17-أبريل-2021

الأحزاب هي مصدر السلطات وليس الشعب (فيسبوك)

بدأت أمريكا احتلالها للبلاد وهي تتحدّث بـ"الحرية والديمقراطية" لتمهد بعد 2003 لسبع حكومات موزعة على 18 عامًا، كان العراقيون خلالها يتأملون تطبيق الديمقراطية، بنسختها الحديثة التي يقومون باختيار من يمثلهم فيها فعلًا، ويدخلون كعامل رئيسي في اختيار الحكومات، والتي كانت الشعار الأبرز للقوى السياسية، كضد نوعي لثلاثة عقود ونصف من الاستبداد وحكم العسكر.

 أسست القوى المهيمنة على النظام في العراق أعرافًا سياسيةً وفقًا للمكونات، إذ يحتفظ الكرد برئاسة الجمهورية والسنة برئاسة البرلمان والشيعة برئاسة الوزراء لغاية الآن

لكن خيبة الأمل باتت واضحة على الشارع العراقي، وكما رأى مراقبون أنها طبقت بشكل عملي خلال احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر 2019. إذ تعيش البلاد في ظل ديمقراطية "عليلة"، هُجنت على أيدي قادة عاش معظمهم سنوات من حياتهم في بلدان تتنعم بالديمقراطية، بعد أن رفضوا العيش تحت حكم استبدادي،  لكن مطابخ سياستهم طهت التسويات والتفاهمات على نار ما أطلق عليه بـ"الديمقراطية التوافقية" التي تحوّلت إلى عرف عملي لتقسيم الدولة بين سائر ممثلي الطوائف، وواحدة من تجلياتها الأساسية أن تضع الجماعة فوق الفرد، وبالتالي لا توجد أجواء لممارسة ديمقراطية حقيقية، كما يرى باحثون.

اقرأ/ي أيضًا: ورطة الديمقراطية

ومنذ 2003 أسست القوى المهيمنة أعرافًا سياسيةً وفقًا للمكونات، إذ يحتفظ الكرد برئاسة الجمهورية، والسنة برئاسة البرلمان، والشيعة برئاسة الوزراء لغاية الآن، والأخيرة تعتبر الأكثر قيمة بين الرئاسات الثلاثة، فيما يظفر كل مكون بعدد من الوزارات لتتقاسمها قواه، حتى أن بعض الوزارات احتفظ بها مكون لأكثر من حكومتين، وجددت الثقة لذات الوزراء، وبعضهم انتقل لوزارات أخرى، وبعضهم استحدثت المناصب لهم، ووسط هذا كلّه، لم يشكّل الفائز الأول الحكومة وإنما التوافقات، ويعتقد مراقبون أن العامل الخارجي هو الأكثر تأثيرًا في هذه المعادلة.

وبعد نحو عقدين، عاش خلالهما العراق حرب طائفية طاحنة وتعاظم سطوة الجماعة المتطرفة، ودخول تنظيم "داعش" وخسارة ثلثي العراق، راح ضحيتها الملايين من المواطنين، بين تفجير واغتيال وضحايا القوات الأمينة، وعمليات الاغتيال والتغييب للأصوات المعارضة، ما زالت تسوّق القوى السياسية أن النظام ديمقراطيًا، معتبرين أن الانتخابات دليلًا كافيًا.

ووضع تصنيف مؤشر فريدوم هاوس للحريات، العراق في مراتب متأخرة، بعد حصوله على 29 نقطة من أصل 100 نقطة يعتمدها المؤشر، ليعزز نظرية "الديمقراطية المشوهة" ويصنفه كدولة  "غير حرة"، في الوقت الذي توزعت فيه دول العالم والمنطقة العربية بين حرة وحرة جزئيًا وغير حرة، ويتعلق المعيار الأهم لمؤشر فريدوم هاوس، بالانتخابات في الدول غير الحرة، والتي تكون انتخاباتها نادرة أو مزورة أو مؤجلة إلى إشعار آخر، بالإضافة إلى تفشي المحسوبية والطائفية والتدخل الخارجي، وهيمنة طبقة على الثروة والنفوذ، وقمع المعارضة والاحتجاجات الشعبية وحرمان الشعوب من حرية التعبير عن آرائها دون قيود.

