فقدان السيادة والإفقار.. اقتصاد العراق يشهد على 16 عامًا من خراب الاحتلال

فقدان السيادة والإفقار.. اقتصاد العراق يشهد على 16 عامًا من خراب الاحتلال

عرت سلطة الاحتلال الاقتصاد العراقي وكرسته سوقًا للبضائع الأجنبية (Getty)

مع حلول الذكرى الـ 16 لاحتلال العراق من قبل قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، يستذكر العراقيون حصاد السنوات الماضية، بنوع من اليأس وفقدان للأمل على جميع الأصعدة، إذ تبددت كل الوعود مع مرور السنوات، وباتت البلاد ممزقة على المستوى السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي.

دخل اقتصاد البلاد بعد 2003 مرحلة الضياع والتخبط بحثًا عن الهوية التي ضاعت وتبددت، وتبدد معها آخر أثر من أثار الدولة وسيادتها، كأحد أهم أوجه القياس العملية لحقبة ما بعد الاحتلال

ولعل الاقتصاد واحد من أهم أوجه القياس العملية لحقبة ما بعد الاحتلال، والذي بات يشكل معضلة بالنسبة للدولة منذ أكثر من عقد ونصف، حيث تتضارب الأراء حول شكله وتصنيفه ونوعه، فلم يكن الاحتلال مجرد تغيير على مستوى الخريطة السياسية فحسب، وفق مختصين، بل إنه قلب اقتصاد العراق رأسًا على عقب، وغير من محتواه، فصار فاقدًا للهوية، بعد أن كان يحظى بصفة الاقتصاد المحافظ شبه الاشتراكي.

اقرأ/ي أيضًا: قدرة العراقيين الشرائية.. من مغامرات صدّام إلى فقدان 790 مليار دولار!

وعلى الرغم من الانتقادات العديدة للاقتصاد العراقي قبل 2003، إلا أن كل التغيرات التي حصلت لم تؤدي إلى تطور أو خروج من مأزق الاعتماد على الريع وتنمية القطاعات الإنتاجية خارج إطار النفط. فبعد أن كانت هناك فاعلية للقطاعات الإنتاجية العامة والمختلطة، وقوانين للقطاع الخاص وحماية المنتج المحلي، صار الاقتصاد العراقي مستباحًا كما هو حال قراره وأرضه.

التنمية.. دعاية الاحتلال

الاقتصاد والتنمية كانا أبرز العناصر الدعائية التي ركزت عليها سلطة الاحتلال بعد انتهاء المعارك واجتياح بغداد، حيث أن المجتمع العراقي برغم انقسامه حول قضية الحرب، إلا أنه كان ينتظر زيادة في معدلات التنمية ومشاريع اقتصادية كبرى، كما كانت الماكنة الدعائية الأمريكية تقول، لكن شيئا منها لم يحدث وكان التركيز منصبًا حول الاستثمارات النفطية فقط وعقود شراكاتها.

ولعل أبرز ما حصل اقتصاديا بعد الاحتلال، هو خروج العراق التدريجي من البند السابع والحصار الاقتصادي الذي فرضته الولايات المتحدة منذ عام 1990، والذي يرى مختصون أن له الأثر الأكبر في تدمير البنية الاقتصادية للبلاد، إلى جانب الحرب وسياسات الاحتلال في تغيير شكل الإدارة الاقتصادية، فضلًا عن سوءإادارة الموارد من قبل الحكومات المتعاقبة ما بعد 2003.

كرست سلطة الاحتلال العراق سوقًا للبضائع الأجنبية بـ"تعرية" اقتصاده من أي ضوابط بمواجهة اقتصادات مستقرة في منافسة دولية غير متكافئة

أثر الحصار كان كارثيًا على كل جوانب النشاط الاقتصادي، إذ لم يكن بمقدور العراق في ظل الفصل السابع استيراد العديد من المعدات والسلع الضرورية للتنمية الاقتصادية بحجة إمكانية تحويلها للاستخدام العسكري، مما عزل البلاد عن العالم على مدى 28 عامًا، حتى خروج العراق من الفصل السابع عام 2017.

يقول الباحث الاقتصادي، ليث محمد رضا، إن "سلطة الإحتلال عمدت إلى إقحام العراق في حالة من تحرير الاقتصاد من أية ضوابط مما جعل اقتصاده يبدو شبه عاريًا بمواجهة اقتصادات مستقرة في منافسة دولية غير متكافئة كرست العراق سوقًا للبضائع الأجنبية فضلًا عن كونه مصدر للنفط الخام"، مشيرًا إلى أن "الدولة بقيت تمول الاقتصاد من الريع النفطي مما جعل العراق يستحصل على الإيرادات بطريقة شمولية، بينما يضيعها تحت شعار حرية التجارة".

 يبين رضا، لـ "الترا عراق"، أن "الاقتصاد العراقي يتحمل سلبيات اقتصاد السوق والاقتصاد الشمولي، بينما لا يتمتع بأي من مميزات النموذجين"، فيما يؤكد على ضرورة خروج البلاد من "فخ الريعية" بتفعيل قطاعاته الإنتاجية الصناعية والزراعية، "برؤية تنموية متكاملة تبني الاستقرار الاقتصادي بتوجه وطني لإعادة النظر بعلاقات الانتاج وسياسات توزيع الثروة، وفق إرادة لبناء الأنموذج العراقي للاقتصاد بعيدًا عن سياسة الوصفات الجاهزة التي لا تنسجم مع مصلحة البلاد".

