الموت والسلطة

الموت والسلطة

عبارة "الموت لنا عادة" أضحت نشيدًا لفقراء الشيعة ومعدميهم (Getty)

استيقظ شيعة السلطة فوجدوا أنفسهم في وضعٍ لا يُحسدون عليه: طبقة مهيمنة بعد أن كانوا في حالة إقصاء. ثمّ وجدوا أنفسهم وسط خصوم تاريخيين شرسين لا يقبلون بالشيعة بديلًا لنظام الحكم الجديد. وما بين هذا وذاك سالت دماء الطرفين في حربٍ طائفية قذرّة لا تقلَ فتكًا وإيلامًا عن حرب السنوات الثمان. ولكي يقنع شيعة السلطة خصومهم من أنّهم ملائمون لإدارة دفّة الدولة العراقية وبناء مؤسساتها، نهبوا ثروات البلد واستأثروا بالنصيب الأكبر من فنون اللصوصية! حتّى أن الفرد العراقي لم يعد بحاجة إلى دراسات واستبيانات للوقوف على حجم الفساد والإفساد في هذه المنظومة، يكفي أن تسأل أحدهم حتى يأتيك الجواب الجاهز: إنّها أفسد منظومة شهدها تاريخ العراق السياسي، بل يذهب البعض على أنّها أفسد منظومة في العالم!

ما السلطة في ضمير شيعة السلطة بالعراق سوى سرقة المال العام والإجهاز على ثروة الأجيال اللاحقة

 لا ينفرد شيعة السلطة بهذه الصفات المروّعة فحسب، بل كانت النخب الكردية والسنية أحط الجماعات السياسية شأنًا، وأقذرهم في خيانة ناخبيهم، وأكثرهم وضاعة في النفاق والتزلّف والازدواجية. ما الوطن في ضمير هؤلاء؟ لا يخرج عن هذه الحقيقة البشعة: إمّا السلطة وإمّا الخراب المطبق، فارتضوا بتقسيم المغانم بدلًا عن فكرة توحيد الشعب العراقي.  لم يحسم الأكراد أمرهم بعد؛ هل هم أكراد أم عراقيون؟!، هل هم جزء لا يتجزأ من الشعب العراقي، أم جزء من برتوكولات السفارات الأجنبية؟ لا يوجد جواب يلوّح في الأفق. الأمر الذي حسموه بسرعة البرق هو المشاركة البرلمانية والانخراط في توزيع الكعكة والاحتراف في سرقات النفط العراقي، وما عدا ذلك فالعراق في ضمير النخبة القبلية الكردية مفهوم تجريدي ليس له واقع ملموس!

اقرأ/ي أيضًا: الخوف من التغيير

إمّا المساهمات الخيالية التي قدمتها النخب السنية في تخريب البلد، وتأجيج حمم الطائفية وتوريط جماهيرهم بنكبة الحرب الأهلية ستبقى محفورة في ذاكرة العار السياسي والأخلاقي الذي سيلاحقهم وهم في مقابرهم. غير أن الموت والعار آخر هموم النخب السنية. لقد آمن هؤلاء بضمير لا تشوبه مسائلة، ولم يستمعوا من قبل بعبارة "صوت الضمير"؛ فكما للشيعة أوهامهم فلهؤلاء أوهام مضاعفة مفادها: لا يمكن أن تندمج خارطة العراق ما دمنا على قيد الحياة.

غير أن الشيعة ينفردون بقصب السبق كونهم الأغلبية السياسية - والأغلبية في فنون الفساد- وترتصف تحت سلطتهم ملايين الشيعة. ليس هذا فحسب؛ فلديهم دعامتان لا تتوفر لأي نخبة سياسية في المنطقة العربية، أعني بهما المؤسسة الدينية والقوى الاجتماعية الهائلة التي قذفت بنفسها في كرنفال انتخابي بهيج لتعلن ولائها اللامشروط للنخب الشيعية. وبالطبع كلنا يعلم أن الناخبين لم يخرجوا لبرنامج سياسي يحسّن ظروف حياتهم بقدر ما حركّتهم شجون الذاكرة وآلام الماضي واللحظة التاريخية الصادمة لجماهير الشيعة وهي ترى نفسها، لأول مرّة في تاريخ العراق الحديث، خارج دائرة النبذ والإقصاء.

