"السمسرة الطبية".. تواطؤ وتسويق بـ"الحنّاء" على طريقة "المراقد المقدسة"!

اتفاقات "الأرباح" بين الطبيب والصيدلي أدت إلى تدهور العلاقة بين الطبيب والمريض (Getty)

يقسم الطبيب قبل بدء مزاولته لمهنة الطب، بأنْ يصون حياة الإنسان في كافة أدوارها وفي كافة الظروف والأحوال، باذلًا وسعه في إنقاذ الناس من الموت، والمرض والألم والقلق، وأن يحفظ لهم كرامتهم، ويستر عوراتهم ويكتم سرهم، وأنْ يكون دائمًا من وسائل الرحمة، مسخرًا جهده ورعايته الطبية للقريب والبعيد الصالح والطالح، ويوظف معرفته لنفع الإنسان لا لإذلاله. 

باتت مهنة الطب تساهم بزيادة أعباء الناس واستنزاف أموالهم وإمكانياتهم، نتيجة للتعاقدات والاتفاقيات التي يبرمها بعض الأطباء مع الصيدليات ومختبرات التحليل وشركات الأدوية الأجنبية

لكن  قَسَم البعض من الأطباء ـ وبحسب وصف الناس ـ لا يختلف عن قَسَم السياسيين عندما يتسنمون مناصب تنفيذية أو تشريعية في الدولة، فالقَسم عندهم مجرد كلمات يرددوها مراعاة لروتين شكلي أو بروتوكول اعتادوا عليه في كل دورة برلمانية جديدة أو منصب وزاري رفيع يحلمون به.

اقرأ/ي أيضًا: الصحة.. تكتم على الموت البطيء وانتشار الأوبئة ودفع نحو الهند وإيران

الطب مهنة إنسانية خالصة لا يختلف اثنان على ذلك، لكنها اليوم تسير حثيثًا في طريق اللاإنسانية، وباتت تساهم بزيادة أعباء الناس واستنزاف أموالهم وإمكانياتهم، نتيجة للتعاقدات والاتفاقيات التي يبرمها بعض الأطباء مع الصيدليات ومختبرات التحليل وشركات الأدوية الأجنبية التي تبيع العلاج بأثمان باهظة، وتعرف هذه الظاهرة بـ"السمسرة الطبية".

يقول الطبيب علي فوزي الخزاعي وهو طبيب باطني، إن "العمل الصحي هو عمل إنساني بحت، وكلما اتجه الطبيب نحو العمل الإنساني سوف يكون النجاح حليفه، لذلك يفتح بعض الأطباء باب العلاج المجاني في عيادتهم للناس "لميسوري الحال" من نازحين وعوائل الضحايا، وهذا واجب كل طبيب شريف في العراق".

 إما عن "السمسرة الطبية"، قال الخزاعي في حديث لـ"ألترا عراق"، إن "هذا موضوع مخجل، وهي ظاهرة موجودة، فبعض الأطباء من ضعاف النفوس، ومن اجل إنجاح عملهم يلجؤون إلى "السمسرة" من خلال اتفاقهم مع صيدليات وشركات معينة، تزيد من أعباء المواطن، وتجعل صحته ميدانًا للتجارب، مستدركًا "لكن أنا أتوقع هذا فشل للعمل، والمستقبل كفيل بإثبات هذه الحقيقة".

ووجه الخزاعي نصيحته إلى الأطباء بالقول "نتمنى من كل الأطباء والصيادلة أنْ يقوموا بمساعدة الناس الفقراء والمتعففين ويسقطوا عنهم تكاليف الفحص والعلاج ليثبتوا بهذا الموقف النبيل إنسانيتهم". 

لا يمكن للصيدلية أنْ تعمل دون وجود اتفاق مع الطبيب، كما لا يمكن للطبيب أنْ يعمل دون وجود اتفاق مع صيدلية معينة تحول إليه المراجعين

لكن الدكتورة الصيدلانية ريما بشير ترى في حديثها لـ"ألترا عراق" أن "هذه الاتفاقات بين الصيادلة والأطباء وبين شركات الأدوية، باتت واقعًا مفروضًا، إذ لا يمكن للصيدلية أنْ تعمل دون وجود اتفاق مع الطبيب، كما لا يمكن للطبيب أنْ يعمل دون وجود اتفاق مع صيدلية معينة تحول إليه المراجعين، وذلك بسبب كثرة الأطباء والصيدليات التي غالبًا ما تكون في شارع واحد أو مجمع واحد وبتخصصات متشابهة".

