27-مايو-2019

الكثير من النقاط المضيئة في التاريخ الإسلامي لم يركز عليها لأسباب سياسية وثقافية كثيرة (مسجد الكوفة/ محطات)

لعل الفوضى التي يعيشها الوطن العربي، والاقتتال والحروب الطائفية والقبلية والعرقية، وبروز تنظيمات تكفيرية مدعومةٌ بفكرٍ آيديولوجي يُمهد لها الطريق من المعركة إلى الجنة، في مقابل أنظمة استبدادية قمعية، بالإضافة إلى الثورة ـ الردة التي تشهدها بعض الدول، جعلت بعض الناس من فرط يأسهم يصنعون شرخًا واسعًا بين الحضارة الغربية وتديُّنها وأفكار مثقفيها، وبين الحضارة العربية وتديُّنها وآثارها. تبدو هنالك حواجز مُحكَمة في عقولِنا تفصل بين الإنسان الغربي والإنسان العربي المسلم تُغذي المقولات العنصرية التي تبنّاها متطرفون غربيون عبر السنين.

تبدو هنالك حواجز مُحكَمة في عقولِنا تفصل بين الإنسان الغربي والإنسان العربي المسلم وتُغذّي المقولات العنصرية التي تبنّاها متطرفون غربيون عبر سنين 

رغم الحروب الطاحنة التي عاشها الأوربيون في قرون مضت، إلا أن "نسيانها المقصود" انسحب على شعوب منطقتنا. ومما ساهم بتكوين صورة نمطية مُتخيّلة هو الضخ الثقافي الذي يطوّع التاريخ والأفكار لمصلحة الأمم ونهضتها ووحدتها وسلامها المجتمعي. تُصوَّر الأحداث الغربية كالحروب الأمريكية والأوروبية، الثورات الفرنسية والإنجليزية، لكي تصلح لمبادئ تؤسس لفكر يُستثمر في دفع الأمم باتجاه تقدمي. وهذا التصوير بالذات يُحبط المتلقي العربي الغارق في صراعات وتناقضات داخلية، والمُحشّى رأسه بالروايات الطائفية التي يرويها رجال الدين ووعاظ السلاطين.

اقرأ/ي أيضًا: ما هي "خطيئتنا" كعرب ومسلمين؟!

رغم كثافة العبارات الداعية إلى السلام في الإنجيل، نشأت فكرة "الحرب المقدسة ضد الأعداء" باسم المسيح في الغرب اللاتيني، وتصدت الكنيسة الكاثوليكية بنفسها لـ"مشكلة الحرب".

 أبرز الأصوات كان القديس أوغطسين [354 ـ 430م]، الذي نظّر للحرب بوصفها أمرًا من الرب، وأعطى الحق للحاكم أن يشن الحرب دفاعًا عن الحق، معتكزًا على قولٍ للرسول بولس "لأنه ليس سلطان إلا من الله". وبهذه اللبنة الأولى وصل الغرب إلى الحالة الذهنية والنفسية المطلوبة على صعيد الدين والسياسة والمجتمع إبان الحرب الصليبية، وكذلك في القتال ضد الجيش الإسلامي على حدود الأندلس.

ذلك في حالة الحرب، أما في حالة التسامح والجنوح نحو السلم، فقد مزّقت الحروب الأهلية المجتمع الأوروبي لتدخل في صيرورة نحو تشكيل الدول الوطنية الحديثة، ومن أبرز المفكرين والفلاسفة الذين اشتهروا في هذه المسألة هو جون لوك، ورسالته في التسامح.

سبق لوك، جون سيتوارت مِل بنحو قرنين، وعاصر أجواء حرب الثلاثين عامًا، وعلى أثر تنظيراته صار مرجعًا فكريًا ودستوريًا للعديد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية في مسألة التسامح وعلاقة الكنيسة بالدولة، وعلاقة الدولة بالمذاهب. لكن تنظيرات لوك، من زاوية معينة، حملت هدفًا سياسيًا، وطنيًا من نوع ما، تجلى باستثنائه التسامح مع المذاهب الدينية التي تدين بالولاء لأمير أجنبي في الوقت الذي كان الكاثوليك في انجلترا يتبعون للبابا وملك فرنسا.

 ذلك في عصرٍ اتسم بالعقلانية!

