آلام وتحديات الواقع

آلام وتحديات الواقع

الحداثة وًلدت في حضارة أخرى، فنحتاج إلى آلام مبرّحة لزرعها في حضارتنا الآفلة (Getty)

وليس من الصدفة في شيء أنّ أوّل تعريف فلسفي غربي واسع النطاق للسياسي قد انطلق في محاورة أفلاطون السياسي من نقد النموذج الشرقي القائم على فكرة "الملك-الراعي" (le roi-pasteur)، أي السياسي الذي يفهم السياسة بوصفها أحد "الفنون الرعوية" ( arts pastoraux) ومن ثمّ الذي يحكم باعتباره "راعي ومربّي القطيع البشري". فتحي المسكيني

حينما أراد فهم الشرق احتاج ماركس إلى جهاز مفاهيمي آخر غير الذي حلل به أوروبا. ذلك أن هذه الأخيرة امتازت بنمط إنتاج "إقطاعي" تقوم على ثنائية مالك الأرض والفلاح. فابتكر لتاريخ أوروبا الإقطاعية منهجًا ومفاهيم حللّ من خلالها هذا التاريخ الطبقي. وبما أن المنهج الماركسي قام على تحليل الرأسمالية، لم يسعفه لتحليل نمط الإنتاج الشرقي، لما يمتاز به هذا الأخير من  نمط مغاير تمامًا عن المناخ الأوربي.

 لماذا تفشل ثقافتنا في العمل المؤسسي وتنجح نجاحًا باهرًا في العمل الشخصي وتربط ولائها بهذا الأخير حد الموت؟

فانطلق ماركس من فكرة مركزية أطلق عليها "الاستبداد الشرقي"، أو"نمط الإنتاج الآسيوي". بمعنى أن المنهج الماركسي صُمّمَ خصيصًا لتحليل الرأسمالية، في حين أن أنماط الإنتاج الأخرى (الثقافات الأخرى) ترتهن بمناخها الثقافي السائد وما هي القوى المحركة له، فوجد ماركس التركيب الاقتصادي- الاجتماعي في الشرق، كما تقول الكاتبة هيفاء أحمد الجندي:"هوَ عِبارةٌ عن قرى مَشَاعيّة، مُكتَفيَةٌ ذاتِيًّا تَجمعُ الزّراعةَ والصّناعةَ الْيَدويّةَ، والتّرابُطُ الوحيدُ هو التّعاوُنُ الذي تَفْرضُه وِحْدَةُ التنظيمِ العُليا-الدّولةُ أو"الْمَلكُ-الْمالِكُ" في إطارِ الاسْتِبدادِ الشّرقيّ، حيث كانتْ المَشاعَةُ-الْقبيلةُ هي الرّكيزَةُ الاجتماعيّةُ الْمُكْتَفيَةُ ذاتِيًا". لم يعثر ماركس هنالك على أنماط مماثلة للنمط الرأسمالي، ذلك أن مشاريع الري الكبرى التي كانت ترعاها بابل والصين ومصر، اقتضت رعاية الدولة المركزية. وكنتيجة لما سبق، يمكن القول إن تاريخ الشرق هو تاريخ الدولة المركزية.

اقرأ/ي أيضًا: عن وثنيتنا المعاصرة

فبالتالي أن الانتقال من نمط ثقافي إلى آخر يتعيّن علينا مراعاة الفوارق الجوهرية بين الثقافات، ويتم على ضوئها توظيف المفاهيم لتحليل الواقع طبقًا لمعطياته وشروطه، لا أن تتحول المفاهيم إلى مقولات ثابتة ومقدّسة. ولا يفهم من هذا استحالة نقل الحداثة لمجتمعاتنا الشرقية، بل تحليل الواقع طبقًا للمناهج المعاصرة، لأن هذه الأخيرة محايدة؛ إنها بمنزلة الأدوات، على عكس المفاهيم -على أهميتها- فهي تنطلق من سياق تاريخي معين، غير أن هذا التبرير لا يعدنها كليًا، وإنما لفت النظر لسياقها التاريخي وتجديدها والنظر في مدلولاتها حينما تنتقل من مناخها التاريخي الخاص. هذه مقدمة سريعة لكي لا يحدث اللبس وسوء الظن والتساوي مع الفكر الأرثوذكسي الذي لا تعنيه هذه المحاولات بقدر ما تعنيه ثوابته المطلقة.

مثلًا: كيف ينظر المجتمع لشاب أعزب يسعى للاستقلال في بيت خاص؟ ما الضغوط الاجتماعية القاهرة التي تعاني منها المطلقة والأرملة والعزباء (إذا تقدّم بها العمر)؟ هل يتقبل المجتمع قضية المساواة بين الجنسين أو الاختلاط بينهما في المؤسسات التعليمية وإشاعة السفور بين النساء؟ لماذا تفشل ثقافتنا في العمل المؤسسي وتنجح نجاحًا باهرًا في العمل الشخصي وتربط ولائها بهذا الأخير حد الموت؟ لماذا تميل ثقافتنا إلى التنظيمات الهرمية وتعزز الولاء الوجداني والفطري والتقديسي، بينما تغيب فيها العقلانية؟ لماذا للغرب مقولاته وللشرق مقولاته؟ لماذا كانت هنالك محاولات، على يد هادي العلوي، حسين مروة، مهدي عامل، إلياس مرقص، طيب تيزيني وغيرهم، لتأسيس ماركسية عربية أسوةً بالماركسية الروسية أو الصينية؟ لماذا تفشل العَلمانية بصورتها الغربية المسيحية في المجتمع الإسلامي العربي بالذات؟ هذه أسئلة سريعة لتبيان الفوارق الثقافية بين الحضارات وضغط العادات والتقاليد بين ثقافة وأخرى، والأخذ بنظر الاعتبار الفارق الجوهري بين الفكر الرغبي والفكر الواقعي. فحقيقة الواقع تستفز أحلامنا الوردية! أحلامنا تريد شيئًا طبقًا لصورتها، والواقع يريد أدوات كشفية تنطبق مع شروطه وإمكانياته، وهذه الأخيرة تفتقر إلى مقدمات مهمة، وهي كالتالي:

شراكات دولية جدية وحقيقية تساهم في بناء مؤسسات البلد (تربية، تعليم، صحة، قضاء.. الخ). نخبة سياسية وثقافية تؤمن بالتغيير، ولا تتصارع على مصالحها الفئوية. مجتمع مواطني يتوحد تحت هوية المواطنة بعيدًا عن ميوله الطائفية والعرقية. المهم في الأمر، هذه نقاط ليست حصرية، وإنما لفت نظر لكل من يكرهون أو يتذمرون أو لا تعجبهم الجماعات الدينية. برأيي الشخصي، فلنضع الآن هذه الأمزجة في جيوبنا، لأنها ليست معلومات عظيمة! فبائع الخبز يحفظها عن ظهر قلب. هذه الشروط قاسية ومؤلمة على ذاكرة الثقافة المحافظة، فلا ينتظر أحدنا تغييرًا سلسًا ومُرضيًا يتقبله المحافظون، والأهم من ذلك كله - كما قلنا - إن الحداثة وًلدت في حضارة أخرى، فنحتاج إلى آلام مبرّحة لزرعها في حضارتنا الآفلة.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

هادي العلوي.. قلب المشاع العراقي

جدلية المثقف والجمهور