أماكن ترفيه مزدحمة وطائفية ساخرة.. كيف يبدو العيد في العراق؟

أماكن ترفيه مزدحمة وطائفية ساخرة.. كيف يبدو العيد في العراق؟

العيد في العراق (Getty)

تبدو شوارع بغداد في الأعياد والمناسبات مكتظة حتى يُخيل للمرء أن لا أحدٌ يجلس في البيت. الجميع يخرج إلى الشوارع، عوائل وشباب وأطفال. في المتنزهات والمطاعم والكافيهات والحدائق العامة ومدن الألعاب والمولات.. إلخ، وما يُساعد على  هذا التصوّر هو صغر حجم (مدينة بغداد) وتخلّف طرقها المرورية، مقارنة بعدد سكانها ومركباتهم.

هناك غصة في نفوس سكّان بغداد ماكثة منذ أيام الطائفية والقتل على الهوية، حين كان الناسُ يغلقون أبواب منازلهم حالما بدأت الشمس بالانقشاع متجنبين الخروج لأي سبب إلا الطارئ منه

في بغداد، هناك غصة في نفوس سكّانها ماكثة منذ أيام الطائفية والقتل على الهوية، حين كان الناسُ يغلقون أبواب منازلهم حالما بدأت الشمس بالانقشاع، متجنبين الخروج لأي سبب إلا الطارئ منه، خوفًا من ميليشيا تقتل، أو عصابة تختطف، أو زمرة تُسلّب. مرت تلك الأيام مظلمة على العراقيين وتحديدًا أهالي بغداد.

اقرأ/ي أيضًا: "القفشي والكبي" يهزمان الموت.. الموصل تبث الحياة في العيد منذ 100 عام!

ربما أن هذه الغصة الموجودة في نفوس سكّان العاصمة، فضلًا عن الحرب الأخيرة ضد التنظيم الدولة (داعش)، ومع استتباب الأمن نسبيًا، دفعت الناس للخروج من المنازل بطريقة تُشابه الخارجين توًا من السجن. هناك توق نحو الفرح في هذه البلاد.

انقسام العيد: المزاح سيّد الموقف

كالعادة، انقسم العلماء الشيعة والسنة حول يوم العيد، فأعلن المجمع الفقهي والوقف السني يوم الثلاثاء 4 حزيران/يونيو أول أيام عيد الفطر، بينما أعلن المرجع الأعلى للطائفة الشيعية علي السيستاني يوم الثلاثاء غرّة شهر رمضان، والأربعاء أولى أيام عيد الفطر.

لكن مواقع التواصل الاجتماعي اعتادت على هذا الانقسام، وتحول الاختلاف حول من الأصح في تحديد يوم العيد، إلى مزاح وتبادل للنكات يكاد يتسيد المُتصفّح الرئيسي لتلك المواقع في مثل هذه الأيام.

يتندّر المواطنون السُنة على أقرانهم الشيعة بأنهم لن يصوموا يوم الثلاثاء، وسيفطرون صباحًا بالأكلة العراقية الشهيرة في مثل هذه المناسبات "الكاهي والقيمر"، ويُجيبهم الشيعة بالعبارات والكاريكاتيرات الحزينة الساخرة، ويتوعدوهم بعدم إعطائهم وجبة "القيمة" الشهيرة التي يطبخوها في شهر محرم عشية إحياء ذكرى عاشوراء لـ"خذلانهم" أخوتهم في الوطن وتركهم يصومون وحدهم حتى يوم الأربعاء.

الاختلاف بين السنة والشيعة حول من الأصح في تحديد يوم العيد، تحوّل إلى مزاح وتبادل للنكات بين الشباب في مواقع التواصل الاجتماعي

كتب المدوّن ضرغام فاضل، وهو مُدرّس لغة عربية، على صفحته في "فيسبوك"، أن "الجميل في هذه الأيام أن الحساسية والتراشقات الطائفية بسبب فارق يوم العيد عن الشيعة والسنة تلاشت هذه السنة والطائفية تلفظ أنفاسها الأخيرة.. شكرًا لمن كان سببًا في إلغاء هذه الأفكار من قادة وزعماء وناشطين ومثقفين".