هذان مثالان فحسب، لكيف يصنع الغرب أيقونة للحرب، أو للسلم، رغم أن تلك الأيقونات قد تسقط في أي اختبار نقدي علمي، على وزن الاختبارات التي يُجريها بعض المثقفين العرب، الذين يكرسون حياتهم لهدم المُثل والأيقونات القومية أو الدينية، سواء أكانت متمثلة بشخصيةٍ ما، أو فكرة، أو مكان مقدس، بل وصلت حد البحث المختبري في العرق بهدف التشكيك بقومية الناس!

تستعيدُ نخبٌ عربية وإسلامية ـ دينية كانت أو سياسية ـ الكثير من الأحاديث والنصوص الدينية والمواقف التاريخية لتبرير الحروب والاقتتال الطائفي، وتكفير الملل والمذاهب الأخرى، والتحشيد في حربٍ تخوضها جماعة ما، كما فعل الأوروبيون مع القديس أوغسطين والبابا غريغوري والبابا يوحنا الثامن؛ لكننا ما زلنا ننتظر الوقت الذي تصحى فيه النخب على حاجةٍ لاسترداد النصوص التسامحية في الإسلام.

تستعيدُ نخبٌ عربية وإسلامية الكثير من الأحاديث والنصوص الدينية لتبرير الحروب والاقتتال الطائفي وما زلنا ننتظر الوقت الذي تصحى فيه على حاجة لاسترداد النصوص التسامحية في الإسلام

مُذهلةٌ هي، مقولة الخليفة الراشدي الرابع، الإمام علي بن أبي طالب، "الناس صنفان، إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق"، وهو يُقسّم الناس إلى صنفين، من جمعك معهم دينك، أو سواهم، وسواهم هم نظراء لك، أي متساوين معك في المنزلة والأهمية. أقول مذهلة لزمانها، وسياقها، وشخص ومنصب قائلها. أي حيث كان الإسلام في بداية انتشاره وهو بحاجة إلى تكثيف الخطاب الآيديولوجي للجماعة، وفي مجتمعٍ يُمارس نوعاً من التمييز العنصري والطبقي، وفي بيئةٍ متنوعة من الناحية الدينية، ومن شخصٍ هو "خليفة المسلمين". وهل من حاجةٍ لنص من خارج حضارتنا يُرسّخ مبدأ المساواة بين الناس، ويدعم المواطنة وحقوق الإنسان أكثر من هذا النص؟

اقرأ/ي أيضًا: تاريخ الكاتدرائية المرقسية.. حين كان التسامح مصريًا

كثيرةٌ هي المآثر والنصوص التي تتحدث عن خصالٍ لعليٍّ يا ليتها أصبحت إنموذجًا، على الأقل بالنسبة لبعض الإسلاميين الذين صاروا في السياسةِ مكيافيليين أكثر من مكيافيلي. ويا ليت الغاية هي الدين أو الأمة أو الوطن، لتجرّعنا الوسيلة آنذاك على رجعيّتِها.

جاء رجل بأحد الخوارج للإمام علي وأبلغه بأنه يَسُبّه، فقال الإمام: سبه كما يسبني. قال: يتوعدك. فقال: لا أقتل من لم يقتلني. إن عليًّا هذا لا يُناسب نُخبنا المستبدة ووعاظهم. لقد تأله في وطننا العربي سياسيون ورجال دين، ونكّلوا بكل معارضٍ لحكمهم أو معترضٍ على أفعالهم وأقوالهم. وإلا ما أنفع مثل هذه النصوص لترسيخ حرية التعبير وسيادة القانون والعدل من قمة الهرم إلى القاعدة التي يتهموها بكل عجرفة بالجهل، ذلك لو توفرت الإرادة نحو الوحدة والديموقراطية وإرساء العدل، لو توفرت الإرادة التي استدعت تفخيم رسالة جون لوك في التسامح لإرساء التعايش في تلك المجتمعات. ولكن، هل ينفع هذا مع زعماء المناشير والبراميل المتفجرة ومن يبررون لهم من مثقفين وإعلاميين، ومن يُعطيهم الشرعية والحق الإلهي من شيوخ وعلماء دين؟

لقد كفّر ابن الكوّاء خليفة المسلمين في حينه، وعطّل الصلاة أكثر من مرة بأحاديث وآيات من القرآن يتلوها ليُسكِت علي؛ وما ردَ الأخير إلا بآيات مماثلة ذات حُجة. ألا تُرسّخ مثل هذه النصوص لو وظّفّت للحكم الرشيد بدل قمع الناس وزجهم بالسجون ومعتقلات التعذيب والتنكيل؟

