انتفاضة تشرين: البحث عن ممكن

انتفاضة تشرين: البحث عن ممكن

كان هذا التجمع الشبابي في تشرين خارج أطر الهويات المذهبية (Getty)

لقد كان جرحي موجودًا قبلي، أنا الذي وُجدتُ لأجسّده. جيل دولوز

أيّها الإنسان، حياتك كلها ستعاد من جديد، وستُكَرَر وستٌقلَب كما ساعة رملية، ومن جديد ستتسرب، وحينها ستجد أنّك تلاقي من جديد كل ألم وكل متعة عشتها من قبل. فريدريك نيشتة

هل يمكن استعارة هذه العبارة الثقيلة لجيل دولوز لترتدي زيًّا آخر، لكن هذه المرّة لا يرتديها فيلسوف "يركب" الفلاسفة ويستعين بمفاهيمهم ويستنطقها بمدلولات جديدة، بل ستكون العبارة لسانًا لشباب تشرين الذين سقطوا غدرًا، حملوا جروهم على أكتافهم بعد أن وجدوها جاهزة! لقد ولدت هذه الجروح قبلهم، وكان الغدر بانتظارهم، فما عليهم إلّا ليستقبلوه بصدور رحبة. كما لو أن الموت هو القارب الآمن الذي حررهم من هذا الجرح العميق. يبدو أن الجروح والموت السريع والمجاني في العراق، وباستعارة لا تخلو من تسامح وتبسيط، يخضع لقانون "العود الأبدي" النيتشوي؛ إنه اختلاف من حيث الأفراد وتكرار من حيث الأحداث السياسية والاجتماعية.

تاريخنا السياسي هو تاريخ سلطة بامتياز على حساب الدولة ومؤسساتها

قد يبدو ما سأفترضه غريبًا وعابرًا للواقع بكثير. وهذا ما يتراءى لذوي الأفكار الجاهزة؛ هؤلاء الذين لا يفهمون من حركة الفكر الهائلة غير الضرورات، ولا يقيمون وزنًا للممكنات، ويتعاملون مع هذه الأخيرة كما لو أنها شبح يهدد قوالبهم الصلبة. وهؤلاء لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل القادم يمكن أن يتذكرهم التاريخ ويجمعهم في سلّة واحدة مع غيرهم. وهؤلاء الغير هم شباب تشرين وحركتهم التي حركّت الممكنات. فالتشرينيون من هذه الناحية كانوا حدثًا ألقى بظلاله على فكرنا الراكد حركة كنّا نفتقدها، فلا نتسرع ونؤطر الحدث بلحظته الآنية، بل ننظر للآفاق  التي تدفعنا للتفكير في ممكن قادم. ولا نحبس تصوراتنا بأحكامٍ آنيّةٍ تكتفي بما هو قائم فقط، بل تسعى لإبداع طرق تفكير جديدة وممكنة.

اقرأ/ي أيضًا: انتفاضة تشرين.. صوت المستقبل

مرة أخرى نكرر: لا نحلل تشرين كأشخاص وإنما كحدث سياسي واجتماعي، نحاول من خلاله التفكير؛ إنه الحدث الذي سلّط  حزمة كثيفة من المواقف والسلوكيات والأفكار لتضغط على أذهاننا لكي تفكر، لا لكي تطلق الأحكام! فإطلاق الأحكام عادة ما يستهوي ذوي الأصول الثابتة غير القابلة للتغيير. إن الأذهان التي اعتادت على إطلاق الأحكام ستغدو كل مخرجاتها عبارة عن فضلات لا تصلح حتى كسماد، تصلح للاستبسال في معاركَ شخصية تافهة.