بعد تطبيق القيمة.. الكاهي والقيمر عبر الإنترنت!

نظرًا للإقبال الكبير على طعام "القيمة" ارتأى أحدهم إنشاء تطبيق على الهواتف الذكية يعمل كدليل على أماكن توزيع القيمة ومراكز توافرها؛ والأمر لم يتوقف عند أصحاب القيمة، فانطلق تطبيق ثاني مؤخرًا خاص بأماكن توافر "الكاهي والقيمر" في الأسواق والمحال التجارية. تقول مروة علي إن "هذه الخطوة جاءت بسبب الغيرة من تطبيق "القيمة" الخاص بنا"، قبل أن تُعايد من أسمتهم بـ "أرواحنا". ومروة الشيعية مخطوبة لشاب سُني، أعلن في صفحتها إنه "سيحتفل بالعيد يوم الأربعاء!"، الأمر الذي عزاه بعض أصدقائهم لخوفه من مروة. ذلك يجري في جوٍ من السخرية والمزاح اللذيذ.

مقاصد الناس

بالعودة إلى الناس ووجهاتهم، يستغل بعض المواطنين عطلة العيد، خصوصًا حين تُصادف قريب يومي الجمعة والسبت، لتصبح عطلة معتبرة يُمكن لهم أن يستغلوها في السفر إلى خارج البلاد، عبر سفرات سياحية تُقيم أكثرها شركات السياحة والسفر، إلى لبنان ومصر وتركيا وأذربيجان وغيرهم.

آخرون لا يُغادرون الحدود، لكنهم يتجهون صوب الشمال، إلى إقليم كردستان حيث الأجواء الأقل حرارة، والمصايف والشلالات في دهوك والسليمانية وأربيل.

اقرأ/ي أيضًا: يكدره "عناد" أربيل.. العيد ينعش كردستان بعد سنوات الادخار

أما من بقي فله خيارات العاصمة، حيث تمتلئ المطاعم بالزبائن حتى تكاد أن لا ترى طاولة فاضية في بعض المطاعم لشدة الزخم. تقول هند الجنابي، وهي مقيمة في تركيا وعادت مؤخرًا، لـ "ألترا عراق"، إن "مجالات الترفيه في بغداد محدودة، وهي محصورة في المطاعم والمولات، حيث الأكل والتسوق"، مضيفة "لا توجد خيارات عديدة خصوصًا للنساء إلا الذهاب إلى هذين الوجهتين، خصوصًا حين توفر أماكن لعب الأطفال بالنسبة للمتزوجات".

فيما يُحدِد زياد أنور السبب لـ"ألترا عراق"، بالقول "العراقيون يحبون الطعام، والنساء غالبًا ما يتعبّن في شهر رمضان، حيث الصوم والطبخ في ارتفاع درجات الحرارة يكون متعبًا بالنسبة لهّن، فضلًا عن بقية أشهر السنة، لذلك فإن مكافئة المرأة العراقية تكون بإعطائها إجازة من الطبخ، والذهاب إلى المطاعم".

البارات ومحلات المشروبات الكحولية

الناظر الغريب لمحال المشروبات الكحولية والبارات والمطاعم الخاصة بهذا المجال، يعتقد أن تلك المحال أغلقت منذ عشر سنوات، وليس في شهر رمضان فقط.

بغض النظر عن التضييق العام والخاص بالنسبة لشاربي الكحول، فأن نسبة منهم تمتنع عن شرب الكحول في هذا الشهر، منهم لأسباب دينية، ومنهم احترامًا لأجواء الشهر في بيته وبالنسبة لأسرته. لكن العيد يحمل معه ـ بالنسبة لهؤلاء ـ الصوت الذي ينطلق من صافرة الحكام، وهنا يُعلن انتهاء الحظر الكحولي، والتدافع لشرائه من أماكنه. زحامٌ شديد على تلك الأماكن من قبل فئة الشباب تحديدًا.

