كيف ساهمت دور النشر بصناعة

كيف ساهمت دور النشر بصناعة "كُتاب الرداءة"؟

تسعى دور النشر لتحقيق أرباح على حساب جودة المحتوى (Getty)

هل صادف يومًا أنْ قرأت ورقة نقدية تبجل أحد الكتاب الجدد، والتي بدورها أثارت شهيتك لمطالعة منجزه الثقافي الذي ما إنْ قرأته حتى شعرت بالغثيان والندم على الوقت الضائع الذي أنفقته في قراءة عمل أقل ما يقال عنه أنه رديء ولا يساوي حتى الورق الذي طبع عليه، لا تستغرب من ذلك فأصدقاؤك كثر في هذا المجال من الذين حصل معهم ذات الموقف.​

تسعى أغلب دور النشر إلى أصحاب الصفحات الضاجة بالتفاعل على السوشيال ميديا لإقناعهم بتأليف كتب بهدف تحقيق أرباح عظيمة من خلال جمهور الكاتب الفيسبوكي والذي بدوره سينتشل هذا الكتاب من المكتبات فور صدوره

دور النشر  تطارد اللايكات الفيسبوكية!

ربما صار واضحًا لدى جميع المهتمين بالشأن الثقافي إنّ أغلب دور النشر العراقية وخصوصًا الجديدة تنازلت عن المعاير الأخلاقية والمهنية التي أنشأت لأجلها فأغلب أصحاب دور النشر اليوم هم عبارة عن تجار إنْ لم يكونوا لصوص! فهؤلاء لهم الدور الكبير في تصدير الكتب التي ترشح منها التفاهة والابتذال ولا يهمهم نوع الكتاب والمادة التي يحتويها بقدر ما يهمهم قبض الأموال من الكاتب الذي أوهموه بهذه الصفة.

اقرأ/ي أيضًا: متسولون في بلاد النفط!

 أغلب دور النشر اليوم تتابع بشغف السوشيال ميديا وتلاحظ التعليقات أو المتابعات مما يثير شهيتها لمفاتحة أصحاب الصفحات الضاجة بالتفاعل وتشجيعهم على إصدار كتاب بعد إكساءهم رداء العظمة فيمدون سنارتهم الخادعة المطعمة بالكلام المنمق من قبيل (إنّ هذا الكلام الجميل ينبغي أنْ يوضع داخل كتاب) أو (لماذا لا تجمع تلك البوستات العظيمة في كتاب)، والحقيقة أنّ الكلمات هي عبارة عن خواطر ونصوص هلامية وهواجس قد يقولها أي إنسان مهما كان مستواه العلمي، فيبتلع طُعم صاحب الدار الذي يحقق ربحًا عظيمًا من خلال جمهور الكاتب الفيسبوكي والذي بدوره سينتشل هذا الكتاب من المكتبات فور صدوره، ويصبح كاتبًا مشهورًا وفق معايير لا تمت للكتابة بصلة.

فالمعايير التي يعرف من خلالها الكاتب الحقيقي غابت اليوم، بسبب ثورة الاتصالات والمعلومات فقد تجد كاتبًا كبيرًا وصاحب موهبة وأفكار أصيلة لكن دور النشر توجم عن طباعة منجزه، والسبب هو عدم تفاعله على مواقع التواصل او ضعف تأثيره، بينما تجدها تتصارع لصباعة عمل كاتب آخر لا يحمل من الكتابة الا اسمها، عديم الموهبة يكرر ما قيل منذ عشرات السنين، لقوة حضوره في السوشيال ميديا، فتباع كتبه بآلاف النسخ.

 بعض دور النشر في الحقيقة تنظر الى الكاتب على هيئة أموال تمشي على الأرض ولا يهمهم المنجز مطلقًا حتى لو كان هراء، وباتت هي من يحدد ما يقرأ وما لا يقرأ بعد أنْ تحولت الثقافة الى صنعة وأصحاب دور النشر إلى مستثمرين!.

ولم تكتفِ دور النشر بذلك بل تلجأ أيضًا إلى إصدار دراسات نقدية عن نتاجها من قبل من يسمون أنفسهم نقادًا، والحقيقة أنهم أبعد ما يكونوا عن النقد الموضوعي، ويرتبطون ارتباطًا وثيقًا بصاحب دار النشر، على اعتبار أنهم وسطاء بين القارئ والمؤلف، فيجملون الكتاب ويجعلوه طفرة في عالم الآدب أو الفكر، ويكونوا عند النقد اشبه بمعلقي كرة القدم الذين يشرفون بالتعليق على مباراة منتخبهم الوطني، وربما نستطيع أن نلمس تلك الحقيقة في أنّ الناقد  لا يقدم أوراقه النقدية إلا فيما يخص دار نشر محددة، وأنه من المستحيل أنْ يكشف عن خطأ في أي كتاب يقدم دراسة عنه وكأنها كتبت من قبل كاتب ألمعي لا يدانيه أحد في هذا العالم.

اقرأ/ي أيضًا: في العراق فقط.. مكافأة "الفاسد" إقالته!