هل الانتخابات مصداقًا لوجود الديمقراطية؟

لا يبرهن وجود نظام ديمقراطي عامل الانتخابات على سبيل المثال، وإنما مجموعة عوامل  تؤسس له وفقًا لمختصين في العلوم السياسية والاجتماعية، ومن بينها "التعددية"، تعددية الأحزاب والقوى السياسية، والتشارك في الحكم عبر ممثلين يتمّ انتخابهم من الشعب، إلا أن هذا المفهوم، هو الأساس الأول الذي يُعتقد أنه "تشوّه"، ليصبح التعدد عرقيًا وطائفيًا، أخذ يتوسع أكثر ليصل إلى العشائرية والمناطقية بدلًا من كونه سياسيًا.

ويعتبر الباحث والأكاديمي عقيل عباس، الانتخابات وحدها ليست دليلًا على وجود الديمقراطية، ولكنها أحد مظاهرها، ويمكن أن يكون تضييقًا على حرية التعبير وقدرًا معينًا من القمع، لكن يبقى هناك نظام التداول، والذي تضمنه الانتخابات، ويمكن إجراء انتخابات النزيهة حتى البلدان غير الديمقراطية، بشرط ضمان استقلال الهيئات التي تديرها.

ويصف عباس وجود الانتخابات كمظهر "عليل" لديمقراطية "عليلة"، معللًا ذلك بـ"البنية التي حصلت خلال تطبيق نظام سانت ليغو، والتي رتبت لتفيد القوى المهيمنة، ولا تكون تعبيرًا دقيقًا عن رأي الجمهور"، مستدركًا "لكن قانون الانتخابات الجديد برغم العيوب التي فيه، إذا طبق كما ينص، فإنه سيغير وجه العملية السياسية تدريجيًا، وهذا معروف في تجارب الدول تاريخيًا، مثل الولايات المتحدة، وفرنسا وبريطانيا، والتي تعتبر مصادر العالم في التجارب الديمقراطية، والتغيرات التي حصلت في بُنية الأحزاب والسياسة هناك، كانت نتيجة لتعديلات على النظام الانتخابي".

وتابع عباس خلال حديثه لـ"ألترا عراق"، أن "النظام الانتخابي، كلما كان معبرًا عن رأي الجمهور، ولا يقوم على أسس طبقية، وأتسع وأصبح فرديًا وليس تمثيلًا للجماعة، كلما أفضل للديمقراطية، كما أنه يساهم بإعادة صياغة سلوك الأحزاب السياسي" مبينًا أن "النظام الانتخابي في العراق، كان نظامًا جماعاتيًا حزبيًا مهيئًا من أجل التعبير عن نفوذ الأحزاب وإعادة إنتاجها، وليس لمعرفة رأي المجتمع بشكل دقيق، وتطبيقه واقعيًا على السياسية".

يقول الباحث أحمد الشريفي إن الانتخابات في العراق فاشلة ولا تمتلك رصيدًا جماهيريًا لأن المعادلة معكوسة، فالأحزاب هي مصدر السلطات وليس الشعب

ويعوّل عباس على قانون الانتخابات الجديد في إزالة جزء من نفوذ الأحزاب على عملية الانتخابات، ويضعها أمام اختبار صعب، لأنه مناطقي، ويحتم عليهم إيجاد مرشحين محليين يتمتعون بثقتها هي والجمهور، وهذا صعب جدًا، بالإضافة إلى أنه يربط عضو البرلمان بقاعدته الانتخابية، بعكس ما كان سائدًا سابقًا، عندما كان يرتبط بزعيمه الحزبي"، ويبيّن عباس أن التغيير سيكون تدريجيًا ويحتاج لدورتين أو أكثر، وعاملين آخرين، وهما "التطبيق الكامل للقانون والمشاركة الحزبية".

