العالم بين القنبلة النووية والأفيال السيبرانية

العالم بين القنبلة النووية والأفيال السيبرانية

فكرة الردع السيبراني حققت قفزات تطورية طبقًا للطفرات الثورية التي تحدثها البشرية (فيسبوك)

وصل القطبين الأعظمين الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي إبان الحرب الباردة، إلى مرحلة الردع النووي المتبادل، بمعنى أن الطرف البادئ بالهجوم النووي، سيلقى ردًا نوويًا ساحقًا، وهو ما أخذ يطلق عليه في الأدبيات الإستراتيجية بـ"الرد بالضربة الثانية". هذا الأمر أدى إلى اقتناع كلا الطرفين بأن اللجوء إلى السلاح النووي هو ضربٌ من الخيال؛ لأن التدمير سيلحق بكلتيهما، ولن يكون هنالك منتصرٌ إلا الخراب التام. وهكذا ظل هذا الردع الذي تعد المصداقية من أهم شروطه، أي أن قيمته لا تتعلق بالإقدام على الفعل؛ بل بالقدرة على منع الطرف المقابل من المضي فيما يريد الوصول إليه وهنا تتحقق قيمة الردع، أي أن التهديد حقق النتيجة المرجوة، بالتالي ظل الردع النووي المتبادل الحاكم الأهم، الذي ظل يخيم بظله طيلة عهد الحرب الباردة، وحتى تفكك الاتحاد السوفيتي وانهياره بشكل رسمي في العام (1991).

  الحروب السيبرانية تستهدف فصل عقل الدولة عن جسدها، فتشل قدرتها على الحركة      

بعدها أخذت الأدبيات الحربية والردعية كما جرت وقائع الأمور، تتبدل مع تبدل الواقائع، والأحداث التي نتجت عن تفكك المعسكر السوفيتي، وهذا طبيعي مع كل تحول، وحدث فارق يحدث في العالم، ولا سيما مع دخول العالم إلى ميدان الثورة المعلوماتية، والتكنولوجية، والحوسبية، مما أدى بالأدبيات الإستراتيجية إلى الحديث عما يسمى بالحروب السيبرانية، أي تلك الحرب التي تستهدف الآلة الحوسبية، والتكنولوجية، والمعلوماتية للخصم، هي حربٌ بلا دماء، ولا ميادين حرب، ولا دبابات، أو طائرات، جنودها غير مرئيين، وآلاتها تتحكم بها الأيادي الناعمة، والعقول الفذة، وهي عابرة للحدود، إذ يمكن للعدو أن يهاجمك وهو جالسٌ في أقصى الأرض، دون أن يجد حاجةً لأن يقترب منك كما هو الحال في الحروب التقليدية. إن الدولة في هذه الحرب تواجهُ خصمًا غير مرئي، يهدد سيادتها التي لطالما تراها خطًا أحمرًا لا يمكن تجاوزه. لكن، في العالم السيبراني لا يوجد خطوطًا حمراء ولا خضراء، وهذه السيادة لا تتعلق بالجانب الجغرافي، أو السياسي، أو الاقتصادي فحسب؛ بل الجانب السيبراني، والمعلوماتي، الذي يعد الأهم في عالمنا المعاصر.

اقرأ/ي أيضًا: الاستثمار السياسي للهويات

إن الأفيال الجديدة هي "أفيالٌ رقمية" بحسب تعبير (لوتشيانو فلوريدي)، وهذا الوصف هو استعارةٌ من الحروب القديمة التي كانت تستخدم فيه الأفيال كوسيلة من وسائل الحرب المهمة التي تثير الرعب، والخوف في الخصم. ولهذا يرى فلوريدي أن "الحرب السيبرانية أو حرب المعلومات هي استمرار وأحيانًا استبدال للنزاع باستخدام وسائل رقمية"، بالتالي أن طبيعة الصراعات المسلحة هي ذات طبيعة معلوماتية(1). لذا إن الحروب السيبرانية تستهدف فصل عقل الدولة عن جسدها، فتشل قدرتها على الحركة. هنا يمكن لنا أن نطرح السؤال الآتي: هل أن فرضية الردع السيبراني المتبادل صحيحة ومنطقية

