فتيات يغسلن ثياب المتظاهرين.. انتفاضة تشرين تصنع

فتيات يغسلن ثياب المتظاهرين.. انتفاضة تشرين تصنع "المواكب الوطنية"!

يشبه المشهد إلى حد كبير أجواء الزيارات الدينية لكن المواكب المتواجدة "وطنية" (Getty)

شهد العراق بعد 2003 انتشار ما يُعرف بـ "المواكب الحسينية"، وهي محطات غالبيتها من خيم وسقوف كونكريتية موزعة على جوانب الطريق لخدمة الزائرين للعتبات الدينية، وتتركز قربها طيلة أيام السنة، وفي الطرق المؤدية إليها خلال في أوقات المناسبات الكبرى، كزيارة أربعينية الإمام الحسين، وغيرها.

عَرِف عراق ما بعد 2003 نوعين من المواكب لكنه؛ وللمرة الأولى يشهد نوعًا جديدًا من المواكب لأجل دعم الشباب الذين خرجوا يُطالبون بالوطن

تُقدم تلك المواكب الطعام والشراب وغيره من احتياجات الزوار، بالإضافة إلى استراحات للسائرين على الأقدام، مع الأجهزة الصوتية التي تضج بالقصائد الحسينية. وفي العادة، فأن المواكب هذه تعتمد على تمويل أصحابها (أو ما يسمى بخادم الموكب)، والمتبرعين لهم، بالإضافة إلى دعم معين من الدولة في المناسبات.

اقرأ/ي أيضًا: ساحة التحرير تودع "ابن ثنوة".. ماذا تعرف عن المتظاهر اليتيم؟

انتهت التظاهرات التي بدأت في الأول من تشرين الأول/اكتوبر 2019 في أقل من أسبوع، بعد عمليات القتل والقنص التي طالت المتظاهرين. وحدد المتظاهرون الخامس والعشرين من ذات الشهر موعدًا لاستئناف التظاهرات، حال انتهاء مراسم الزيارة الأربعينية. وفي الزيارة المذكورة، شهدت المواكب الحسينية ومسيرات الزائرين رفع الأعلام العراقية بصورة مميزة، بالإضافة إلى صور الشهداء، وترديد الشعارات الوطنية، وهتافات ولافتات ضد الفساد والظلم.

عاد المتظاهرون بعد انتهاء الزيارة إلى احتجاجاتهم في الشوارع، وشهدت الأيام الأولى عمليات عنف كبيرة في المحافظات الجنوبية، ونظّمت محافظات النجف وكربلاء والديوانية والناصرية وميسان اعتصامات سلمية. نظّم متظاهرو بغداد في ذات الوقت، اعتصامًا لهم سرعان ما توسع إلى أكثر من خيمة، وأعطى الزخم المطلوب للمتظاهرين ليتوافدوا منذ الصباح حتى ساعات متأخرة من الليل، بوجود رمزية "مركزية" لهم في ساحة التحرير.

مر يوم على التظاهرات، ليبدأ البغداديون بنقل الأطعمة والأشربة إلى ساحة الاحتجاج. مركبات مختلفة تحمل تلك المواد إلى ساحة التحرير، وتتوزع على الخيام الجديدة الموجودة قرب نصب الحرية وشارع السعدون وساحة الطيران، ومنها الى المعتصمين في المطعم التركي والحاجز الأول للجسر الجمهوري، وأسفله على جرف النهر، فضلًا عن المتجولين في ساحة الاحتجاج، مع توسع رقعة التمدد إلى جسر السنك، وجسر الأحرار لاحقًا.

يشبه المشهد إلى حد كبير أجواء الزيارات الدينية، حيث ينقسم الناس بين متبرع بالمال ومتبرع بالنقل ومتبرع بالتوزيع، وحشود تعثر على ما تشتهيه من ماءٍ وطعام وفواكه وحلويات وكمامات و"بيبسي" للوقاية من الغاز المسيل الدموع.

بدأ منظمو الخيام بالاعتماد على جهود ذاتية من خلال الاتصال بأصدقائهم ومعارفهم من أجل توفير المستلزمات الرئيسة، كالمياه والطعام والدواء وما يتعلق بالمبيت داخل الخيام. كان ذلك في اليوم التالي للتظاهرات، قبل أن يتصاعد نسق الاحتجاجات، ويصل صوت الاعتصام إلى كل العائلات العراقية التي بذلت جهودًا ملحوظة بإدامة زخم التظاهرات عبر التبرع بالمال، وطبخ الطعام داخل البيوت وتوزيعه على شباب الساحات، أو شراء الجاهز منه ونقله إلى المعتصمين.

دخل التجار وأصحاب رؤوس الأموال على الخط، ويُلاحظ المتجول في ساحة التحرير عددًا كبيرًا من مركبات الحمل تجوب الساحة تحمل مختلف الأطعمة وصناديق الفاكهة والماء والمشروبات الغازية.

تتبرع فتيات بغسل ثياب المعتصمين كونهن لا يستطيعن تقديم شيء آخر فيما تقدم عائلات الطعام المطبوخ ويتبرع تجار الأطعمة وصناديق الفاكهة والماء والمشروبات الغازية

ورغم دخول التظاهرات أسبوعها الثالث، إلا أن ما يسمى بـ (الدعم اللوجستي) القادم إلى ساحة التحرير لم يتوقف على ما ذُكِر، بل هناك متبرعون يقومون بحملات تنظيف للساحة وجمع للنفايات من الشوارع المؤدية لها، والرسم على الجدران، فضلًا عن المفارز الطبية المنتشرة في المناطق المذكورة، والتي ترتبط بمنظمي الاعتصام، وتنسق احتياجاتها معهم ومع المتبرعين لهم.

