الانتحار في العراق.. حالات تزداد يوميًا وتفاعل رسمي يتأخر لأشهر

الانتحار في العراق.. حالات تزداد يوميًا وتفاعل رسمي يتأخر لأشهر

21 حالة انتحار خلال شهرين (فيسبوك)

لم تكن بداية العام الجديد في العراق مختلفة عن البدايات في السنوات السابقة، كان الموت حاضرًا فيها مع تسجيل البلاد في مطلع كانون الثاني/ يناير 2021، أول واقعة انتحار لفتاة شنقت نفسها بمحافظة ذي قار، المحافظة التي تعد من أكثر مناطق البلاد من حيث عدد الشباب المنتحرين، والتي تعود معظم أسبابها إلى الحرمان والفقر والبطالة المستمرة، وفقًا لمختصين.

طرق الانتحار في العراق تكون عبر الشنق أو استخدام الطلق الناري أو الغرق أو استخدام السم أو الحرق

وفي الوقت الذي يموت فيه العراقيون بما يسميه الشباب "الموت البطيء" جرّاء انعدام فرص الحياة، هناك شباب اختاروا إنهاء حياتهم، وصار "الانتحار" هو ملجأهم الوحيد للخلاص من الطرق المسدودة أمامهم، وهو ما تؤكده بسمة كاظم التي طلبت الحديث باسم مستعار، لـ"أسباب اجتماعية"، إذ تقول لـ"ألترا عراق"، إنني "فكرت بالانتحار مرّات عديدة، حتى أنني نسيت عدد المرات التي فكرت بها، ولكنني حاولت أربع مرات تقريبًا وجميع المحاولات فشلت". 

اقرأ/ي أيضًا: لماذا ينتحر الشباب في العراق؟

ولم يمض وقت كثير على بداية العام 2021، حتى أثارت زيادة معدل الانتحار بين النازحين في مخيمات إقليم كردستان القلق في الأوساط السياسية والحقوقية، وتوفيت ثلاث فتيات، اثنان منهن بعمر 15 عامًا، وشاب إيزيدي انتحارًا – كما أعلن – خلال كانون الثاني/يناير 2021.

وازدادت حالات الانتحار منذ عام 2018، وبحسب تقارير أعلنت عنها وزارة الداخلية في وقت سابق، فإن حالات الانتحار ازدادات من 218 حالة في عام 2018، إلى 588 حالة في عام 2019، لكنها تراجعت إلى 375 حالة في العام 2020، بحسب عضو مفوضية حقوق الإنسان، فاضل الغراوي، الذي أكد أن "2020 يعد عامًا مأساويًا بسبب الانتهاكات التي طالت حقوق الإنسان في البلاد".

وقبل أيام، في 20 شباط/فبراير الحالي، أكدت وزارة الداخلية العراقية، أن أفراد الأمن في محافظة نينوى نجحوا في إقناع رجل وزوجته بالعدول عن الانتحار، وذلك بعد ساعات من منع انتحار شاب في العاصمة بغداد، بعد أن حاول إلقاء نفسه من أعلى جسر على نهر دجلة، كما قالت وسائل إعلام محلية إن فتاة في العشرين أقدمت على الانتحار في محافظة الأنبار.

وسجل العراق خلال الشهرين الماضيين من هذا العام، 21 حالة انتحار، بحسب مفوضية حقوق الإنسان التي تقول إن "الفئات العمرية الأكثر إقدامًا على الانتحار، وفق الحالات المسجلة، تراوحت بين 20 إلى 35 سنة".

وبالمقابل، ترى منظمات حقوقية أن أعداد المنتحرين التي تعلنها السلطات ليست دقيقة، ويبدو هذا واضحًا من خلال ما يُعلن في مواقع التواصل الاجتماعي، وتعدد طرق الموت في العراق لأسباب كثيرة، بينها الأمنية، وهي الأبرز، لكن طرق الانتحار وفي طريقة تبدو وكأنهم يتنقلون من مدينة لأخرى، تكون عن "طريق الشنق أو استخدام الطلق الناري أو الغرق أو استخدام السم أو الحرق"، وفقًا لمفوضية حقوق الإنسان. 

ووفقًا لمراقبين أن الجهات المختصة لم تجد طريقة مجدية للتعامل مع ظاهرة الانتحار، باستثناء بعض البيانات والخطوات التي لم تشتبك مع جذر المشكلة الأساسية، حيث نشرت صفحة الشرطة المجتمعية العراقية على "فيسبوك"، في 26 شباط فبراير الحالي، منشورًا قالت فيه إن مفارزها "نفذت جولات ميدانية بمحافظتي (بابل والبصرة)  وزعت خلالها منشوري (احذر خطر الانتحار وكيف نحمي أبناءنا من الانتحار)". ومنذ العام الحالي، شهدت مخيمات النزوح حالات انتحار كثيرة، منها في كانون الأول/ٍسبتمبر 2020، لكن وزيرة الهجرة والمهجرين إيڨان فائق جابرو، وجهت في 22 شباط/فبراير الحالي بإعداد دراسة خاصة للوقوف على الأسباب الحقيقية لحالات الانتحار التي شهدتها بعض مخيمات النزوح، وهو تفاعل يحصل بعد مرور نحو ثلاثة أشهر على بدء الظاهرة بالرغم من مطالبات نيابية بفتح التحقيق لمعرفة أسباب الظاهرة. 