ويهدف الطرف المبادر بالهجوم السيبراني: أما إلى سرقة أسرار مؤسسة مهمة معينة كالبنتاغون الأمريكي مثلًا، أو يهدف إلى تدمير البنية السيبرانية الأمنية للخصم؛ من أجل شل مؤسساته عن الحركة وإعاقة تطورها، ومثال على ذلك الهجمات الإسرائيلية المتكررة على المشاريع النووية الإيرانية، التي ترى فيها إسرائيل خطرًا يهدد أمنها القومي، بالتالي تسعى قدر الإمكان إلى منع إيران من امتلاك السلاح النووي، ولهذا نجد أن الرئيس الأمريكي الأسبق (جورج ووكر بوش) اطلع خليفته وقبل تنصيبه رئيسًا للبلاد بشكلٍ رسميٍ الرئيس السابق (بارك أوباما)، على عمليةٍ سيبرانية تستهداف إيران أُطلق عليها اسم "عملية الألعاب الأولمبية" (2)، إذ تسعى الولايات المتحدة الأمريكية حماية أمن حليفتها إسرائيل من الأخطار المحدقة بها، حتى وإن كانت متخيلة! مما حدا بإيران إلى بذل الجهد الكبير من أجل الظفر ببنية سيبرانية متطورة، تكون لديها القدرة على حماية مؤسساتها الحساسة لا سيما مشاريعها النووية، ومع هذا تتعرض بين مدة وأخرى لهجمات سيبرانية مصدرها إسرائيل.

مقابل ذلك لم تقف إيران مكتوفة الأيدي حيال الهجمات السيبرانية الإسرائيلية، إذ تشير بعض التقارير الإسرائيلية، إلى أن المنشآت المدنية الإسرائيلية تعرضت إلى هجوم سيبراني مصدره إيران على الأرجح شمل مرافق المياه، وشبكات الصرف الصحي، وعدت إسرائيل أن هذا يعد تهديدًا أمنيًا خطيرًا لا ينبغي أن يتكرر أو يحدث(3). أيضًا أشارت الأخبار في الأيام القليلة الماضية، وقوع بعض الانفجارات في مواقع عسكرية إيرانية، سببها على الأرجح هجومًا سيبرانيًا إسرائيليًا(4).

فهل هذا يفسر دخولنا في عملية ردع سيبراني متبادل؟ هل أن قدرة الخصوم على الرد السيبراني المتبادل سيدفعهم إلى تحقق فرضية الردع السيبراني المتبادل؟ لا سيما إذا ما علم طرف ما أن الطرف الذي يريد أن يشن عليه هجومًا سيبرانيًا، لديه القدرة على الرد على هذا الهجوم، مما يؤدي إلى وقوع خسائر في بنيته التحتية التكنومعلوماتية، مما يؤدي به إلى التحسب الشديد قبل أن يفكر بشن عملية حربية سيبرانية. ولهذا نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية، والصين يتنافسان على قضية أيهما سيمتلك قبل الآخر تقنية (G5)، والصين تمتلك أسبقية في هذا الجانب، التي ترى فيها الطريق الأمثل الذي سيحولها إلى "قوة تقنية عظمى"، بالمقابل يرى الأمريكان أن ذلك يشكل تهديدًا جديًا لأمنهم القومي، لا سيما أنه سيؤدي إلى تهديد الأمن السيبراني والمعلوماتي للولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك حلفائها، لذلك يمكن القول إن كلا الطرفين دخلا فعليًا في حربٍ باردةٍ تقنية بدأت بوادرها تلوح في الأفق لا سيما  مع اعتقال المديرة المالية لشركة هواوي (منغ وانزو) في كندا، جاء ذلك بناءً على طلب من السلطات الأمريكية(5).

 تختلف ميادين هذه الحرب الباردة، وأدواتها، وأهدافها عن الحرب الباردة التي كانت بين الأمريكان، والسوفييت، مما يعني انتقالنا عمليًا من الردع النووي المتبادل، إلى الردع السيبراني المتبادل، فلم يعد امتلاك السلاح التقليدي، أو النووي هو الحاكم على قوة الدول على الرغم من أهميته فهذه تبقى متخلفة و"أكوام حديد"؛ من دون امتلاك بنية تقنية – سيبرانية متطورة، تكون لديها القدرة على حماية الأمن المعلوماتي، والسيبراني للدولة، فالصاروخ مثلًا بحاجة إلى تقنية متطورة حتى يصيب أهدافه بدقة متناهية، ولهذا نجد أن الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) أشار إلى أن بلاده صنعت صاروخًا لديه القدرة على ضرب أهداف تقع ضمن نطاق دائرة قطرية حجمها (70) سم.

بالتالي فيما لو وقعت حربًا تقليدية بين دولتين أو أكثر، أو حتى بين دولة وبين منظمة مسلحة ما دون الدولة كتلك التي وقعت بين العراق وبين تنظيم داعش؛ سيسعى كل خصم في هذه الحرب إلى تدمير وسائل الاتصالات، والتقنية، والتكنولوجية، من أجل شل قدرته على الحركة، وكذلك قطع وسائل الاتصال بين القيادة وقواتها على الأرض.

