سطور الهاشمي تتقدم المقاتلين.. دراسة مَهَدَت لأوسع عملية عسكرية بعد اغتياله

سطور الهاشمي تتقدم المقاتلين.. دراسة مَهَدَت لأوسع عملية عسكرية بعد اغتياله

قدم الهاشمي تحليلاً مفصلاً للعمليات التي انطلقت بعيد اغتياله (الترا عراق)

الترا عراق - فريق التحرير

شكّلت لحظة سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم "داعش" ثم تهاوي مدن عراقية أخرى بسرعة مرعبة، صدمة هائلة لدى العراقيين شغلت غالبيتهم عن التفكير في بنية التنظيم واستراتيجياته، ودفعتهم إلى سواتر الصد، قبل أن تتحول المعركة لصالح القوات العراقية المشتركة المدعومة من الحشد الشعبي.

قدم الهاشمي تحليلاً كاملاً للعمليات العسكرية والأمنية الواسعة التي بدأت في البلاد بعيد اغتياله 

في هذه الأثناء، برز اسم هشام الهاشمي، كخبير في شؤون التنظيمات المتشددة، حيث برّع في تقصي هيكلية التنظيم وآليات عمل أفراده وقدم معلومات ثمينة جدًا لأجهزة الأمن، ووسائل الإعلام ساعدت بشكل كبير في فهم طبيعة التنظيم المعقدة ثم هزيمته وتحرير مدن البلاد.

وقد عكف الهاشمي على متابعة تحركات التنظيم بعد معركة تحرير الموصل واستعادة الأراضي العراقية بالكامل، واقترح مرارًا آليات واستراتيجيات لمكافحة بقايا التنظيم عبر العمل على اجتثاث أفكاره المتطرفة.

وفي آخر بحث كتبه الهاشمي، والذي لم يكُتب له أن يشهد نشره، إذا اغتيل في 6 تموز/يوليو، كان الراحل قد تحدث عن استراتيجية جديدة لمواجهة التنظيم تقوم على أركان 13، مشيرًا إلى أن حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ستعتمدها لمواجهة التنظيم المتطرف.

اقرأ/ي أيضًا: آخر بحوث الهاشمي: كابوس الجماعات المنشقة.. من صولة المالكي إلى ليلة الكتائب

وينشر "الترا عراق" البحث الأخير للهاشمي، والذي ورد فريق التحرير عبر مقربين من الراحل، ويتضمن تحليلاً مفصلاً للعمليات العسكرية والأمنية التي انطلقت فعلاً تحت عنوان "أبطال العراق"، لم ينشر من قبل.


إخراج الثعلب من جحره..

الاستراتيجية العراقية الذكية في مكافحة الإرهاب: عمليات نوعية لنكاية وكسر شوكة فلول داعش، وإعادة تمكين الاستقرار والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية وعودة النازحين، وبيئة طاردة للإرهاب.

بدأت حكومة الكاظمي الاهتمام بظاهرة توسع ونمو التعرضات الإرهابية، وعلى إثر تفشي موجة العنف في المناطق المفتوحة القريبة من المدن المحررة في شمال وشرق العراق، وانتشار ظاهرة العمليات التعرضية والكمائن المفاجئة في الشهور الأربعة الأخيرة، وعمليات مداهمة القرى البعيدة وثكنات المرابطة الخاصة بالحشد الشعبي والحشد العشائري، وبعض السلوكيات الإجرامية التي أودت بحياة العشرات من العراقيين، باعتبار ما تؤدي إليه هذه الأعمال والسلوكيات من توتر في التعايش المجتمعي، وتقويض دعائم الاستقرار ومنع عودة النازحين وتحكم الحشود الشعبية غير مناطقية في إدارة المشهد الأمني..

تأكد لدى فريق الكاظمي الخاص بمكافحة الإرهاب أمرين أساسيين لمعالجة ظاهرة نمو فلول داعش وهما:

  • الفلول الإرهابية قد طورت نفسها وتميزت بقدرتها على التكييف مع الهزيمة، وينبغي على القوات العراقية أن تراجع خططها في مطاردة تلك الفلول، لكن وحسب مدرك فريق الكاظمي إن هناك أعمالاً أخرى ترتبط بقضايا سياسية واجتماعية نابعة من المظالم التي تعاني منها قرى وسكان المناطق المحررة.
  • إذا كان لا بد من القضاء على فلول داعش فلابد من صناعة بيئة طاردة للإرهاب والتطرف، وهذا يحتم التعرف على مسببات التطرف أولاً.

