم الناس إلى محور خير يُحارب التنظيم، ومحور شر داعشي/بعثي يتهم "المقدسين الجدد" بالفساد أو الإجرام أو العمالة. جرت عملية "السحب" بوجود مطالبات ـ لها بُعد شعبي ـ بالإصلاح ومحاربة الفساد وسن القوانين، قابلها رفض لأي عملية إصلاحية، وحماية علنية لبعض الشخصيات الفاسدة، من قبل "المتصدرين" للمشهد العقائدي المرتبط بإيران.

كان تكتيكًا ذكيًا من قبل إيران في استثمار الحدث الكبير: تحشيد الشيعة تحت لوائها قبالة سقوط المحافظات بيد جماعة إرهابية تُهدد المجتمع والدولة بكل أركانها عمومًا، والوجود الشيعي المذهبي خصوصًا. لكن، على المستوى الاستراتيجي، لم تكن إدارة إيران لنفوذها ذكية بما فيه الكفاية لإدامة "الوجود المُريح" في العراق.

حالما زال غبار الحرب، وأعلن العراق انتصاره وتحرير الأراضي من سيطرة التنظيم، زالت معه العواطف، واتضحت الرؤية أكثر. نظّم حلفاء إيران وقادة الفصائل المسلحة التي اكتسبت شعبية من ساحات المعارك، صفوفهم، ودخلوا الانتخابات، التي تخللتها فضائح غير مسبوقة، ما اضطر بعض الأطراف السياسية لإعادة العد والفرز اليدوي، ثم بدا مشهد جلوس قادة الفصائل والتحالف مع المُتهم بدعم الإرهاب وأحد أهم المطلوبين للدولة "خميس الخنجر"، وغيره من "أعداء الأمس"، بدا صادمًا بالنسبة للقاعدة الشعبية. صدمات عدّة، منها نقل عناصر داعش من الحدود اللبنانية إلى الحدود العراقية بصفقة مع حزب الله اللبناني، هزّت المزاج الشيعي وقلبت توجهاته. كانت الأحداث بتفصيلاتها هذه تُضعف حظوة الجبهة الشيعية الحليفة لإيران في مناطق قواعدها الشعبية.

مثّلت انتفاضة البصرة  في صيف 2018  بداية الرفض العلني من الشارع للأحزاب المقربة من إيران

مثّلت انتفاضة البصرة  في صيف 2018 ضد تدهور الأوضاع الخدمية والاقتصادية وما تبعها من تلوث مياه الشرب الذي أدى إلى تسمم عشرات الآلاف، بداية الرفض العلني من الشارع للأحزاب المقربة من إيران. احترقت مقرات الأحزاب والفصائل المسلحة. احترق الرمز المقدّس في مشهد غير مألوف، وربما لم يكن متوقع لناحية سرعة الحدث: مرور عام واحد فقط على انتهاء الحرب ضد التنظيم الإرهابي.

اقرأ/ي أيضًا: إيران و"فوبيا" العراق

اعتادت الولايات المتحدة على اتخاذ الخيارات الاستراتيجية. لقد أسقطت نظام صدام حسين وبنت نظامًا طائفيًا بدلًا منه، وأتاحت مَهمة الحفاظ على نظام المحاصصة وشخوصه لإيران، وتحميل فشل النظام للمتنفذ الواضح للعيان، وقد حصدت بعض النتائج لاحقًا. كما انسحبت من العراق وتركت المحافظات السنية (التي قاومتها) تُصارع للحصول على أدوار في قيادة الدولة، الأمر الذي أدى للكوارث المعروفة، وبذلك، أتاحت الفرصة لإيران للتغلغل في تلك المناطق، وتهديد هويتها الوجودية، فانقلب المزاج السني المقاوم للأميركان إلى "راغب" بعودتهم، امتعاضًا من الوجود الإيراني المُستَفِز.