يحقق هؤلاء الكتاب شهرة منقطعة النظير في وسط جمهور لا يفرق بتاتًا بين الشهرة والنجاح، فأغلب المشهورين اليوم من الكُتاب هم عبارة عن مراهقين أو كتاب "ترقيع" كما يسميهم جبران خليل جبران، لكن تصفيق الجماهير ليلًا ونهارًا وكلمات المتملقين والمجاملين تحيطهم بلثام كبير يكاد يخفي مستواهم الحقيقي، فشهرة الكاتب أصبحت اليوم تتحقق عن طريق الجمهور بشكل مباشر وأصبح النقاد منقادين لهم فيصدروا الدراسات التي تداعب أهواءهم، و الأنكى من ذلك أنّ أي جدل يثار حولهم يصب في خدمتهم، فالكاتب السيء مثل السياسي الفاسد ذمه ومدحه يحقق له شهرة ويصنع له رأيًا عامًا، وهو أقصى ما يطمحون إليه.

غابت المعايير التي يعرف من خلالها الكاتب الحقيقي بسبب ثورة الاتصالات والمعلومات فقد تجد كاتبًا كبيرًا وصاحب موهبة وأفكار أصيلة لكن دور النشر توجم عن طباعة منجزه، بسبب عدم تفاعله على مواقع التواصل او ضعف تأثيره فيها

يقول الدكتور احمد خالد توفيق (رحمه الله) إنّ الشهرة والنجومية في عالم الكتابة اليوم تتطلب:

اولًا: عقد صداقة وثيقة مع مجموعة من النقاد.

ثانيًا: عمل صفحة على الفيسبوك.

ثالثًا: عمل حفلتين توقيع. ومبارك لك لقد أصبحت كاتبًا مشهورًا!.


بعض الاقتباسات من الكتب التي تصدر عن دور نشر عراقية

ظاهرة الكتابة بالإنابة

لم تكن دور النشر هي الوحيدة المسؤولة عن إنتاج التفاهة والرداءة، فقد شاعت بعد 2003 ظاهرة خطيرة في عالم الكتابة ربما لا يعلم بها الكثير، ظاهرة ارتأيت أنْ اسميها (الكتابة بالإنابة) فبعض الكتاب الكبار  صاروا أشبه بالسماسرة، فصاروا يكتبون الروايات والقصص والشعر  للشباب مقابل أموال. ويجري هذا التعاقد بسرية تامة لكن أمرهم يكشف من خلال حياتهم العامة فهم بعيدون عن القراءة ولا يوجد ما يدل على أنهم كُتاب أو عند حصول خلاف بين الكاتب والمكتوب له، وتنتشر هذه الظاهرة كثيرًا بين الإناث فلهن الحظ الأكبر في النجاح، فيكتب لها أو ترسل خواطرها ونصوصها العائمة التي لا يمكن تصنيفها، إلى أحد الشعراء فيرجعها لها شعرًا، فتصدر نفسها كشاعرة عريقة بين ليلة وضحاها.

أكد لي أحد شعراء البصرة، ذات مرة، حينما سألته عن إحدى الشاعرات الجدد فقال (أنا من كتب لها وأنا من روج لها وأنا من أعاد بناء وتراكيب الجمل التي قامت بأرسالها)، والأمثلة تطول عن هذه الظاهرة، وبعضهم يخضعهن إلى المساومة، كأن يكتب لها مقابل علاقة غرامية يتخللها إرسال الصور والمكالمات الغرامية واللقاءات الخ... فيخضعن لذلك مقابل أنْ يصبحن كاتبات مشهورات يشار إلى أسماءهن بالإجلال والإكرام. ولكن ما السبب وراء تلك المجازفة والأسماء الجديدة التي تحاول أنْ تنقشها في مجال الكتابة بشتى السبل حتى وإنْ كانت سرقة من الآخرين.

 يلخص الباحث الاجتماعي علي كريم السيد هذه الظاهرة بعدة نقاط فيقول:

- قلق المكانة والسعي الى إثبات الوجود، في ظل بطالة مستفحلة وتأخر في الزواج. اذ تعمل الكتابة او إصدار كتاب كرد على المجتمع الذي يستهين بها.

-التنافس الأنثوي الداخلي، وهو تنافس شرس له قواعد خاصة، اذ إنّ السعي الى الفوز بالحب والمكانة هو هدف أساسي للإنسان الحديث كما يقول الان دي بوتون.
- الملاحظة البسيطة، تشير الى أنّ اغلب الكاتبات ينتمين الى الطبقة المتوسطة العليا القريبة من البرجوازية، وهي طبقة تقدم رأسمال ثقافي جيد، والاهم انها تيسر وتسهل وتفتح الطريق للصعود الاجتماعي لفتياتها، على عكس الطبقة المتوسطة السفلى. ومن ميزات الطبقة البورجوازية هي محاولة التمايز المستمر عن الآخري.

اذا كانت مودة الملابس والتمايز بالعمل والاناقة قد اضمحلت بفعل الديمقراطية الاجتماعية التي سمحت للجميع بالتعليم والعمل والحصول على المال. فيجب ابتكار آليات جديدة للتمايز والشكل الاجتماعي.