هذا وقد تبنى رئيس جهاز مكافحة الإرهاب الفريق الساعدي ووزير الداخلية الغانمي ورئيس أركان الجيش الفريق يار الله وقائد العمليات المشتركة الفريق الشمري، وجهة نظر الكاظمي عند انطلاق حملة "أبطال العراق" لمطاردة فلول داعش وفق استراتيجية "إخراج الثعلب من جحره".

هذا الفريق يدرك أن إيقاف فلول داعش سوف يخفف الضرر بأرواح العراقيين، ولكن عليه ألا يغرق في الأوهام، إذ أنه لا يمكن القضاء على "داعش" إذا لم يكن لدينا حل لقضية تمكين الاستقرار والعدالة الاجتماعية وعودة النازحين، إنه يستحيل القضاء على ظاهرة من هذا النوع إذا لم يتم معالجة السبب الجوهري لها.

في اجتماعات مجلس الأمن الوطني العراقي قبل تسنم الكاظمي منصب رئاسة الوزراء في 7 أيار/مايو 2010، يبرز هناك انقسام واضح بين أعضائها، حيث برز؛

  • اتجاه يرى ضرورة قمع الإرهاب ومعاقبة أي نوع من أنواع استخدام القوة أو العنف بصفة عامة، وتتزعم هذا الاتجاه قيادات العمليات المشتركة.
  • اتجاه يؤيد استخدام القوة الذكية وهي خليط من القوة الناعمة والقوة العنيفة التي تنسجم مع معالجة الأسباب المؤدية إلى استعمال العنف وأعمال الإرهاب، وضرورة استخدام القوة بعمليات استباقية، ويدعم هذا الاتجاه مستشارية الأمن الوطني.
  • اتجاه ثالث يفرق بين الحملات العسكرية التقليدية المستخدم كوسيلة لمطاردة فلول داعش وإبعاد خطرها عن المناطق السكانية، وبين العمليات الاستخباراتية التي تقوم على إعادة الثقة بين القوات الأمنية والقوات المناطقية من جهة والمواطن في المناطق المحررة من جهة أخرى، ويدعم هذا الاتجاه أجهزة الاستخبارات والمعلومات الأمنية والعسكرية.

وعلى إثر هذا الانقسام، وتفاديًا لعدم الوصول إلى نتائج ترضي أغلب الأطراف، فكانت المباشرة في تنفيذ استراتيجية "إخراج الثعلب من جحره" تقوم هذه الاستراتيجية على الأركان التالية:

  • معالجة الظروف المؤدية إلى توسع العمليات التعرضية الإرهابية، وذلك من خلال الجهد الاستخباري المبني على السكان والحشد العشائري والمناطقي وتحديد الأهداف وتعقيب الفلول في المناطق المفتوحة بعمليات خاصة وبإسناد أدوار التحالف الدولي "إنهاك شديد" للبنية التحتية لفلول داعش، و"استنزاف" لموارده البشرية القيادة والأفراد.
  • التوسع في تدابير منع إيقاظ الخلايا النائمة وتشخيص الخطاب التكفيري وترشيده ومعالجته ومكافحته، وذلك بالتعاون مع الوقف السني ووزارتي التربية والتعليم.
  • بناء قدرات الخاصة العراقية وإعادة هيكلة القوات المسلحة وإصلاح هيكلية هيئة الحشد الشعبي، وتعزيز دور التحالف الدولي ونيتو والقوات الصديقة في هذا الصدد.
  • ضمان احترام حقوق الإنسان للجميع وسيادة القانون بوصفهما الركيزة الأساسية لصناعة بيئة طاردة للإرهاب وعودة الثقة بين القوات الأمنية والمواطن وتمكين الديمقراطية والاستقرار لمكافحة فلول التنظيم.
  • تهتم الاستراتيجية بتقديم الحوافز والمكافئات التشجيعية، حيث تتضمن قيام الدولة بتقديم حوافز وضمانات للتشجيع على البلاغ عن الأعمال الإرهابية، وتقديم المعلومات التي تساعد على الكشف عنها، وتكريم العاملين في مجال مكافحة الإرهاب، كما تم نشر صور المطلوبين أمنيًا في وسائل الإعلام.
  • تشجيع فلول داعش المطلوبين على تسليم أنفسهم من خلال مختار القرية وعشائرهم وعوائلهم إلى القضاء العراقي، مع ضمان محاكمة عادلة، وتحقيق الأمن والاستقرار بشكل أفضل لكل من له علاقة نسب أو قرابة به، باعتبار العدل من أهم روافد الأمن المجتمعي.
  • تعزيز دور المؤسسات التربوية والمجتمعية المعنية بمكافحة الفكر المتطرف، من أجل إنهاء ملفات عودة النازحين وإكمال ملف الاندماج المجتمعي، والاهتمام بالمؤسسات الدينية ودورها في توضيح الصورة الحقيقية للتعايش والتسامح والتعريف بالآخر، وما تقوم به من دور هام في مكافحة الإرهاب من خلال وظائفها الثلاث "الخطابة، والوعظ والإرشاد، والفتاوى"، وإعادة كتابة المناهج وفق رؤية ترشيد وتجديد الخطاب الديني نحو فقه الوسطية والاعتدال.
  • تجفيف منابع توليد الإرهاب وإنهاء السبل بين الإرهاب وغسيل الأموال والأسلحة وتهريب النفط والسلاح والأدوية والأثار والبضائع والمخدرات، ومسك الحدود، وتجميد أموال الإرهابيين، ومكافحة جرائم غسيل الأموال، ومراقبة تنظيم الأعمال المصرفية، ومراقبة تمويل أنشطة الجمعيات الخيرية والأهلية.
  • العمليات الاستباقية: ينفذها جهاز مكافحة الإرهاب بمعلومات مدققة استخباريًا جمعت بالتعاون مع السكان المحليين، وهي ما تعرف بتدابير الأمن عالية السرية، لأنها تهدف إلى عودة الثقة بين الأمن والمواطنين بمنع وقوع التعرضات الإرهابية، وتعرف أيضًا بالتدابير الاحترازية الوقائية أو العلاجية لمكافحة العمليات الإرهابية، قبل وقوعها، وتنفيذ عمليات نوعية استباقية، يقتضي توفر القدر الدقيق من المعلومات المناطقية، لأنها هي خط الدفاع الأول عند وقوع العمليات الإرهابية، والتعامل مع الإرهابيين يتوقف على درجة النجاح التي يحققها جهاز الأمن في معرفة المعلومات الكافية، وفي الوقت المناسب، إلى جانب عنصر المفاجأة وأدوار التحالف الدولي الدقيقة في الإسناد بسلاح الجو.

