غضب وسخرية غير مسبوقين.. من المسؤول عن

غضب وسخرية غير مسبوقين.. من المسؤول عن "انحطاط" الدراما الرمضانية؟

تصدرت الحوارات المتكلفة والتكرار والهفوات الإخراجية قائمة النقد (فيسبوك)

كان العراق قبل عقود خلت، مركزًا حضاريًا عربيًا بامتياز، تروي عاصمته بغداد بفخرٍ الدراما والشعر، عبر تماثيل ونصب تنساب منها حكايات ألف ليلة وليلة، و شوارع حملت أسماء المتنبي وأبو نواس وغيرهم، لكن كل شيء تراجع بعد الاجتياح الأميركي عام 2003، وماتلاه من فوضى.

أدى الاحتلال الأمريكي وما تبعه من أحداث إلى تحطيم المفاهيم الجمالية والذوق الفني وانعكس على الأعمال التلفزيونية

وجهت الولايات المتحدة ضربات قوية للبلاد، ثم مزقت الحرب الطائفية نسيجًا اجتماعيًا بقي متماسكًا لسنوات، تعبتها السيارات المفخخة تعيث في المدينة فسادًا، حتى تصدر تنظيم "داعش" الواجهة وأعلن قيام "دولة الخلافة" فطال الخراب العمران والإنسان وامتد للمفاهيم الجمالية والفنية.

اقرأ/ي أيضًا: هستيريا الطشّة: دراما على خطى "إعلام البرتقالة"

بعد أكثر من عقد من شلل شبه تام للحياة، بدأ الوضع داخل البلاد بالتحسن نسبيًا، رفعت الجدران الكونكريتية، عاد حياة تستمر حتى ساعات الصباح الأولى في بغداد والمدن الأخرى، يتردد أبناؤها على المقاهي والمراكز التجارية والمعارض والمسارح، وينتظرون رمضان وما يرافقه من أعمال تلفزيونية، قد تعوض حرمانهم الطويل وهجرة أعينهم نحو الدراما العربية والأجنبية بصناعة عراقية.

 جاء شهر رمضان للعام الحالي 2019 مع الكثير من ذلك الطموح، بعد أعمال جيدة لاقت قبولًا حسنًا بالتزامن مع افتتاح قناة "تعنى بالعائلة العراقية" بحسب أعلنت مجموعة قنوات "MBC" السعودية وهي تطلق نسختها العراقية "عراق MBC"، لكن جل الآمال خابت مع حلول الشهر الفضيل.

50 برنامج ومسلسل!

ازدحمت شاشات القنوات الموجهة للعراقيين بالكثير من الفقرات الرمضانية، تجاوز عددها الـ50 بين برنامج ومسلسل، وكانت الحصة الأكبر للمسلسلات التي أثارت أغلبها غضب العراقيين وأخذوا يرصدون الأخطاء والهفوات ثم يشيرون إليها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بين معترضين على بناء السيناريوهات والمعالجات السطحية والحوار الرديء، وآخرين اكتفوا بالسخرية من مشاهد ولقطات معنية.

على غير عادتها لم تتصدر قناة العراقية (الرسمية) موجات الغضب الرمضانية، كونها لم تبالغ بغزارة الإنتاج، فاكتفت هذا العام بعرض بعض البرامج ومسلسل "أيام الإجازة" الذي عرض أول مرة عام 1985 وتمت إعادة عرضه بسنوات لاحقة في التسعينات، ويعرض الآن بجزء ثانٍ بمشاركة بعض ممثلي الجزء الأول للمسلسل، وفريق "ولاية بطيخ" الذي ظهر مؤخرًا كبرنامج إجتماعي ساخر ناجح.

واجهت الأعمال والبرامج الرمضانية موجة غير مسبوقة من النقد والسخرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي

واجه "أيام الإجازة" المسلسل القديم الجديد، نقدًا كبيرًا، بسبب "سطحية الحوارات والتكرار الممل"، فيما فضل آخرون عدم متابعة الجزء الثاني حفاظًا على ذكريات الجزء الأول. يقول محمد سليم وهو طالب في كلية فنون جملية، إن "المسلسل غلب عليه طابع التكرار الممل في الكثير من المشاهد، ولم يقدم الممثلون شيئًا يميزهم عن الشائع، فالحوارات سطحية والمعالجات التي تشبعنا بها هي ذاتها".