ما الذي نفهمه من هذه اللحظة الانفجارية التي جسّدها الشباب كفعاليات تدل على رفضهم الصريح لشرور السلطة، ذلك إن السلطة قرينة الثبات، وهذا الأخير قرين الموت، بينما كانت فعاليات الشباب محاولة لاسترداد الحياة التي تسلبها السلطة، فكان الموت (السلطة!) بانتظارهم. وبلا أدنى شك لم يكن الشباب مفكرين ومبدعي مفاهيم! أعني أنّهم لم يبدعوا أطارًا نظريًا يفكرون من خلاله ومن ثم يتصرفون بناءً على هذا الإطار. وإنما يُترك هذا الأمر للنخب المثقفة لتخرج بخلاصات نظرية والبحث عن ممكنات جديدة تغدو أفقًا جديدًا للتفكير. إذ لو توقفت أفكارنا عند حماسة الشباب وانشغلنا بالتقاط التصرفات الفردية المشينة، أو سجّلنا ملاحظات سلبية، فهذه التصرفات لا علاقة لها بنظرة المثقف، بل ينفرد لها، عادةً، الجماعات الممانعة والمقاومة للتغير. أما المثقف فيبحث عن خلاصات وإمكانيات وأدوات جديدة للتفكير.

السؤال الذي ينبغي أن نطرحه، كتمرين على التفكير، هو كيف نستثمر هذا الحدث السياسي والاجتماعي لكي يسلّط مزيدًا من "العنف"، والتعبير لدولوز، على الفكر لكي يفجّر أسئلة إشكالية جديدة؟ فلنبحث، إذن، عن إمكانيات جديدة للحياة والفكر ونحاول تأويل الحدث للعثور على ممكن جديد في التفكير. إذ لو استمر الأمر على المنتفضين فهم ليسوا معنيين على الإطلاق، كما قلنا، بالتفكير، بل الجماهير كعادتها تنفر من التفكير تمامًا.

 وتحسبًا لأي عود جديد في المستقبل للمطالبة بالتغيير، قد يكون من الأفضل النظر إلى السلطة على هذا النحو: إنّها قائمة على ماهيات ثابتة وأسس لا تقبل التغيير، حتى وإن ادّعت ذلك ظاهريًا. إن الصفة الراسخة فيها هي الثبات الذي يفترض، بالضرورة، عللًا راسخة، وأحكام ثابتة؛ ميتافيزيقا تقولب المجتمع ضمن قبليات مرسومة سلفًا. فالوظيفة المستقبلية هي البحث عن ممكنات جديدة، وهي كالتالي: اختراق عالم الصفات الثابتة والدخول في عالم الفعل. ذلك إن الفعل نقيض أبدي للصفات الثابتة، الأول صيرورة لا تنفك عن الحركة، والثاني موت وجمود. على أن لا نرادف السلطة بالدولة ونقع في المحذور ونضع حركات التغيير ضمن الحركات الفوضوية.  إن تاريخنا السياسي هو تاريخ سلطة بامتياز على حساب الدولة ومؤسساتها، وهذا ما نعنيه بالسلطة تحديدًا.

ولكي تكتمل ميتافيزيقا السلطة لا بد لها إن ترسم حقائق "سرمدية"، وعللًا ثابتة، وذوات طبقًا لصورتها؛ فالذات صنيعة السلطة التي توهم أتباعها بأنهم ذوات مستقلة وثابتة وجوهرية، في حين لا تعدو الذات أن تكون سوى مركّب ونسيج صاغته يد السلطة نفسها من خلال ترسيخ القيم الزائفة، والتي تبدو صوابًا وحقيقة لا تقبل النقاش. إن الذوات ما هي إلّا دمىً مربوطة بخيوط تحركها أيادي "الأرباب". أما الحدث الذي ينشد التغيير يكون النقيض المباشر لهذا كله؛ لقد رد الشباب على هذه الربوبية ومصانعها المنتجة للاستبداد ردًا حاسمًا، وهو التفاعل، ذلك أنه نقيض أبدي لكل ما هو ثابت وعصي على التغيير. غير أن هذا التفاعل تبخّر بفعل عنف السلطة المميت، والحماس الشبابي الذي يبدو أنه يحتاج إلى زمن ليس بالقليل لمراجعة أهم النقاط الحاسمة.

