نزيف الدماء

نزيف الدماء "السلبية" واغتيال الديمقراطية

محاسبة قتلة المتظاهرين هو الإجراء هو الذي سيمنع الاغتيالات مستقبلًا (AFP)

ليس من شأن الديمقراطية أن تضطلع ـ بشكل مباشر ـ في التنمية الاقتصادية وبناء القوة العسكرية وتوفير المؤسسات الخدمية والصحية؛ بل أن وظيفتها الأساسية منع الاستبداد بالسلطة، وتداولها سلميًا وإتاحة التعددية في الاشتراك بالحكم عبر الانتخابات أو المعارضة المُصانة من جهة، وإعلاء حقوق المواطن قبالة الاضطهاد والتعسف واستخدام القوة المفرطة في قمع الآراء والسجن بتهمٍ جزافية.

السكوت الدائم عن حوادث اغتيال الناشطين والمتظاهرين فضلًا عن إعلاميين وأصحاب رأي أدى إلى استفحال وتجرؤ القتلة والعصابات في أفعالهم

لكن النظام في العراق، وعلى الرغم من فشله في بناء اقتصاد حقيقي واعتماده التام على ريع النفط، وفشله في بناء منظومة أمنية وعسكرية رادعة رغم تجنيد ملايين المقاتلين، وفشله في بناء مؤسسات خدمية وتوفير الكهرباء وإكساء الطرق وما تجلّى من بؤس المنظومة الصحية مع اجتياح فيروس كورونا المستجد للعراق، وفشله في تفعيل القطاعين الصناعي والزراعي وما يمثلانه من عصب رئيس في حياة الدولة، رغم فشله في كل ذلك، فأنه فشل في ديمقراطيته المزعومة.

اقرأ/ي أيضًا:آخر بحوث الهاشمي: كابوس الجماعات المنشقة.. من صولة المالكي إلى ليلة الكتائب

إن النموذج العربي الديمقراطي الفريد، وأعني الحالة التونسية ما بعد الثورة، هو أحد الأدلة على عدم وجود حتمية في ارتباط الديمقراطية بالنجاح الاقتصادي وغيره؛ لكنه على أقل تقدير يُثبت مرارًا حقيقته الديمقراطية على مستوى الممارسة بغض النظر عن أداءه الحزبي. على عكس النظام العراقي ما بعد الاحتلال الذي يُثبت بدوره مرارًا أنه ديمقراطي في الدستور وإجراء الانتخابات، وعبثي في كل الشؤون الأخرى.

لا يجري تداول السلطة سلميًا، بل تتطاحن الأحزاب حول الحصص وتتصاعد التهديدات اللفظية وأحيانًا العملية. تحوّل النظام إلى شبه أوتوقراطي أو أوليغارشي بفعل التحاصص المتكرر بين الكتل السياسية الكبيرة. وفي الآونة الأخيرة، بات للسلاح القول الفصل في تحديد شكل الحكومة وقرارات مجلس النواب الكبيرة، وهو ما يقوله شركاءٌ لهم علنًا، حيث للكتل السياسية التي تمتلك أجنحة مسلحة صوتًا أقوى من غيرها.

ومن الأعلى نحو الأسفل، يبقى صوت السلاح حاسمًا في التعامل مع التظاهرات الشعبية والناشطين والصحفيين والآراء التي تتخطى الخطوط الحمراء بالنسبة للجماعات المسلحة. وفي التعامل مع قضايا اقتصادية واجتماعية ودينية. تقف الديمقراطية في هيأة مضحكة حيث تتقافز الأسلحة الكاتمة للصوت على رؤوس المختلفين، أو غير الكاتمة كما حدث في ساحة الخلاني أثناء التظاهرات، لتحيلها إلى تهريج مأساوي.