يعلل رضا، النمو المتسارع للاقصاد العراقي بعد 2003، إلى "ارتفاع اسعار النفط منذ عام 2004"، مشيرًا إلى أن "معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي ارتفع بنحو 29% بين 2003 و2010، إلا أن ذلك مؤشر للنمو وليس التنمية أي انه لم يصاحب بسياسات لتحسين أحوال الفقراء والتأكد من نصيبهم من ذلك التحسن، حيث إنه صب في مصلحة الأغنياء القدماء والجدد".

فساد.. اقتصاد هجين!

شهد العراق منذ عام 2003 وحتى الآن أكبر عملية فساد ممنهجة في تاريخه، حيث صنّفت منظمة الشفافية الدولية، العراق كواحد من أكثر البلدان فسادًا في العالم لسنوات عديدة. وكذلك صنفه البنك الدولي كثاني أكثر دولة في العالم تعاني من تفشي الفساد، فضلًا عن التصنيفات التي تعده واحدًا من أكثر الدول سوءًا من ناحية الأعمال التجارية وضعف البيئة الاستثمارية، نظرًا للإشكالات العديدة في البنية القانونية والتشريعية وهشاشة الوضع الأمني.

غابت التنمية التي كانت أبرز دعايات سلطة الاحتلال وغابت سياسيات تحسين أحوال الفقراء، وصب النمو المتحقق في مصلحة الأغنياء القدماء والجدد

يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة بغداد، أحمد فهمي، أن "أبرز الآثار الاقتصادية للاحتلال، هي دمار الاقتصاد الوطني صناعيًا وزراعيًا وخدميًا من خلال تضرر وسرقة مفاصل البنية التحتية من منشآت وأدوات وتسهيلات بالكامل أو جزئيًا". يقول في حديث لـ "الترا عراق"، إن "أهم المتغيرات الحاصلة، هي اعتماد الاقتصاد العراقي بالكامل على تصدير النفط بدلًا من الإنتاج المحلي والاكتفاء الذاتي، فصار الاستيراد هو ديدن الحكومات المتعاقبة مع عدم وجود بديل محلي متاح".

وعن شكل الاقتصاد العراقي بعد الاحتلال، يقول فهمي، أن "الاقتصاد العراقي ليس ضمن خانة دول الاقتصاد الحر ولا الإشتراكي، ويمكن تصنيفه بأنه نمط اقتصادي هجين، حيث أن الناتج القومي الإجمالي خارج قطاع النفط يكاد يساوي صفرًا، وفي هذا دلالة على أنه اقتصاد منفلت"، مؤكدًا أن "جزءًا مهمًا من فهم الإرادة الأمريكية، هي أنها كانت تريد منافذ للشركات الغربية للاستثمار هذا البلد الذي لم تدخله الشركات الغربية منذ سبعينيات القرن الماضي حتى 2003، وهو الذي يمتلك أحد أكبر الاحتياطيات النفطية".

لكن أستاذ الاقتصاد يبين، أن "كل هذه العوامل لا تمنع من تشغيل الصناعة الوطنية وخيارات الاكتفاء الذاتي ولو جزئيًا في إطار تنمية الزراعة واستثمار الثروة المائية بدل تبددها"، مشيرًا إلى أن "تخصيصات الدولة لاتذهب للاستثمار الوطني بسبب الفساد الإداري والمالي"، فيما لخص اشكالية اقتصاد البلاد بعد 2003، "بدخول البلد مرحلة الضياع والتخبط بحثًا عن الهوية التي ضاعت وتبددت، وتبدد معها آخر أثر من أثار الدولة وسيادتها".

لعل أحد أهم أسباب التدهور الاقتصادي كان سياسة حرية الاستيراد التي اتبعت بعد الاحتلال، والتي لم تكن وفق ضوابط وأسس تحكمها متطلبات الاقتصاد، حيث تم اغراق السوق المحلية بالمنتج الأجنبي، ما أدى إلى تدهور الصناعة المحلية، والتي باتت اليوم شبه منعدمة نتيجة عدم وجود إرادة سياسية لتنميتها، وفق مختصين ومراقبين.

اقرأ/ي أيضًا: 9 ملايين عراقي تحت خط الفقر

وتقف وراء ديمومة تلك السياسية على مدى أكثر من عقد ونصف عدة عوامل عديدة منها، منها الفساد وعدم وجود بنية قانونية تدعم المنتج المحلي، فضلًا عن أن الاستيراد غير المنضبط صار واحدًا من أهم واجهات تهريب العملة وغسيل الأموال.

يمكن تصنيف اقتصاد البلاد كنمط هجين من الاقتصاد المنفلت في ظل أكبر عملية فساد ممنهجة في تاريخه، وتسلط للشركات الأجنبية على قطاع النفط  

يقدر مراقبون حجم تدخل قطاعي الزراعة والصناعة بما لا يزيد عن 7% من إجمالي الناتج المحلي، وهو رقم ضعيف لا يرقى للمستوى المقبول اقتصاديًا، فيما تعاني الصناعة العراقية من تدهور ملحوظ في الإنتاج وإعراض المستهلكين عن شراء المنتجات المحلية وتوقف المصانع بسبب ضعف القيود على الاستيراد وانفتاح السوق العراقية أمام الاستيرادات الخارجية رخيصة الأسعار مقارنة بالمنتج المحلي عالي الكلفة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كيف تُهرب مخصصات الحشد الشعبي إلى إيران؟

نار في منفذ زرباطية.. هكذا تنهب الميليشيات مليارات المنافذ الحدودية!