أضاف سليم لـ"ألترا عراق"، أن "فريق ولاية بطيخ الذي يشارك في للمسلسل، لم يقدم شيئًا مختلفًا عن تجربتهم في البرنامج، بل نسخوا الأداء والحركات من البرنامج إلى الجزء الثاني لأيام الإجازة، ومع السيناريو اختلف الجزء الجديد عن الأول، والخطا بالتكرار مع كل حلقة وأدوار الشخصيات الثابتة دائمًا".

الفندق: 20% من الانحطاط!

على رأس الأعمال المثيرة للجدل والسخط والسخرية، جاء مسلسل "الفندق"، وهو عمل درامي من 20 حلقة من تأليف حامد المالكي وإخراج حسن حسني، يتناول جملة مظاهر سلبية في المجتمع وفق تعبير الكاتب، منها الدعارة والاتجار بالبشر، من بطولة سامي قفطان وسناء عبد الرحمن ومحمود أبو العباس وغالب جواد ودزدمونة وزهور علاء وإيناس طالب وغيرهم.

واجه العمل انتقادات كبيرة وعد غير مناسب لعرضه على شاشات الأسر العراقية لما يتضمنه من "ايحاءات ومشاهدة خدش الحياء ولا تناسب شهر رمضان، ويتعارض مع مبادئ الأسرة العراقية"، على حد تعبير متابعين، فضلًا عما يتضمنه العمل من "هفوات إخراجية"، وسط دعوات لإيقاف عرضه.

يقول كرار جميل السعدي، إن "الفندق ماهو إلا مسلسل بائس وبعيد عن ادياننا.. في العراق الأمور الايجابية أكثر بكثير من الأمور السلبية".

أثارت بعض الأعمال الغضب لعرضها "مشاهد مخلة" تتناول ظواهر مثل الدعارة والاتجار بالبشر وسط دعوات لمنعها من العرض

أضاف السعدي عبر صفحته في فيسبوك: "عتبي ليس على القناة ولا على المسمى بالبزاز، بل على الممثلين الذين وافقوا على هذه العروض البائسة، والخطرة على مجتمعنا وبالأخص صغار السن من الشباب والفتيات"، فيما طالب آخرون وزارة الثقافة بـ"التدخل فورًا وإيقاف كل مسلسل يخدش حياء العراقية في شهر رمضان".

أما عائشة الدوري فدونت عدة ملاحظات بشأن المسلسل، وذكرتها على صفحتها الشخصية، قائلة: "لم أفهم صراحة ماهو مصطلح (رواية تلفزيونية) هل القصد انه مسلسل مقتبس عن رواية؟ ام رواية لاتصلح الا للعمل الدرامي؟ على العموم لم يمر علي هكذا مصطلح من قبل، لا بالدراما العربية ولا الأجنبية ولا حتى الكورية".

أضافت الدوري، أن "الشخصيات تكاد تكون كاريكاتورية من كثر النمطية والستريوتايب من الضابط للعاهرة للقواد للسكير لرجل الاعمال لصاحب الفندق"، مشيرًة إلى أن "السيناريو ربما يكون جيدًا في تسعينيات وثمانينات القرن الماضي.. الدراما تغيرت يا اخواننا نحن في 2019".

من جانبه رد مخرج "الفندق" على سيل الانتقادات قائلًا: "تناولت  تقريبًا 20% من الأنحطاط والقرف والزبالة في مجتمعنا العراقي الأصيل، من خلال مسلسل الفندق".

أضاف حامد المالكي على حسابه في تويتر: "أعدكم عملي القادم سأتناول الـ80% من المسكوت عنه في ثقافتنا الخجولة، المواربة، والخائفة"، مشددًا بالقول: "هي فرصة حياة واحدة نعيشها، ويجب أن نمهد لأولادنا مجتمع أفضل، خال من لصوص الديمقراطية"

تصدرت الحوارات المتكلفة والبعيدة عن الواقع والأخطاء الإخراجية قائمة النقد الساخر الذي واجهته الأعمال الرمضانية 

مسلسل "هوى بغداد" لم يسلم هو الآخر من النقد أيضًا، وتفاعل ناشطون مع مشاهد قالوا أنها بعيدة عن الواقع، فيما سخروا من أخرى تضمنت أخطاء إخراجية. أبرز تلك المشاهد كان لبطل المسلسل وهو نجل أحد شيوخ العشائر، يرفض فيه مايعرف بـ"زوج الفصلية" وهو عرف عشائري يقضي بالزواج مع إمراة تقدم كـ"دية" للقتل.

