جماعة الآذاريين.. انتفاضة فانتازية

جماعة الآذاريين.. انتفاضة فانتازية

لقطة من مقبرة جماعية (Getty)

هي إذن لحظة جنون يصعب فهمها إذا ما حررت من سياقها. لحظة أتذكرها الآن وابتسم قائلاً: هل اختطفتنا روح الثورة إلى تلك الدرجة الجنونية؟ ماذا لو شمت سلطات النظام خبرًا بما فعلناه أو حتى ما فكرنا بفعله؟ أكان يكفيهم إعدامنا أم انهم سيعاقبون "سابع جار" كما كان يجري آنذاك؟ أتحدّث عما فعلناه بعد قمع انتفاضة آذار عام 1991، نحن الشبان الثوريين الذين تناهت لنا أصوات المنتفضين في أرجاء العراق فتحركت الدماء في قلوبنا. يومذاك، حلقنا في أجواء الثورة حتى أن صديقي يوسف اسكندر كان يأتيني أحيانًا ليقرأ عليّ قصيدة ثورية كتبها. يقف في باب البيت ويخرج الورقة من جيبه وكأنه في مهرجان ويبدأ بالإنشاد، يا للحماس!

بدأت المغامرة في يوم ما بعد قمع الانتفاضة. كنّا مجموعة من الشعراء والمثقفين نلتقي يوميًا ويعبّر بعضنا للبعض الآخر عن غضبه وتحرّقه

حسنا، بدأت المغامرة في يوم ما بعد قمع الانتفاضة. كنّا مجموعة من الشعراء والمثقفين نلتقي يوميًا ويعبّر بعضنا للبعض الآخر عن غضبه وتحرّقه لفعل أي شيء كما فعلها شبان مدن الجنوب والفرات. شبان بأعمار متقاربة، في منتصف العشرينيات أو أقل، نعشق الشعر والمسرح والفكر ونمارس حياتنا وكأننا في الطريق لتغيير العالم. أغلبنا طلبة في الجامعات، نسكن في مناطق متجاورة، حي أور، الشعب، الثورة. نلتقي لتبادل الأفكار والسجائر والقصائد والخيبات والثرثرات. كانت الانتفاضة قد زلزلت الأرض تحت أقدام الطغيان الحديدية لكنها انتهت بقمع مأساوي قتل فيه عشرات الآلاف وشرد أضعافهم، فكان أن هربوا إلى مخيمات اللجوء في صحراء السعودية.

هكذا كان الوضع في العراق كله لكنني أتحدث عن القريبين منّي شخصيًا وجغرافيًا: يوسف اسكندر، الذي أصبح أكاديميًا لاحقًا، حازم لعيبي، المقيم حاليًا في أريزونا، فاضل الخياط، المقيم الآن في سدني، أحمد حسين، المقيم اليوم في لندن، وسعيد عبد الهادي المرهج، الناقد والأكاديمي. كان هناك أيضاً صديقي أحمد الهاشم الذي تعرفت عليه آنذاك وسحرني بثقافته. كنّا زميلين في قسم اللغة الفرنسية بكلية اللغات، هو في السنة الرابعة وأنا في الثانية. ورغم أنه بعمري إلّا أنه مثّل لي آنذاك ملهمًا ثقافيًا خصوصًا أن اسمه لمع بقوة بعد ترجمة مقالات مهمة لجيل دولوز وغيره. هناك أيضًا شبان آخرون شاركوا التجربة بينهم الراحل عبد الأمير جرص، الساكن قريبًا منّا في منطقة البنوك وغريب اسكندر المقيم حاليًا في لندن، وإبراهيم رجب الذي هو اليوم في الولايات المتحدة كما علمت مؤخرًا.

لا أتذكر كيف تمت مفاتحتي وممن، لكن ما فهمته أنّ عددًا من المثقفين قرروا تأسيس جمعية أو جماعة باسم (الآذاريين)، جماعة ثقافية تطمح لنشر أفكارها الحرّة خارج القفص الذي كانه العراق. هي بالأحرى نتاج فضاء الانتفاضة وما مثلته من رجّة في وعينا. وفيما بعد فهمنا أنها قد ترتبط بخيط ما بالحزب الشيوعي العراقي. من هو منظّر الجماعة الأول؟ إنه أحمد الهاشم، المحتدم فكرًا، والذي عرفناه أقرب أبناء جيلنا للفلسفة. أمّا منظّم الجماعة فسعيد عبد الهادي المرهج، الذي يتواصل ويبشّر ويجمع النصوص، يساعده أحمد حسين، في حين أنيطت بضياء حميو مهمة مدّ خيوط الارتباط بالحزب الشيوعي العراقي وإيصال النصوص إلى مجلة (الثقافة الجديدة). كانت الفكرة أن ننشر أفكارنا وقصائدنا بأسماء مستعارة في تلك المجلة التي كانت تصدر في دمشق. وبسرية تامة بدأنا في التهيئة لأول ملف يفترض نشره. اخترنا أسماءنا المستعارة وكتبنا النصوص، فكان اسم يوسف اسكندر (المرقّش) وأحمد الهاشم (أحمد الآذاري) وأحمد حسين (الطيب حمود) وعبد الأمير جرص (الأمير محمد). أمّا إبراهيم رجب فاختار (إبراهيم حكمت) وغريب اسكندر (حسن الغريب). سعيد عبد الهادي اختار (عبد الواحد الهادي)، في حين اخترت أنا (العجاج) واختار حازم لعيبي اسمًا غريبًا هو (فيميلون). بالنسبة لي كتبت حينها مسرحية فانتازية عنوانها (جمهورية الموتى) استلهمت ثيمتها مما جرى في مقبرة النجف التي تحوّلت الى ساحة معركة بين الثوار وأجهزة النظام القمعية. تخيلت في تلك المسرحية أن الأموات يخرجون من القبور ثائرين ليقيموا جمهورية فانتازية يطلقون عليها تسمية جمهورية الموتى. لكن قوات النظام تنهي التجربة باقتحام المقبرة أو الجمهورية المتخيلة. للأسف، لم تنشر تلك المسرحية في الملف الأول الذي نشر في العدد (243) وكان من المفترض أن ينشر ملف ثان يحوي نصوصًا لي ولحازم لعيبي وفاضل الخياط وغيرنا. لكن الجمعية أوقفت مغامرتها في ظروف غامضة خوفاً من انكشاف أمرها.

وللحكاية بقية فانتظروا.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

هادي العلوي.. قلب المشاع العراقي

عالم كونديرا.. أورويل وصدام حسين