إن كان ثمّة شيء واضح في هذه النخب المُسَيّسَة هو حقدهم الغريب وثأرهم العصي عن التفسير على هذا البلد. ذلك إن مجمل تفكير المُسَيَّسين على هذا النحو: فلنسرع في تفريغ الخزينة وليذهب العراق إلى الجحيم. وإلّا هل من تفسير مقنع لما يحصل؟

 يميل الكثير إلى هذا الرأي: الفساد الإداري هو السبب الرئيسي لكل ما يحصل، لكنّ الطبقة المهيمنة حينما تستشعر الخطر الوشيك الذي يهدد وجودها تتجه صوب التخطيط والبناء والاستثمار لكي تكتمل دائرة الهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية، بينما نرى العكس تمامًا؛ بلغت نسب الفساد أرقامًا مخيفة، ولم تشفع لهذا البلد كل الميزانيات الانفجارية، إذا لا زال فقراء الشيعة يتمسكّون بشبّاك الرعاية الاجتماعية لضمان أقواتهم اليومية.

وقف شيعة السلطة أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا الموت أو السلطة، فاختاروا الاثنين! غير إن التوزيع لم يكن عادلًا؛ لقد حصدوا المغانم، وهم في طريقهم لتفريغ خزينة البلد، وضمنوا سلطتهم، وبالخصوص من الناحية المالية، وربما سنتفاجأ يومًا ما من أن شيعة السلطة هم الأعلى في سلّم الاثرياء في مشرقنا العربي، وهذا اليوم ليس بعيد! فما السلطة في ضميرهم سوى سرقة المال العام والإجهاز على ثروة الأجيال اللاحقة، فهذا يكفي بالنسبة إلى هذه الحفنة المُسَيّسَة.

بينما تحتفل النخب الفاسدة في قصورها الفارهة يقف الشيعة في مقبرة النجف الشاسعة لتلاوة أناشيد الموت وهم يودّعون فلذّات أكبادهم الوداع الأخير

لكن يبقى الشق الثاني من المعادلة وهو الموت، ترى من سيحمل رايته الحمراء؟ لا يحتاج الجواب إلى معضلة فلسفية؛ عليك أن تقوم بجولة سريعة في محافظات العراق الشيعية فستستمع لملاحم الألم البشري وأغرب تراجيديا خطّتها دماء الفقراء هناك، ما لا عين رأت ولا أذنُ سمعت ولا خطر على قلب بشر،  تراجيديا لم تخطر على شاعر أو فيلسوف! ستجد في بغداد لافتات الموت السوداء تتوزع بعدالة فائقة في مناطق مدينة الصدر، الحبيبية،  الرشاد، حي طارق، المعامل، الباوية، الحسينية، ومدن الحواسم الجديدة. كل هذه المناطق لا تصلح للحياة ، ويبدو أّنّها صُمّمَت بعناية ليمضغها فم الموت الذي لا يشبع.. فليس من المصادفة أن تدوّن هذه المدن المنكوبة سجّلًا ضخمًا للموت. لم تكتفٍ هذه المدن بتجهيز واجهات بيوتها المتعبة باللافتات السوداء، بل وزّع المعنيون بأمر الموت صورهم الجميلة على أرصفة الشوارع، فتحوّلت شوارع بغداد إلى شريطًا ممتدًا لصور الشهداء المغدورين، حتّى أن عبارة "الموت لنا عادة" أضحت نشيدًا لفقراء الشيعة ومعدميهم، فهل من سلّوى ترطّب وجدان المعدمين وتعوّض حياتهم المثيرة للجدل غير الموت؟! وهل هذه مصادفة أن يتزيّن الشيعة بلباسهم الأسود العزيز على قلوبهم، إذ ما من بيت شيعي يخلو من هذا اللباس الأبدي؟! لقد اجتاز الشيعة مرثيات أئمتهم وعبروا أسوار الحزن الكلاسيكية، فالموت أشد راهنية عند الشيعة من كل ظاهرة في هذا الوجود، فهو الراهن الوحيد الذي أعلنوا له الاستسلام التام؛ فبينما تحتفل النخب الفاسدة في قصورها الفارهة يقف الشيعة في مقبرة النجف الشاسعة لتلاوة أناشيد الموت وهم يودّعون فلذّات أكبادهم الوداع الأخير.

 هذه هي الخلاصة التي خرج منها شيعة السلطة: لنا السلطة ولمن والانا الموت الوشيك.

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

العراقيون بين رهاب كورونا ومخاوف الجوع

مرايا الطغيان المقعّرة