علق حسين تقريبًا بصفحته الشخصية على المشهد قائلًا: "هذا المشهد المفترض لأبن شيخ ينجبر على أن يتزوج زواج فصلية.. يعني أحنة جاي نسولف عن عشاير.. يا جماعة الولد شكله ما راهم وية الدور.. تمثيله حلو وممكن يبدع بهواي ادوار أخرى.. بس مو بهالدور أبد".

أضاف: "هسة احنة مو ناقدين متخصصين بس عايشين بالعراق، يعني شايفيلكم ابن شيخ ينفعل ويگوم يصيح: كوتليني.. كوتليني"، متسائلًا: "الما يعرف طبيعة العشائر العراقية ولهجتها وشمرتها بالتعامل وية المشاكل، هاي الأعمال مو جاي توصله صورة غير حقيقية؟".

إيقاف الأعمال "الهابطة"!

واجهت أغلب البرامج والأعمال الفنية التي تقدمها القنوات التلفزيونية نقدًا يوميًا ساخرًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بشكل غير مسبوق، ووصفت بعضها بـ "المبتذلة والسطحية التي تهين إدراك المتلقي"، وعدت الأخرى غير مناسبة للمستوى الثقافي العراق.

كل ذلك دعا وزير الثقافة والسياحة والآثار، عبد الأمير الحمداني، الأحد 12 أيار/مايو 2019، إلى مخاطبة "الجهات المختصة" لمنع عرض ما وصفها بالأعمال "الهابطة" في رمضان ومحاسبة المسيئين.
وقال الحمداني، في بيان له: "إيمانًا منا بالدور الهام الذي تلعبه الأعمال الدرامية وخصوصاً المسلسلات التلفزيونية في بناء وترصين ثقافة الأسرة والمجتمع وخصوصًا تلك التي تُعرض في أيام شهر رمضان المبارك، فإننا نعبر عن رفضنا واستهجاننا لقيام عدد من القنوات الفضائية باتخاذ هذه الأعمال وسيلة للإساءة لقيم وعادات وتقاليد المجتمع وتقديم صورة مشوهة للأسرة العراقية عبر استخدام المقاطع المشينة والألفاظ البذيئة التي لاتتناسب مع قيمنا الأصيلة".

مع كل تلك الضجة حول الأعمال الفنية يبرز السؤال الأهم: أين تكمن مشكلة تلك الأعمال؟ ولماذا لا يتم تجاوزها عامًا بعد آخر؟، وهو ما يجيب عليه الكاتب أزهر جرجيس، الذي يرى أن "أزمة الدراما العراقية تكمن في (الورق) والإخراج السيء والأداء المتكلف".

يرى مختصون أن مشكلة الأعمال الفنية العراقية تكمن في غياب النصوص الجيدة وسوء الإخراج والأداء "المتشنج"

يقول جرجيس لـ "الترا عراق"، إن "هناك غيابًا للنصوص الجيدة للأسف، فالسيناريو ضعيف في العادة والحوار متكلّف ويفتقر للصدق.. نعم، قد تجد فكرة جيدة لكن ما نفع ذلك إن وضعتها في قالب درامي سيء"، مضيفًا : "ما قصة الإخراج الذي لا يريد أن يخطو ولو خطوتين إلى الأمام؟ وما قصة هذا الأداء المسرحي المتشنج الذي لا يستثني حتى الشباب الصغار؟!".

يبين جرجيس وهو عضو بنادي القلم العالمي للكتّاب، أن "الحديث عن مرض الدراما العراقية جارٍ منذ أعوام، وما صُرف من أجل شفائها يكفي لبناء مطار بمساحة مطار أسطنبول الجديد، لكن النتيجة كما ترى؛ فشل ذريع"، مؤكدًا أن الدراما العراقية ما زالت "طاردة للمشاهد، وستبقى كذلك ما لم تفق من سباتها الطويل وتنظر بعينين اثنتين لما يجري حولها من تحديث متلاحق للدراما العربية، سواء المصرية منها أو السورية أو اللبنانية أو حتى الخليجية، وما لم تخلع عنها رداء التكلّف والتصنّع غير المبرّرين".

كما يرى الكاتب، أن الأزمة لا تتعلق بالإنتاج "سيما بعد دخول قنوات دسمة العطاء على الخط، إنما هي أزمة (ورق) مستعصية زادها التكلّف الزائد في الأداء والابتعاد الفاحش عن التلقائية لدى الممثلين".

"mbc عراق" ولعنة الملاك!