وفي نهاية العام 2020 أيضًَا، حذرت بعثة الأمم المتحدة في العراق، من تزايد حالات الانتحار على مدى السنوات الماضية، وعلى سبيل المثال، سجلت محافظة دهوك منذ مطلع العام 2021، ست حالات انتحار غامضة لم تعرف أسبابها حتى الآن، وقع بعض منها في مخيمات النزوح، ويسجل العراق دائمًا محاولات كثيرة للنساء، لكن باحثين يرون أن "نسبة نجاح محاولات الانتحار لدى النساء أقل من الرجال"، وذلك لأن وسائل الانتحار لدى الرجال تكون مختلفة، فمثلًا يلجأ الرجال لاستخدام السكين أو الشنق أو الطلق الناري، أما النساء، فغالبًا تكون الوسائل عن طريق تناول الحبوب، أو لا تتعدى كونها محاولة لجذب الانتباه. 

ما الذي يدفع الشباب للانتحار؟ 

تقول بسمة كاظم "كنت أشعر بالأختناق من البيئة التي أعيش فيها"، مبينةً "عائلتي لم تمنحني فرصة العيش كسائر البشر، لقد حرموني من أبسط حقوقي ومنعوني من أن أكون امرأة عاملة"، مشيرة إلى أنه "لم تكن هناك سلطة عليا تستطيع أن تحررني، فاخترت الموت".

وتعيش بسمة اليوم في بلد آخر، وتقول لـ"ألترا عراق" "لم أفكر بالانتحار منذ اليوم الذي هاجرت فيه، لقد عرفت أن هنالك الكثير من الأشياء التي لم أعشها سابقًا ولم أعرفها"، مضيفةً  "لا أحد يختار الموت، فغريزة البقاء موجودة لدى الجميع، هي لحظة تدفعك نحوها الظروف". 

يرى باحث اجتماعي أن انعدام الأمل في المستقبل يجعلهم يبحثون عن السعادة خارج إطار العالم الموضوعي

ويرى باحثون أن ازدياد حالات الانتحار يعبر عن السلوك الجمعي للأفراد، وذلك نتيجة للظروف التي يشتركون بها والأفكار التي ينصاعون وراءها، ويقول الدكتور علاء الصفار، وهو باحث في علم الاجتماع، إن "انتشار ظاهرة الانتحار أمر طبيعي نتيجة لانسداد آفاق الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية" 

مشيرًا في حديث لـ"ألترا عراق"، إلى أن "انعدام الأمل في المستقبل يجعلهم يبحثون عن السعادة خارج إطار العالم الموضوعي". 

اقرأ/ي أيضًا: إنه لأمر فظيع أن تقدِم على الانتحار

يقول أحمد عبد الله لـ"ألترا عراق"، إن "هناك عدة مراحل يمر بها الشخص قبل أن تنجح عملية الانتحار، الكآبة مثلًاا، العزلة، رفض الواقع، التفكير في التخلص منه، قرار الانتحار، ومن ثم محاولة الانتحار"، مضيفًا "لو أن هنالك توعية في ضرورة اللجوء للعلاج النفسي واهتمام بما يعانيه الشخص من ضغوطات نفسية لكانت نسب الانتحار أقل"، وهو ما يؤكده عماد عبد الرزاق، المستشار الوطني للصحة العقلية في وزارة الصحة العراقية، بالقول إن "أحد العناصر الرئيسة في منع الانتحار في العراق يتمثل في تحسين الوصول إلى الخدمات الصحية"، مشددًا على ضرورة "زيادة الوعي بشأن الصحة النفسية، ومعالجة الوصمة الشائعة حول الأمراض النفسية". 

ومن مجموع سكان العراق، يعاني نحو 20% من اضطرابات نفسية نتيجة سنوات طويلة من الصراعات والحروب المستمرة والعمليات الإرهابية، وفقًا لموقع "ذي واير"، وخلال تشرين الأول/أكتوبر 2020 قالت صايمة زايي، وهي مدير نشاط الصحة النفسية لأطباء بلا حدود في الموصل، إن "معدلات القلق لدى مرضانا ارتفعت هذا العام من 45 في المئة إلى 68 في المئة، والاكتئاب من 10 في المئة إلى 20 في المئة. وهذه علامة سيئة لأن الحالات المرضية للصحة النفسية تطورت إلى معاناة نفسية أشد وأوضح". 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

نائب يدعو لفتح تحقيق في أسباب انتحار الفتيات بمخيمات النازحين

بعد "ضياع" الحب بين الانتحار والابتزاز.. "دمية مريم" تظهر في بابل!