هيمنة الجماعة

وحول الديمقراطية التوافقية التي تضمن تمثيل متباين في البرلمان وتكريس ما يسمى بـ"هيمنة الجماعة"، يقول عباس إن "دولًا عديدة لديها تجارب مع الديمقراطية التوافقية فشلت، حتى أقر صاحب الفكرة الذي جاء بها بالفشل، مبينًا "بالرغم من وجود تجارب ناجحة، لكنها ضمن أنظمة اجتماعية ديمقراطية، متطوّرة وناجحة مثل سويسرا وبلجيكيا، في ظل وجود واقعية اجتماعية عالية ومؤسسات رصينة، استطاعت إنجاحها،مستدركًا "ولكن في البلدان التي ليس لديها التراث الديمقراطي والمؤسسات القوية، مثل لبنان ونيجيريا فشلت"، لافتًا إلى أن "القانون الجديد يؤسس لبداية للخروج منها، وبقية أخرى أعمدتها وهي المحاصصة، والتي لا يوجد نص دستوري وقانوني يسندها، تحتاج فقط صعود قوى سياسية جديدة ورأي عام قوي ضدها، ليتم إلغاءها، كممارسة في الحياة السياسية".

اقرأ/ي أيضًا: ديمقراطية العراق.. نظام استبدادي بانتخابات وتعددية "مشوّهة"

ويعلّل عباس فشل التجربة البرلمانية في بغداد وكردستان بـ"عدم وجود قوى سياسية واحدة مهيمنة تستلم السلطة عبر البرلمان، ما يتطلب وجود توافق بين قوى عديدة تتوافق بصعوبة، قبل تشكيل الحكومة وبعدها تختلف وتفترق".

طائفية سياسية لا مذهبية

وحول دور "بنية المجتمع الطائفية"، يقول عباس إن "هذه التجربة في طورها للنهاية والتفكك، إذ سادت في ظل الديمقراطية التوافقية فكرة الهوياتية، وأن العراقيين كمجاميع عرقية واثنية وليسوا أفرادًا، وأنها ممثلة بأحزاب سياسية، ومهمة الجمهور انتخابهم، وهؤلاء يقومون بتمثيل مصالح المجموعة، في الحياة الوطنية والمؤسسات، وهذه التجربة فشلت لأنها لم تخدم مصالح الجماعة التي يفترض أنها تمثلها، وإنما استقلت عن الجماعات، وأصبح ولاؤها لذواتها وكدست الثروة وحصلت على الموارد والنفوذ وانفصلت عن قواعدها، مما أدى لبروز الاحتجاجات"، معتبرًا أن "البنية الأساسية للطائفية هي سياسية وليست عقائدية، والأخيرة المجتمع قادر على التعامل معها كما فعل منذ آلاف السنين، بينما السياسية في طور الانتهاء، ونحن بحاجة للبديل الذي ربما ستفرزه هذه الانتخابات".      

لكن الخبير الاستراتيجي أحمد الشريفي يختلف مع الباحث عقيل عباس، حول التعويل على الانتخابات المقبلة، وإمكانية إحداثها لتغيير ملموس، إذ يقول، إن "الانتخابات فاشلة ولا تمتلك رصيدًا جماهيريًا، لأن المعادلة معكوسة، فالأحزاب هي مصدر السلطات وليس الشعب، وعلى الشعب أن يكون عبدًا طائعًا وذليلًا للأحزاب وقادتها، وحتى مفردة الأحزاب لا تتسق مع السلوك، هذه زعامات لديها أتباع، ومن حيث التقييم وفق نظرية النظم الديمقراطية، فلا يوجد نظام داخلي ولا انتخابات ولا تداول للسلطة في داخل الحزب، وهناك زعيم وأتباع يتحكم بهم".

وأضاف الشريفي، في حديث لـ"ألترا عراق"، أن "الشخصيات المتنفذة والتي تسرق ملايين الدولارات، لا يمكن استعطافها وحوارها من خلال المنظومة الدينية والأخلاقية لترك هذه المكتسبات، وهذا ما حدث في إيطاليا عندما سيطرت المافيات على السلطة، ولم يتخلصوا منها، إلا بعد التصادم معها، ولا يمكن الوصول لنتائج ملموسة، إلا من خلال انتصار المؤسسات على الأحزاب".

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الصراع بين جيل الاستبداد وجيل الديمقراطية

نزيف الدماء "السلبية" واغتيال الديمقراطية