وهذا ما حدث بالفعل إبان عملية عاصفة الصحراء، التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها على العراق في العام (1991) من أجل إخراجه من الكويت، كانت هذه العملية "الحملة الأولى لوسائل الحرب المضادة للقيادة والسيطرة التي تنذر بمجيء حروب سيبرانية"، إذ عمدت القوات الأمريكية إلى تدمير شبكات القيادة والسيطرة العراقية التي أسسها العراق في ذلك الوقت، مما أدى إلى قطع عملية التواصل بين القيادة العراقية في بغداد، وقواتها العسكرية سواءً تلك المرابطة في الكويت، أو تلك التي تنتشر في المحافظات العراقية الجنوبية وصولًا من بغداد وحتى البصرة مرورًا بالكويت(6).

وبالعودة إلى موضوع الصين، وأمريكا، نجد أن الأخيرة تقف بالضد كل من يحاول تهديد هيمنتها العالمية، وبما أن الصين تعد المهدد الأبرز لهذه الهيمنة، لا سيما على الصعيد الاقتصادي، والتقني، نرى أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى توحيد جهودها كافة من أجل الوقوف بالضد مما تراه تهديدًا صينيًا لهيمنتها العالمية، لذا لا غرابة عندما نجد أن وثيقة الأمن القومي الأمريكي التي أُصدرت في عهد الرئيس (دونالد ترامب)، أكدت على أولوية الصين كمنافس خطير لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية، مما حدا بالرئيس ترامب إلى شن حرب اقتصادية تستهدف الاقتصاد الصيني، وتقنيتها المتطورة، التي تمثلها بأوضح مثال شركة هواوي.

كانت عملية عاصفة الصحراء في حرب الخليج الثانية هي الحملة الأولى لوسائل الحرب المضادة للقيادة والسيطرة التي تنذر بمجيء الحروب السيبرانية

لذلك نجد أن فكرة الردع حققت قفزات تطورية طبقًا للطفرات الثورية التي تحدثها البشرية، فكما كان امتلاك جيوش جرارة أسلحتها السيف، والرمح، والقوس، والمنجنيق، والفرسان الشجعان وسيلة ردعية قوية بعد قيام الثورة الزراعية، ثم انتقل الردع إلى التطور الذي أحدثته الثورة الصناعية، إذ أضحى الردع يتحقق بناءً على ما تمتلكه الدول من آلة حربية نارية التي انتقلت بين البندقية، والمدفع، والدبابة، والطائرة.. إلخ، وصولًا إلى امتلاك العالم للسلاح الذري في العام (1945)، الذي أنهى فرضية الردع التقليدية القائمة على السلاح التقليدي غير النووي، وكذلك الجيوش التقليدية، ومن ثم انتقلنا إلى الثورة المعلوماتية، والحوسبية التي صاحبها اكتشاف الإنترنت، ليتطور الردع إلى الردع السيبراني، وأمام هذا التطور في فكرة الردع، باتت جميع الدول مهددة في أمنها السيبراني، وحتى تضمن أمنها هذا، فهي بحاجة إلى بنية تحية تكنولوجية في غاية التطور، فالحرب قد تنتصر فيها، أو تخسر بناءً على تسرب، أو امتلاك معلومة، أو تسخرها بسبب تخلف البنية السيبرانية قياسًا بتطورها عند خصمك، هذا الأمر أدى إلى أن تكون قضية امتلاك تكنولوجيا متطورة تقع في قمة أولويات الدولة المعاصرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

  • لوتشيانو فلوريدي، الثورة الرابعة: كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني، ترجمة: لؤي عبد المجيد السيد، المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب، الكويت، 2017، ص ص241-242.
  • فرد كابلان، المنطقة المعتمة: التاريخ السري للحرب السيبرانية، ترجمة لؤي عبد المجيد، المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب، الكويت، 2019، ص ص235-237.
  • هجوم سيبراني إيراني على منشآت إسرائيلية والحكومة الأمنية تجتمع لبحثه، أر تي عربية، نشر في 9 أيار/مايو 2020، آخر تحديث 23:58 GMT، استخرج في 6 تموز/يوليو 2020، من على رابط الموقع
  • انفجار "غامض" جديد في إيران.. ما علاقة الأحداث الثلاثة؟، الحرة، نشر في تموز/يوليو 2020، استخرج في 6 تموز/يوليو، من على الموقع الإلكتروني
  •  وائل اللبابيدي، الجيل الخامس تشعل صراع هيمنة بين الصين وأمريكا، البيان، العدد14123، 17 شباط/فبراير 2019، 08.
  • فرد كابلان، مصدر سبق ذكره، ص ص37-38.

       

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

التحليل الإستراتيجي... قراءة في الأبعاد النظرية

إسرائيل والمهيمن الدولي.. إضاءة تاريخية