كانت مجموعة "أم بي سي" الإعلامية التابعة للسعودية، أعلنت إطلاق قناة "أم بي سي العراق"، في 17 شباط/ فبراير 2019، ومع اختلاف الآراء حولها منذ انطلاقها، انتظر المؤيدون والمعارضون برامجها لشهر رمضان.

الصدمة والخيبة كانت حصة عدد كبير من المتابعين للمحطة، لما قدمته من برامج وأفكار مكررة دون أي تطور أو تقديم عمل متميز عن بقية المحطات التلفزيونية العراقية، حيث حصد مسلسل "العرضحالجي" من بطولة  الممثل قاسم الملاك، الحصة الأكبر من ردود الأفعال الغاضبة والساخرة على حد سواء.

أخفقت قناة "MBC العراق" في تقديم محتوى مختلف ما مثل خيبة أمل لمتابعيها في ظل برامج مكررة ومسلسلات "تافهة"

فكتبت الصحفية لميس عبد الكريم عن "العرضحالجي"، : "طلعتها حتى اتونس شوية واشوف الفظاعة، لان مال قاسم الملاك يسوي مسلسل بيه حظ هاي من سابع المستحيلات"، مضيفة أن "المسلسل فشل الى أبعد الحدود، والمشكلة على قناة ممكن تكون مُتابَعة عربياً"، فيما أبدت استغرابها لتدني الأداء والحوار والقصة وكل شيء آخر، واصفة العمل بـ "التفاهة والفراغ والتكلف!".

أما الرسام رياض جميل السراي فقال، إن "المسلسل ممل والمقالب نفسها.. المسلسل لازم يبدي هيچ: تسوق بايسكل وتدعم واحد يبيع سميط"، مخاطبًا الملاك بالقول: "دورك هو نفسه ما تغير من 10 سنوات، الفگر الي دائما يوگع بمشاكل ويلعب دور الناصح".

اقرأ/ي أيضًا: الدراما التلفزيونية والسياسة.. لا صوت يعلو على الأيديولوجيا!

وتساءل السراي عبر صفحته الشخصية، : "معهد الفنون كل سنة يخرج شباب مثل الورد، جمال وأداء ومهارة.. أدري وين يروحن، يبعون علج لو يشغلون حمالين بضائع بالشورجة؟".

من جهة أخرى، لفت مراقبون إلى غياب الأحداث الأخيرة التي شهدتها البلاد، من سيطرة  تنظيم "داعش" حتى إعلان التحرير، عن الأعمال الدرامية في رمضان، فيما عزوا ذلك إلى غياب الوعي الإخراجي إضافة إلى سيطرة إدارات المؤسسات الإعلامية على نوعية الأعمال بقوة.

يقول عبد الخالق حسن وهو تدريسي لدى جامعة بغداد ــ كلية الآداب، إن "مشكلة الدراما العراقية تتمثل في أنها إلى الآن لم تكتشف الواقع العراقي بطريقة فنية حقيقية، برغم أن الواقع العراقي مليء بالكثير من المواد الخام التي لو توافرت لسوريا أو لمصر لأبدعوا فيها"، مبينًا أن "سياسات إدارات القنوات الفضائية تلعب دورًا في ذلك، بتقديم ما يناسب مموليها وأهدافها".

أضاف حسن في حديث لـ"ألترا عراق"، : "لم أشاهد عمل له بصمة وطنية بسبب سياسات التمويل، كذلك نجد الاعمال في رمضان هذا بالذات تطرق باب المحرمات الاجتماعية بطريقة تريد كسب متابعين على حساب نوعية العمل ومعالجاته للواقع".

سجل مختصون غياب أعمال فنية توثق وتشير إلى ما جرى على البلاد خلال السنوات الأخيرة الماضية والحرب ضد تنظيم "داعش"

كما رأى التدريسي، أن "التقاليد الفنية العراقية تعاني انقطاعًا عن الواقع بسبب سيطرة الأداء المسرحي على أداء الممثلين، فضلاً عن نوعية الأعمال المكتوبة المليئة بإسقاطات الكاتب وخلفيته، والتي تضج بمصطلحات لا يستسيغها الجمهور، لهذا ممكن أن يكون النقد وعدم تقبل الناس لها مدعاة لإعادة النظر في ما يتم انتاجه".

 

اقرأ/ي أيضًا:

مساعٍ غربية للهيمنة على فيسبوك العراق.. حديث صناعة الوهم

كيف ساهمت دور النشر بصناعة "كُتاب الرداءة"؟