دعايات مجانية على طريقة سدنة المراقد

بعض عيادات الأطباء تشبه كثيرًا المزارات الدينية المنتشرة في المناطق الريفية في العراق، فجدران العيادة مملوءة بالحناء، كنوع من الشكر الذي يقدمه المريض للطبيب بعد تماثله للشفاء، مما يحقّق شهرة للطبيب ويجذب الناس البسطاء الذين يؤمنون بهذه التقاليد، بالإضافة إلى وجود يافطات تثني على الطبيب، وتعلّق في أماكن استراحة المراجعين، فمثلًا يكتب "الشكر إلى الدكتور القدير الذي أجرى لي العملية المستعصية بعد أن عجز عنها جميع الأطباء". 

وهذا الأسلوب وكما يراه ناشطون، يلجأ إليه بعض سدنة المراقد كطريقة لجذب الناس إلى زيارتها ودفع الأموال والنذور، مع أن أغلب هذه اليافطات مضللة، فهدفها الأول والأخير هو اجتذاب بسطاء الناس إلى الطبيب الذي حوّل عيادته إلى ما يشبه بـ"المزار الديني".

اقرأ/ي أيضًا: غاب الدواء وحضرت الأعشاب.. لماذا يلجأ العراقيون إلى "الطب الشعبي"؟

وحول هذه الممارسات يقول الدكتور علي فوزي الخزاعي إن "بعض الأطباء يقومون هم بكتابة هذه اليافطات بالإضافة إلى وضع الحنّاء على جدران العيادة، والمفروض أنْ يكون الطبيب أسمى من هذا الأمور، لأن المريض قد يزور عدة أطباء، والله كتب له الشفاء على يد طبيب معين، وقد يكون بسبب علمية الطبيب وإمكانيته، أو بسبب إنسانيته واهتمامه بالمريض، وقد يكون بسبب أنّ المريض حالته سهلة التشخيص، مشيرًا إلى أنه "بالنتيجة نصل إلى أننا الأطباء، كلنا في مركب واحد، واحدنا يدعم الآخر".

أضاف الخزاعي أن "هذه الدعايات والأساليب تسيء إلى مهنة الطب، والتي هي مهنة إنسانية وعلمية بحته، وحتى إن صدرت هذه الأفعال من المريض حقًا فينبغي أن يقنعه الطبيب بأن الشفاء من الله وما نحن إلا سببًا لذلك وبالتالي لا يحول عيادته إلى أشبه بالمزار كما نرى في عيادات الكثير من الأطباء للأسف".

أساليب "السمسرة الطبية"

لما يعرف بـ"السمسرة الطبية" طرقٌ عديدة كلها تصب في إرهاق المواطن وتحويله إلى رأس مال جوال بعد التعاقد بين الطبيب والصيدلاني لغرض استنزاف أمواله. يقول الممرّض حيدر الهلالي في حديثه لـ"ألترا عراق" إنّ "بعض الصيادلة يقومون بفتح مجمعات طبية، ويجلبون إليها الأطباء من دون دفعهم للإيجار أو أي مصاريف أخرى فكلها يتحملها صاحب الصيدلية، الذي ينتفع من تحويل المراجعين من قبل الأطباء إلى صيدليته وهو بدوره يرشدهم إلى الطبيب".

اما عن تعاقد الأطباء مع شركات الأدوية فيقول الهلالي إن "بعض الأطباء يتفقون مع بعض الشركات الأجنبية على نسبة مالية محدّدة بشرط أنْ يكتبوا الأدوية التي يريدون ترويجها وطرحها في السوق، بالإضافة إلى النسبة المالية، فهناك سفرات مجانية ومؤتمرات علمية يحظى بها الطبيب خارج البلاد بالإضافة إلى هدايا باهضة الثمن، لذلك هم يكتبون العلاج بالاسم التجاري ويحذرون المريض في ذات الوقت من شراء ذات العلاج من شركة أخرى خوفًا على صحته، والحقيقة هم يلزموه بعلاج هذه الشركة بسبب الاتفاق لا لشيء آخر".

بعض الأطباء يقومون بكتابة يافطات الشكر بالإضافة إلى وضع الحنّاء على جدران العيادة على طريقة المراقد المقدسة في المدن الريفية لاستقطاب الناس

أما المعاون الطبي والذي رفض الكشف عن اسمه لأسباب شخصية، فيرى في حديثه لـ"ألترا عراق" أنّ "هذه الشركات مرتبطة بأحزاب مهيمنة على السلطة تساهم في تذليل الصعاب أمامها ولها نسبة مالية، بالإضافة إلى النسبة التي يحصل عليها الطبيب الذي تعاقد معها، إذ يحصل على نسبة كبيرة كلما يكتب العلاج التجاري الذي تطرحه الشركة".