ويمكن القول إن العمليات الخاصة الاستباقية، هي أكثر وسائل المكافحة أهمية في استراتيجية "إخراج الثعلب من جحره"، وهي السبيل لتفادي الخسائر البشرية والاقتصادية، مقارنة بالعمليات الأخرى التي تنفذها الأجهزة الأمنية والعسكرية وتتسم بالجهد الكبير والإنفاق العالي والوقت الطويل والنتائج المتواضعة، وما تحمله من مخاطر في الأرواح والممتلكات وأيضًا المشاكل المجتمعية الطائفية والقومية.

  • قيام الإعلام بدور فعال في كشف الرأي المؤيد للتطرف والإرهاب وكشف أهدافه السيئة وتدعيم الرأي الناقد والمعارض بأضرارهما. وإظهار الجانب المبدأي والأخلاقي في حياة الثقافات العراقية مع ضرورة التوازن في أسلوب نشر وإذاعة أنباء عن الحوادث الإرهابية، بحيث لا تزداد كثافة النشر بصورة تثير الفزع والترويع لدى المجتمع.
  • تفعيل دور لجان التعايش والحوار الوطني وتمكينها من الأساليب ووسائل وآليات متعددة، لا تقتصر على المسائل الدينية فقط، بل تشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وأن يكون الحوار بين مختلف فئات المجتمع ومع المعترضين على وجه الخصوص، لبيان الطريق القويم وإقناعهم بالعدول عن معارضتهم لتبني الحوار كحل.

  • نزع السلاح الثقيل والمتوسط من المليشيات والعشائر واستحداث قوة أمنية خاصة بمعية هيئة قضائية للإسهام في تفعيل دور الأمن والقضاء في مكافحة الإرهاب وفق قيم القانون.
  • تفعيل دور الشرطة المجتمعية، التي من أبرز مهامها تعزيز ثقة المجتمع بالقوات المسلحة والدوائر الأمنية والاستخبارية، وتحقيق مبدأ التشاركية والتضامنية الشعبية لإيجاد بيئة آمنة، باعتبار أن المكافحة هي بمثابة جهد جماعي يتطلب أقصى درجات التعاون وبذل الجهد بين الأجهزة المتخصصة والمجتمع.

 

 اقرأ/ي أيضًا: 

دم الهاشمي يطارد الكتائب ويشعل الغضب.. هل يستطيع الكاظمي كشف الجناة؟

اغتيال الخبير الأمني هشام الهاشمي.. ماذا قال في آخر كلماته؟