قبل أيام، حدثني صديق عن دهشته مما يطرحه الخبير الأمني هشام الهاشمي في وسائل الإعلام وتساءل بجدية "كيف لم يقتلوه إلى الآن؟".. أجبته بأن الأخير يمتلك علاقات واسعة مع جميع الأطراف السياسية والمسلحة في الدولة ولا بد من قيمة لذلك، لكن صديقي لم يقتنع بتفسيري بحجة أن الهاشمي يبالغ في حديثه الصريح أكثر مما يجب، وهو ما لا يسمح به المتشددون. إن هذا التفسير الذي يبدو منطقيًا أُثبت عدم منطقيته في نظام غير منطقي. لقد كانت مخاوف الصديق صحيحة. من هنا كانت صدمتي بخبر الاغتيال بالذات لعلاقات المرحوم التي ربما لم تنفعه، وليس لأن عملية الاغتيال نفسها غريبة في نظامنا الديمقراطي. إن الشروع باستئناف عمليات الاغتيال بعد الانتفاضة لمن يسمونهم "عملاء السفارة" ليس صادمًا بالمرّة. والأرضية جاهزة وسط آلاف الحسابات الإلكترونية ووسائل الإعلام الحزبية التي تحرّض في الليل والنهار على أسماء وشخصيات بعينها وتتهمهم بالعمالة والتآمر. تبدأ بالناشطين وتنتهي بالرئاسات الثلاث!

إن السكوت الدائم عن حوادث اغتيال الناشطين والمتظاهرين فضلًا عن إعلاميين وأصحاب رأي أدى إلى استفحال وتجرؤ القتلة والعصابات في أفعالهم، وعدم الخروج بنتائج تفصيلية في التحقيق بقضايا قمع المتظاهرين أعطى الجهات المسلحة المسؤولة عن ذلك الاسترخاء التام في تنفيذ عمليات الاغتيال بالإضافة إلى قصف المواقع الدبلوماسية والعسكرية الأجنبية. لا يوجد رادع إذن والحكومة تخشى المواجهة.

تفترض الديمقراطية الحديثة أن حرية الرأي خط أحمر لا يمكن تجاوزه، فيما وضع القائمون على النظام العراقي خطوطًا حمراء داخل حرية التعبير ثمنها دمُ من يتجاوزها

في هذه التفاصيل نختلف مع دعاة الحلول الدبلوماسية. يجب أن تكون الحكومة التي جاءت بعد انتفاضة بحجم (تشرين) من القوة والحركية والتفاعل بمكان أن تُعيد للشهداء والجرحى اعتبارهم خصوصًا وأنها جاءت بفضل دمائهم التي أطاحت بعادل عبد المهدي.. وهي مسألة لا تتعلق بالأخلاق والنوايا الحسنة، بل أنها في قلب مصلحة الفريق الجديد، حيث إن لم تبدأ بتطبيق ضرورات المرحلة الجديدة ستفترسك أفاعي المرحلة القديمة.

اقرأ/ي أيضًا: اغتيال الخبير الأمني هشام الهاشمي.. ماذا قال في آخر كلماته؟

من هنا نقطة الشروع التي من المفترض أن تبدأ منها الحكومة للدفاع عن وجودها ووقف تدهور الأوضاع الأمنية والتحوّل لـ"دولة عصابات" كما يقول رئيسها، على افتراض أننا لا نعيش الآن في دولة تسيطر عليها المافيات حرفيًا. من هنا يُمكن للأجهزة الأمنية فرض القانون كما ينبغي وضبط السلاح المنفلت. إيلاء الاهتمام لملف انتفاضة تشرين والكشف عن قتلة المتظاهرين ومحاسبتهم هو الإجراء الأهم من الكشف عن قتلة الهاشمي كونه هو الذي يمنع اغتيال هشام آخر ويوقف الضربات الموجهة لجسد الديمقراطية برمتها.

تريد الجهات المسلحة إيصال رسائل مختلفة إلى الحكومة العراقية والمجتمع الدولي والإقليمي والمحلي. لكنها بهذه الرسائل تُجهز على ما تبقى من الديمقراطية الشكلية. تفترض الديمقراطية الحديثة أن حرية الرأي والتعبير هي خط أحمر لا يمكن تجاوزه، فيما وضع القائمون على النظام العراقي خطوطًا حمراء داخل حرية التعبير ثمنها دمُ من يتجاوزها. إن النظام شبه مختطف، والديمقراطية الناشئة تنزف دماءً سلبيةً لا تُساهم في ترسيخها، بمعنى أن سفك الدماء لم يُساهم في الدمقرطة، والقانون لم يقوَ بالتضحيات، والحرية لم تتعزز والسلطة لم تُصلح، منذ 2003، حتى بدأ اغتيال الديمقراطي الفعلي في تشرين الأول 2019 وإلى يومنا هذا.

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

انتفاضة تشرين: البحث عن ممكن

عملية الدورة وحافة التوتر.. الصِدام أو حلٌ مستدا