يقول رئيسٌ عربي للغرب، إن "إنسانيتنا تختلف عن إنسانيتكم" لأنهم طالبوه بإخراج الشباب والمعارضين من سجونه. إنه مستعدٌ لتأكيد الفارق الآدمي بين شعبه وشعوب الغرب فقط لكي لا يسمح لأحدٍ من مواطنيه بنقده، فهل مثل هذا يحتاجُ لمآثر علي؟

اقرأ/ي أيضًا: ليست مكيةً فقط.. ماذا تعرف عن فتوحات ابن عربي المدنيّة؟

يُخاطب الإمام أصحاب الرسول بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان "ألا لا يقولن رجال منكم قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار وفجروا الأنهار وركبوا الخيول الفارهة واتخذوا الوصائف الروقة، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتُهم إلى حقوقهم التي يعلمون، فينقمون ذلك، ويستنكرون ويقولون حَرَمَنا ابن أبي طالب حقوقنا..." إلى آخر النص. يُخبرهم بأن لا امتيازات ولا حاشية ولا مقربين ولا رجال أعمال يُفضّلون على غيرهم من المسلمين. كما يُخبر عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الذي طلبه نفقة وإلا باع دابته، فيقول "لا والله ما أجدلك شيئًا إلا أن تأمر عمك يسرق فيعطيك". هذا عليُّ الذي يحكم ساسة العراق باسمه، ناهبين الأرض وما عليها. يستولون على الدولة والمناصب والوظائف والمشاريع والاستثمارات ثم يحشدون الناس باسم علي، ويتحدثون عن فضائله وزهده وعدله ليفوزوا في الانتخابات ويستمروا في شغل المناصب هم وعائلاتهم وعشيرتهم ومقربوهم، وهو الذي اعتبر إعطاء نفقة من الدولة لابن أخيه المحتاج "سرقة". لقد أنّهَكَهم ومَسَخَهم الصراع على المناصب التي قال عنها من باسمه يحكمون إنها لا تساوي شسع نعلي!

ختامًا أقول، إن تاريخنا الحضاري لا يخلو مما يصلح أن يكون رمزًا أو قيمةً أو مُثلًا عليا تصب في مجرى تقدمي للدولة أساسه الديموقراطية. ليست شعوبنا غير مهيأة للحرية كما يدعي مستشرقون وبعض من أصابتهم عُقد النقص تجاه الغرب، لدينا ما يؤهلنا لركب الحداثة والتطور، لدينا مجتمعات تتطلع للتقدم، بمقابل أنظمة تتمسك بالتخلف والطائفية والاستبداد لأنه أساسُ وجودها.

تستحضر النخب الغربية ما ينفعها من التاريخ وتوظّفه لمصلحة الأمة ككل، ويؤدي الإنهاك من الحروب إلى أن يُصنع السلام صنعًا. لقد استحضرت نُخبنا كل ما في جعبتها للتأجيج الطائفي وقمع المعارضين والبطش بالمجتمع، وأنهكتنا في حروبنا مع بعضنا، فهل سنستحضر ما يُلئم بيننا؟ أم ما زلنا لم نُنهك بعد؟

لا يخلو تاريخنا الحضاري مما يصلح أن يكون رمزًا أو قيمةً أو مُثلًا عليا تصب في مجرى تقدمي للدولة أساسه الديموقراطية. لدينا ما يؤهلنا لركب الحداثة والتطور، لدينا مجتمعات تتطلع للتقدم، بمقابل أنظمة تتمسك بالتخلف والطائفية والاستبداد

إن التاريخً الإسلامي مليءٌ بالشواهد التي يُمكن استثمارها للديمقراطية والحرية والوحدة، بدل استخدامها في الاستبداد والقمع والتفرقة، ولعل تركيزي على الإمام علي لأسباب تتعلق بنوعية حكمه والتحديات التي واجهته وكيف واجهها، وما تُمثله هذه الشخصية الاعتبارية لدى المسلمين عمومًا والشيعة خصوصًا، بغض النظر عن علم الرجال والتحقيق في صحة الروايات، فنحن نتعامل مع النص تاريخيًا وسياسيًا وسوسيولجيًا بشروط الواقع والمبتغى الأكبر. والأهم في هذا الاختيار، هو ذكرى مقتله، حيث سنسمع كل من نهب الأرض وهتك العرض وعاث في الأرض فسادًا، يبكي ويصرخ أمام الناس: يا علي!

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

تاريخية الوعي الإسلامي ومساراته

التاريخ الضائع للتسامح الثقافي