إن التفاعل حدث ثوري يعني اختراق عميق لعالم السلطة الثابت وتحريك لمياهها الراكدة. أكثر من هذا، لم يكن الحدث التشريني حدثًا لصناعة ذوات معجونة بأيد السلطة، لأنهم لم يكونوا من منتجات السلطة، بل نفخوا في روح جديدة وهي التفرد؛ إنه يقابل الذات، ذلك إن التفرد يعني التوليف المستمر والدؤوب لإبداع ممكنات جديدة في الحياة. التوليف تجميع للمتنافر وتوحيد للمتفرق، لكنها وحدة توليفية لا تخضع لهوية صلبة.

كانت انتفاضة تشرين تطلّع وتوق لإبداع علاقات اجتماعية وتوليف يجمع ويشد الناس وليس عقيدة قائمة على إملاءات السلطة

 كان هذا التجمع الشبابي خارج أطر الهويات المذهبية، بل كان تفردا وتوليفًا بين تفردات متعددة لا ذوات تخضع لإرادة جبرية. لذلك كل من أنتجتهم السلطة، أيًا كانت هذه السلطة، لم يتحملوا هذا الحدث، ولم يفهموا منه سوى ما لقنتهم السلطة، فكانوا ضحية التلقين وضحية ذواتهم المحبوسة في دهاليزها السوداء. غير أن هذا التفرد بحاجة إلى مزيد من المهارات اللازمة، فالتفرّد لا نعني به النزق الصبياني ولا النزوع الأناني ولا الاستحواذ على مراكز القرار، بل نعني به: أن كل نسخة ليست شبيهة بالأخرى، لا تقبل التعليب من معامل السلطة.. كل نسخة هي إمكانية جديدة للحياة تحمل بذور إبداعها وتفردها. ومجموع هذه التفردات تخلق وعيًا متناميًا بحتمية التغيير، وتعانقًا لكل متناقض. وهذا، بحق، قولًا ثقيلًا لا تعتني به الجماهير، بل لا تحترمه، لذا، ولكي لا نقع بالمحذور المثالي، ينبغي أن ننظر للحدث بعمومه، أما الثقل الأكبر فيبقى، كما قلنا، لمن ينظّر ويفكّر من خلال هذا الحدث. ليس تنظيرًا أبديًا ومغلقًا، بل أعني به التعلّم على اجتراح كل ما هو ممكن.

اقرأ/ي أيضًا: لقد كان في قصصهم عبرة

 على كل حال،  يُفترض، إن أول ما تخلقه هذه الوحدة التوليفية لهذه التفردات المتمرّدة ضد السلطة: ضرب الأيديولوجيا واستبدالها بالإبداع. لقد كانت تشرين تطلّع وتوق لإبداع علاقات اجتماعية وتوليف يجمع ويشد الناس وليس عقيدة قائمة على إملاءات السلطة. لذلك حاول الشباب فرش بساط التجريب وكسر أقفال الأيديولوجيا.. أليست المحاولات التي راح ضحيتها عشرات الشباب تكفي أن نقيم لها صروحًا من التفكير الجديد: هم حاولوا عمليًا، رغم تواضع الإمكانيات، فلنحاول نحن بالتفكير خارج سياق الأطر الاستبدادية، على الأقل وفاءً لهذا الحدث.

 يبدو أن من سقطوا غدرًا كانوا مقيمين، فرحلوا بعد أن دحرجوا كرة الثلج. لكنّ الحدث، كما نأمل، سيكون مستمرًا بعودته اللاحقة المرجوّة؛ "عود أبدي"، وتكرار مستمر، لكنه ليس تكرارًا لنسخ متشابهة بل تفردات جديدة، كما قلنا، تأتي لإضافة ما أخفقنا فيه، وتمنحنا المزيد من الصبر والتأني، والنظر بالآليات السابقة، لكي لا نغدو أشلاء ممزقة تهرسها ماكنة السلطة، ومن ثمّ يتاجر الانتهازيون بدماء الشباب.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

رسالة إلى شاب عراقي

لماذا لا نتغيّر؟