يقول أحمد العكيلي، أحد منظمي الاعتصامات، إن "المتبرعين ينقسمون إلى عدة أقسام، منهم من يرسل الأموال لنا لشراء احتياجاتنا، ومنهم من يرسل الطعام والمياه والبيبسي والكمامات دون سؤالنا عنها، ومنهم من يسأل عمّا نحتاجه ليتم توفيره، فضلًا عن الأدوية واللوازم الطبية التي تعالج حالات الاختناق والإصابات غير المميتة، من قبل الفرق الطبية والمسعفين".

يشعر العكيلي بالسعادة لما تقدمه العائلات العراقية، ويتحدث عن فتيات يتبرّعن بغسل ثياب المعتصمين كونهن لا يستطيعن تقديم شيء آخر. كما يُشير العكيلي في حديث لـ "ألترا عراق"، إلى أن "بعض المتبرعين من العائلات لا يستطيع الوصول إلى ساحة التحرير، كما أننا نواجه صعوبة بالوصول إلى بيوتهم لصعوبة الحركة وخطورتها".

كالحالات الثورية التي يسود فيها التضامن الشعبي، أبدى أصحاب مطاعم ومحال تجارية ومذاخر الأدوية ومطابع اللافتات والشعارات تعاونًا كبيرًا مع المتظاهرين. تبدأ تخفيضات الأسعار فورًا حالما يعرف (صاحب المال) أن المواد التي يراد شراؤها ستذهب إلى ساحات الاحتجاج، وبعضهم لا يأخذ سوى كلفة إنتاج المادة دون أرباح منها.

يقول العكيلي: "يُقدّم أصحاب المحال تعاونًا كبيرًا مع المتظاهرين والمعتصمين. كذلك أصحاب مركبات النقل التي تُستخدم لجلب البضائع إلى الساحة، وأصحاب مركبات الأجرة الذين (يتساهلون) مع المتظاهرين القادمين إلى ساحة التحرير والعائدين منها".

ومن غير الجديد، ذكر دور عجلات الـ "تك تك"، الذي كُتب عنها الكثير، في النقل المجاني المصابين والجرحى والمتظاهرين، وأضيف لاحقًا نقل المواد والبضائع للمعتصمين.

اقرأ/ي أيضًا: لا نشاط لها غير التظاهرات.. "القوات المجهولة" تختطف صبا المهداوي!

ومع مرور أسبوعين على بدء الاعتصامات، أصبح المعتصمون يُجهزون أنفسهم لإيجاد بديلٍ عن الأطعمة الجاهزة التي تردهم من المواطنين، أو التي يشترونها بأموال التبرعات. ويقول (م.ج) أحد المعتصمين، إنهم يتجهون نحو "طهي الطعام بواسطة قدور كبيرة". ولأجل ذلك، بات المعتصمون يطلبون من المتبرعين المواد الغذائية غير المطبوخة، كالرز والفاصولياء واللحوم الحمراء، ليتسنى لهم طهيها وتوزيعها على المتظاهرين والمعتصمين في مختلف المواقع.

يرى (م.ج) في حديث لـ "ألترا عراق" أن "طبخ الطعام في ساحة التظاهر والاعتصام سيقلل الكلف المدفوعة من شراء الطعام الجاهز، ويوفر إمكانية لتوزيع أكبر عدد ممكن من الوجبات على الشباب المتواجدين هنا".

أصبح المعتصمون يُجهزون أنفسهم لإيجاد بديلٍ عن الأطعمة الجاهزة التي تردهم من المواطنين، أو التي يشترونها بأموال التبرعات

عَرِف عراق ما بعد 2003 المواكب الحسينية، التي اشتهر فيها تقديم الطعام بكرمٍ لافت، كذلك هب العراقيون لتقديم المساعدات والاحتياجات الخاصة بالنازحين من مناطق سيطرة تنظيم الدولة (داعش) على المحافظات العراقية، لكنه؛ وللمرة الأولى، يشهد مثل تلك المواكب التي يتبرع لها العراقيون بمختلف طوائفهم، ليس لحالة دينية كالمناسبات التي يُرجى منها (الأجر والثواب)، وليس لحالة إنسانية كالذي جرى مع النازحين، بل لأجل دعم الشباب الذين خرجوا يُطالبون بالوطن، وقدموا التضحيات، فتظافرت المواكب الحسينية، مع العائلات العراقية المتنوعة طائفيًا وقوميًا وطبقيًا، مع دعم من أهالي المناطق التي شهدت نزوحًا في السابق، مع الكنائس والجوامع والمنظمات الإنسانية وأصحاب رؤوس الأموال، ليشكلوا موكبًا واحداً. فالمواكب المتواجدة في ساحات التظاهر والاعتصام، هي "مواكب وطنية"، كما يقولون.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 نشطاء الاحتجاجات المغيبون قسرًا.. لا خبر جاء ولا وحي نزل!

طلاب العراق يدخلون الاحتجاجات.. المهندس يترقب والصدر يحذر الحشد الشعبي!