بسبب الإقبال الكبير فإن الناظر الغريب لمحال المشروبات الكحولية والبارات والمطاعم الخاصة بهذا المجال، يعتقد أن تلك المحال أغلقت منذ عشر سنوات، وليس في شهر رمضان فقط

لكن فلاح هلال يرى أن "الإقبال على البارات ومحال بيع الخمور في العيد غير مريحٍ، إذ يصبح التضييق أكثر على تلك المحال بسبب زخم الزبائن فضلًا عن رقابة الأجهزة الأمنية المشددة". ويضيف هلال لـ"ألترا عراق"، أن "المشروبات الكحولية متوفرة في شهر رمضان بعكس ما يُشاع".

اقرأ/ي أيضًا: العاصمة تتعافى: لأول مرة يستقبل البغداديون عيدًا بمزايا "فريدة"

من جهة أخرى يرى مواطنون أن "مظاهر الشرب في الشوارع وعلى أرصفة العاصمة تُعيق العائلات من التحرك بحرية، ويتعرض بعضهم لمضايقات من قبل بعض السكارى".

فيما يرى ستار حيدر أن "من واجب الحكومة تنظيم العملية عبر توفير المزيد من الأماكن الترفيهية الخاصة بالمشروبات الكحولية غير المُعرضة للتهديدات والإتاوات، لكي تكون غير مُكلفةِ بالنسبة للزبون، وبذلك ستقل تدريجيًا ظاهرة تعاطي الكحول في الشارع"، ويُوضح حيدر لـ"ألترا عراق"، أن "الشباب الفقراء مضطرون لفعل هذا الشيء في الشوارع لعدم تحملهم تكاليف البارات، والبارات بدورها تتعرض لابتزاز من قبل عصابات معروفة، وبذلك ترتفع أسعار خدماتها".

المتنزهات والحدائق

تلجأ العائلات العراقية، خصوصًا الكبيرة والتي تتمتع بعددٍ من الأطفال، إلى الحدائق والمتنزهات العامّة، في احتفالات الأعياد بشكل خاص، والعطل الروتينية بشكلٍ أقل.

بدورها، أعلنت أمانة بغداد يوم الثلاثاء 6 حزيران/يونيو إنها "قامت بتهيئة أكثر من 100 متنزه وحديقة لاستضافة العوائل البغدادية والتمتع بها، بالإضافة إلى المتنزهات العامة كمتنزه الزوراء وبوابة بغداد وحدائق أبو نؤاس والعطيفية والجادرية وغيرها الكثير من المتنزهات التي عملت الأمانة على تأهيلها بجهودها الذاتية وبما يبعث البهجة والسرور في نفوس البغداديين".

أضافت الأمانة أنها قامت بـ"تزيين وإنارة أكثر من 70 شارعًا في عموم بغداد، وعدد من المجسّرات، لاستقبال المواطنين خلال أيام عيد الفطر".

ومن المؤمل أن تُساهم عملية رفع الكتل الكونكريتية التي خنقت بغداد طيلة الأعوام السابقة، والتي قامت الحكومتين الأخيرتين تعاقبًا على إزالتها، في تسهيل عملية تنقل المواطنين وتخفيف الزخم المروري الحاد الذي يحدث في المناسبات والعطل الرسمية.

تكثيف أمني

ووسط دعوات للأجهزة الأمنية لحماية الأجواء الاحتفالية بالعاصمة في ظل توتر الأوضاع الإقليمية والدولية فضلًا عن المحلية، تعتزم قيادة عمليات بغداد، بحسب عضو اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بغداد سعد المطلبي، نشر "1750 عنصرًا أمنيًا مضافًا إلى مجموعة الجهات الأمنية العاملة في العاصمة، إضافة لـ 1700 دورية نجدة ستضاف إلى الدوريات العاملة ليلًا ونهارًا في بغداد".

من المؤمل أن تُساهم عملية رفع الكتل الكونكريتية التي خنقت بغداد طيلة الأعوام السابقة في تسهيل عملية تنقل المواطنين وتخفيف الزخم المروري الحاد

واستدعي لواءان وفوجان وسريتان من الشرطة الاتحادية والجيش العراقي ليختصّوا بتأمين العاصمة وخاصة قرب المراكز الدينية والسياحية، بحسب عضو اللجنة الأمنية.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

وادي السلام.. العيد "عند الأحباب" أحلى!

ذكرى حادثة مجمع الليث.. قصص من انفجار أحرق ملابس العيد!