اقرأ/ي أيضًا: القطاع العام في العراق.. الموت مجانًا في مدينة الطب!

ويؤكد المعاون الطبي أن "بعض الأطباء يكتبون للمريض أكثر من جرعة فإذا كان يحتاج إلى جرعتين يكتبون أربعة وهكذا كلما كثر العدد تتضاعف النسبة لديهم على حساب صحة المريض وحينما يستلمون النسبة من الشركة يحظون بزيارة مجانية إلى البلد الذي يقع فيه مقر الشركة".

أضاف المعاون الطبي أن "هناك نوع آخر من الاتفاقات وهي الاتفاقات التي تجري بين الطبيب ومختبرات التحليل وأيضًا يكون هذا الاتفاق على نسب مالية، لذلك غالبًا ما يرفض الأطباء التحليلات المرضية التي يأتي بها المريض، ويطلبون منه إعادتها عند المختبر الذي يتفقون معه حتى وإنْ كلفت التحاليل السابقة المريض أموال كثيرة".

 فيما يقترح المعاون الطبي للحد من هذه الظاهرة أن يتم تسعير العلاج وأنْ يتم التعامل فقط مع الشركات الرصينة التي لا تحتاج إلى هذه التعهدات والاتفاقيات التي يدفع ثمنها المواطن وحده، بالإضافة إلى نشر الثقافة الصحية بين الناس، وفضح هذه الأساليب التي يلجأ إليها ضعاف النفوس من الأطباء".

المستشفيات الأهلية.. نعمة أم نقمة؟

لا أحد يختلف أن وجود المستشفيات الأهلية يخفّف الضغط على المستشفيات الحكومية، كما أنها تتسم بسرعة إجراء العمليات بعيدًا عن الروتين المتبع في المستشفيات، بالإضافة إلى توفيرها الخدمات والراحة للمريض التي يفتقر إلى وجودها في المستشفى الحكومي، وهذا يعني أنّ العلاقة طردية بين المستشفى الحكومي والأهلي فكلما تردى الوضع في الحكومي انتعشت المستشفيات الأهلية وعلى حساب المواطن الذي لا يقدر على دفع تكاليفها باهظة الثمن حينما يكون مجبرًا على شراء راحته وصحته.

يقول الدكتور علي كاظم في حديثه لـ"ألترا عراق" إن "انتشار المستشفيات الأهلية هو شيء تجاري والخدمات التي تقدمها هي أفضل الخدمات، كذلك نوعية الأطباء فهي تستقطب أطباء من كل انحاء العالم، بالإضافة إلى أنها تحتوي على أجهزة طبية حديثة". فيما يعزو كاظم سبب انتشار هذه المستشفيات إلى "الإهمال من قبل وزارة الصحة وسوء الخدمات والروتين الممل بالإضافة إلى عدم توفر العلاجات والأجهزة الحديثة في المستشفيات الحكومية".

بعض الصيادلة يقومون بفتح مجمعات طبية، ويجلبون إليها الأطباء من دون دفعهم للإيجار أو أي مصاريف أخرى فكلها يتحملها صاحب الصيدلية، الذي ينتفع من المراجعين للأطباء كثيرًا

لكن الدكتور سجاد عليوي يرى أن "المستشفيات الأهلية نعمة ونقمة في ذات الوقت، إذ يقول في حديثه لـ"ألترا عراق" أنّ "المستشفيات الأهلية قد تنتشر لسببين، الأول إنساني: إذ انها تساهم بتخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية وتتسم بسرعة إجراء العمليات الخطيرة. والسبب الثاني هو تجاري حيث يحصل الطبيب في المستشفيات الأهلية على منفعة مادية أكثر من تلك التي يحصل عليها من قبل الدولة.

أضاف عليوي أن "أكثر الأسباب المهمة لانتشار هذه المستشفيات هو رداءة أو انعدام الخدمات في المستشفيات الحكومية حيث يدخل إليها المريض اليوم لغرض الشفاء فيخرج منها وهو محمل بأكثر من مرض".

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الصحة العالمية: مستشفيات العراق لا توفر 50% من الأدوية الرئيسية

ماذا يقرأ الطلبة في "كليّة الطب"؟