إن بناءَ النظام وفق الاستراتيجية الأمريكية ثم تركه يُصارع بين النفوذ الإيراني والهجمات الإرهابية، أبعد واشنطن عن الصورة المباشرة أمام عامة الناس. لم تورط أمريكا نفسها بالتدخل في تعيين الوزراء والمدراء العامين بشكلٍ علني كما فعلت إيران. تجنّبت مثل تلك الفضائح التي تثير غضب الشارع. أما على الجانب الآخر، فلا تتوقف تصريحات إيرانية على التفاخر بالهيمنة على العراق وعواصم في المشرق العربي، بل وصل الحال إلى تبجح قائد الحرس الثوري ـ في تصريح منسوب له ـ بفوز إيران على أمريكا ( 3 ـ 0 ) في إشارة إلى تنصيب رئاسات ثلاث جديدة في العراق موالية لطهران.

مضت الدولتان، أمريكا وإيران، في ذات التعامل مع الملف العراقي عند انطلاق انتفاضة تشرين، فبينما بدأت الولايات المتحدة بتصريحات باردة، وتدرّجت وصولًا إلى دعوة الحكومة للاستجابة لمطالب المتظاهرين وتنظيم انتخابات مبكرة، كانت إيران على الجانب الآخر تخوّن تلك التظاهرات وتتهم دولًا خارجية بدعمها، بل دخل المرشد الإيراني علي خامنائي على الخط، عبر تغريدة خصت العراق ولبنان، اعتبرها متظاهرون فتوى صريحة بقمعهم.

لم تعطِ الولايات المتحدة الفرصة لخصومها في العراق باستغلال أي نشاطٍ وتدخل أمريكي ليُصنع منه مادة إعلامية، أو حدثًا مدويًا يُستثمر في حكايات للاستهلاك الشعبي، بالمقابل لم تمتنع إيران عن تقديم المواد الإعلامية الدسمة بشكل مستمر، لترسم صورة في ذهن العراقيين تُظهر النفوذ الإيراني كعامل سلبي يَمنع الإصلاحات ومكافحة الفساد وبناء دولة قوية.

إن "الوجود غير المريح" أجبر الولايات المتحدة على الانسحاب من العراق، وترك الأوضاع تأخذ أشكالها وقوالبها الحقيقية، بينما حصلت إيران على "الوجود المريح" مؤقتًا، وخسرته بسرعة هائلة، فالتدخل العسكري في الزيارة الأربعينية الأخيرة، والعناء المبذول في حماية القنصليات والسفارة الإيرانية، والشحن الإعلامي والتخوين الهستيري، في الانتفاضة تشرين، يؤشر إلى مرحلة ربما هي الأخطر على النفوذ الإيراني في العراق.

كسبت إيران قوى سياسية بالترغيب والترهيب والولاء، لكنها لم تكسب القاعدة الشعبية الشيعية قبل كل شيء. وعليه، فأن وجودها في العراق لن يكون مريحًا بعد الآن

تقف الولايات المتحدة على التل، تنتظر وجودًا يمنح لها تطبيق رؤيتها التالية للشرق الأوسط، وربما تتدخل في الأمور الحساسة والكبيرة، وكعادتها، تستغل الأزمات وتستفيد من إطالتها لتحقيق المبتغى المطلوب، بينما تسلك إيران سلوك "الوصي" على النظام العراقي بأصغر مفاصله، وتستفز كرامة المواطنين العراقيين جهرًا؛ فقد كسبت قوى سياسية بالترغيب والترهيب والولاء، لكنها لم تكسب القاعدة الشعبية الشيعية قبل كل شيء. وعليه، فأن وجودها في العراق لن يكون مريحًا بعد الآن.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

هل أهدر خامنئي دماء المتظاهرين العراقيين.. كيف سيرد السيستاني؟!

منظمة العفو تكتشف "قنابل إيرانية" في رؤوس المتظاهرين العراقيين!