- التسهيلات التي تقدمها دور النشر، والإغراءات التي تقدمها مواقع التواصل الاجتماعي من خلال عدد اللايكات، والتي غالبا ما تكون مؤشر خادع، يجعل الكاتبة تعتقد بأن لها جمهورها الخاص. لذلك لغة الخطاب مع اصدقائها في الموقع تتسم بالتعالي فهي تخاطبهم من موقع أعلى وتذكرهم دائما بأنكم متابعين وظيفتكم الدعم ولستم اصدقاًء بالمعنى الحرفي.

-  مفهوم الكتابة عند هؤلاء الكاتبات، مختلف تماما عن الكتاب المخضرمين، فهن يكتبن بشكل مباشر بلا تورية ولا رمزية، وقد يرجع ذلك الى ضعف المهارة، أو الى اختلاف الاسلوب. اذا كان الكتّاب المعروفين يعتبرون الكتابة حرفة وهي بحاجة الى التمرين، ويعتمدون الرمزية لترك التأويل للقارئ.

إذًا فالكتابة اليوم أصبحت إثبات وجود وموضة وليس يقظة فكرية أو ثقافية نحصد ثمارها مستقبلًا، بل أصبحت لكل من هب ودب، مجرد نقش على الورق لا أكثر، هدفها الشهرة وحب الظهور وتصدر وسائل الإعلام ومنصات السوشيال ميديا، وإن كان يكتب لهم من قبل آخرين في ظل وجود دور نشر تنظر إلى دنانير المؤلف قبل نتاجه وفي ظل وجود كُتاب أهانوا الكتابة وحولوها إلى مشروع تجاري يدر عليهم أموالًا.

اقرأ/ي أيضًا: عبارة الموصل.. صورة من حقيقة الاستثمار في العراق

يقول الدكتور حسين القاصد: "كيف نقنع تلك الفتاة الجميلة التي حظيت بعشرات المقالات النقدية التي كتبت في شعرها (بكسر وفتح الشين)! بأن ما كتب حول ما تسميه منجزها، كتب لها لا لمنجزها".  في إشارة الى الكُتاب ذوي الميول "الدون جوانية" وكأن شعارهم يقول أنت جميلة إذًا تعالي إلي أحولك إلى كاتبة بلمح البصر!.

ما العمل؟

وكإجراء يقي من هذه المهزلة الآخذة بالانتشار ويمكن من تخفيف وتيرتها نستعرض بعض النقاط المهمة ربما:  

  • ليس بالضرورة أنْ تكون الشخصية المشهورة ناجحة فهناك بون شاسع بين الشهرة والنجاح.
  • عدم الاعتماد على ترويج دور النشر لشراء الكتب فهي غالبًا ما تروج للكتب التي تلزم رفوف المكتبة خوفًا من أن تصبح مادة دسمة لفئران المخازن.
  • الكتاب الأكثر مبيعًا ليس بالضرورة أن يكون كتابًا جيدًا بعد أن أثبتت التجربة أنّ أغلبها تافهة ولا تستحق ذلك خصوصًا في عالمنا العربي. 
  • اتباع نصائح القراء الكِبار وقراءة الكتب تنمي مهارات القارئ في اختياره للكتب من قبيل كتاب (في صحبة الكتب) لعلي حسين وغويات القراءة، وكتاب (في أحضان الكتب) لبلال فضل. صحيح أنّ الروائية الإنجليزية فرجينيا وولف تقول: "النصيحة الوحيدة التي يستطيع أنْ يسديها شخص لآخر حول القراءة هي ألا يتبع أي نصيحة؛ هي أن تتبع حواسك، أنْ تستخدم عقلك، وأنْ تتوصل إلى استنتاجاتك الخاصّة".، لكن ربما هذا الأمر لا يتلاءم مع القراء الجدد خاصةً في ظل انتشار الكتب الرديئة بشكل يثير الدهشة، حتى غدت تشكل طوقًا يحجب القارئ عن الكتاب الحقيقين، فهي كلمة ربما موجهة إلى القراء الذين قطعوا شوطًا كبيرًا في القراءة.

كيف نقنع تلك الفتاة الجميلة التي حظيت بعشرات المقالات النقدية التي كتبت في شعرها (بكسر وفتح الشين)! بأن ما كتب حول ما تسميه منجزها، كتب لها لا لمنجزها

ويطالب الدكتور حسين القاصد كحل لهذه المهزلة فيقول:  "اعود لما طالبت به سابقًا وأبقى أطالب به، وهو أنْ تشكل لجان (رقابة فنية) في كل مجالات الابداع، لكي تقوم هذه اللجان بفلترة الإبداع... وإعادة الكارتونيين إلى شهاداتهم وورقها المقوى؛ فليس من المعقول أنْ يصبح مبدعًا كل من لديه ما يكفيه لطبع عشرات الكتب التي يسميها شعرًا أو قصة أو رواية"!.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الدين و التديُّن.. هل للتعصب هوية؟

"العبّارة" التي يموت ركّابها منذ 15 عامًا!