حريةُ التعبير وقتله

حريةُ التعبير وقتله

أعطت انتفاضة تشرين المزيد من الدروس التي لم يهضمها بعد كل المسؤولين والقادة (Getty)

يتحدث بعض القادة السياسيين  العراقيين، ومن الصف الثاني، عن فوضى تسببت بها الديمقراطية، أو "الديمقراطية المنفلتة" الموجودة في العراق، وهي لهجة يُفترض أن يتحدث بها مستبدون جاءوا بعد انقلاب أو ثورة مضادة لإقناع المجتمع بألّا أمن ولا استقرار مع الديمقراطية، وعليه أن يرضى بحكم دكتاتوري، وإلا الفوضى. أو أن تتحدث بها العامّة من الناس يأسًا من حالة عدم الاستقرار على الصُعد كافة كالتي شهدها العراقيون بعد 2003.

تتمثل الأزمة الفكرية في خلط كبار المسؤولين بين الانفلات والديمقراطية في نظام يجاهدون لإقناع الناس بأنه ديمقراطي

ولمناسبة يوم الصحافة العالمي، سمعتُ في الأسبوعين الأخيرين حديثين تلفزيونيين لرئيس إحدى السلطات الثلاث، ووزير سابق في حكومة عادل عبد المهدي. ينتقدُ الأول "حرية التعبير" التي استغلها الإعلامي الذين يحاوره، في انتقاده سابقًا. وينتقد الثاني الديمقراطية المنفلتة التي تعيقه وغيره عن الإنجازات التي حُرمنا منها.

اقرأ/ي أيضًا: عن أحمد عبد الصمد وحكاية العراق في البصرة

ليس غريبًا أن تُطلق مثل هذه التصريحات التي تُعبر عن ذهنية مريضة للكثير من سياسيي العراق. لكنها أمثلةٌ جديدة ومستمرة عن أزمة فكرية وأخلاقية مزدوجة يعيشها العراق في ظل نظام المحاصصة الذي أسسته الولايات المتحدة الأمريكية "راعية الديمقراطية في العالم".

تتمثل الأزمة الفكرية في خلط كبار المسؤولين بين الانفلات والديمقراطية في نظام يجاهدون لإقناع الناس بأنه ديمقراطي. كما أن شكلياته الديمقراطية غير الراسخة كالانتخابات والفصل بين السلطات والحريات، تصنع لهم وجودًا بين الدول والمؤسسات العالمية.

أما الأزمة الأخلاقية، فتتمثل بانتقاد القادة "انتقاد" صحفيين لمسؤولين في نظام أبرزُ ملامحه هما الفساد وقتل المخالفين بالسلاح "المنفلت". لقد دفع صحفيون ثمنًا غاليًا بسبب حرية التعبير التي ينتقد "انفلاتها" الرئيس المُفترض. وواجهوا القتل والتهديد والهروب من البلاد، ولوحقوا وعائلاتهم، لمجرد رأي أو نقلٍ لرأي.

إن الديمقراطية – وحتى المنفلتة إن صحَّ تعبيرهم – تُجيز للمسؤول مقاضاة الصحفي الذي يتهمه جزافًا أو يتجاوز عليه لفظًا أو يُسيء إليه، وهي كذلك تحمي الصحفي من استخدام السلطة التنفيذية سلطتها لملاحقة الصحفيين واتخاذ إجراءات تعسفية بحقهم. لكن مسؤولي هذه البلاد المبتلية يُفضلون الإغراء أو التهديد في مواجهة انتقادات الصحافة لهم، أو العتاب واللوم في أحسن الظروف، كما حصل مع رئيسين لإحدى السلطات يُحسبان على الجانب "المدني".

ينتج عن هاتين الأزمتين، الفكرية والأخلاقية، تصورٌ لحجم ابتعاد النظام واغتراب قادته عن الواقع والتطور الحضاري. وتصورٌ عن استعداد نفسي وتوق للاستبداد وامتعاض من هامش الحرية المُتاح بفعل عدم القدرة على ضبط الأوضاع مركزيًا. وتصورٌ عن اعتقاد ذهني بأن مساوئ النظام العراقي "الديمقراطي" سببه الشعب، والصحافة، وحرية التعبير، وليست الإدارة.

لا شك، أن رؤساءً كُثر - في دول حقيقية نظامها الديمقراطي راسخ إلى حد كبير - لا يشعرون بارتياح اتجاه الصحافة. لعل دونالد ترامب أبرز الذين دخلوا في اشتباكات مفتوحة مع وسائل إعلام وصحفيين بعينهم. لكن الطرفين، المسؤول والصحفي، يعيشون تحت نظام لا يغبن حق أحدهما إن أساء للآخر، ولن يسمح بالظُلم الكبير، ولن يسمح بأية إجراءات خارج المفاهيم القضائية الرسمية، وكذلك يوفر مساحة واسعة من حرية التعبير والاستقصاء وإنشاء المؤسسات الصحفية. أما الصحافة في العراق فهي إن لم تكن تابعة للسلطة، فبين السلاح الكاتم والتهديد وحرقٍ المباني تحت أنظار قوات أمنية عاجزة يقودها هؤلاء المنزعجون من "حرية التعبير المنفلتة".

هناك في العراق حرية للرأي وحرية لقتله

أعطت انتفاضة تشرين المزيد من الدروس التي لم يهضمها بعد كل المسؤولين والقادة. أحدُ هذه الدروس في الوقت بين 1 تشرين الأول وحتى مرحلة ما بعد الاعتصامات، حيث كان الدور للصحافة الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، والمدونين الذين أدّوا جميعهم دورًا صحفيًا بامتياز في إيصال ما يحدث في ساحات الاحتجاج، بالتزامن مع محاولات السلطة بقنواتها الثانوية إسكات محطات فضائية وإرغامها على عدم تغطية ما يحدث كما حصل مع محطات دجلة وأن آر تي والرشيد، ووكالات ومواقع إخبارية بينها "ألترا عراق" من جانب، وتركيز قناة الدولة آنذاك والقنوات الحزبية الموالية للسلطة على وثائقيات النمر البنغالي من جانب آخر. لكن الدرسَ هذا لم يصل بعد لمنتقدي حرية التعبير المنفلتة.

على أية حال، وبغض النظر عن الأسباب التي يطول شرحها، فالاعترافُ في هذا السياق واجب: هناك في العراق حريةٌ للرأي، وحريةٌ لقتله.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

قانون فضفاض ومعتدون معصومون.. صحفيون قتلى وخائفون ببلد أنجب الصحافة قبل قرنين

صحفيو العراق.. ملاحقة مستمرة بين قوانين ديكتاتورية قديمة و"ميليشيات" جديدة