قانون

قانون "جرائم المعلوماتية".. ما مصير حرية التعبير في العراق؟

القوى السياسية تقدم الشكاوى من الفيسبوك بعد الاحتجاجات وصعود النقد السياسي فيه (فيسبوك)

بالرغم من انتهاء الفصل التشريعي الأول للبرلمان العراقي في  كانون الثاني/يناير بإقرار قانون الموازنة الاتحادية فقط، تواصل اللجان البرلمانية حراكًا دؤوبًا منذ بداية الفصل التشريعي الثاني في 2 آذار/مارس لتمرير قانون جرائم المعلوماتية، فيما تصطف في طابور الانتظار العشرات من القوانين المهمّة، والتي معظمها مُرحّلة من الدورة البرلمانية السابقة، ما يثير الاستغراب وسط تساؤلات من مراقبين ومهتمين عن الإصرار على تمريره في هذا  التوقيت من جميع الكتل بالوقت الذي يختلفون فيه على قوانين مؤثرة بشكل فعّال بحياة المواطن.

طرح قانون جرائم المعلوماتية بشكل فعلي عام 2011 عقب الاحتجاجات التي حدثت في العراق حيث شكّلت وسائل التواصل الاجتماعي منبرًا للتحشيد سواء في التضامن مع ثورات الربيع العربي أو الدعوة إلى استنساخها في العراق

وبداية طرح القانون كانت في عام 2006، فيما طرح مرة أخرى بشكل فعلي عقب الاحتجاجات التي حدثت في العراق عام 2011، حيث شكلت وسائل التواصل الاجتماعي منبرًا للتحشيد سواء في التضامن مع ثورات الربيع العربي أو الدعوة إلى استنساخها في العراق. وبمرور الأيام ازداد تأثيرها خاصة "فيسبوك" إذ تحول من التحشيد إلى النقل المباشر لكل الاحتجاجات، ووثّق الكثير من عمليات القمع للمحتجين، فيما عمدت المؤسسة الدينية إلى التركيز على ضرورة ضبط إيقاع "فيسبوك" من خلال خطبة صلاة الجمعة في أكثر من مرّة، بالإضافة إلى انتقاد استخدامه مع التلميح كونه أحد أداوت الغزو الفكري والثقافي الذي يتعرّض له العراق.

حرية التعبير على المحك!

يحاول النائب الأول لرئيس مجلس النواب عن كتلة سائرون حسن الكعبي، إيجاد مخرجًا لأزمة مسودة القانون، بالتنسيق مع جهات عديدة مسؤولة عن وضع تشريعاته "القمعية"، والتي تحد من انتقاد السلطة والحراك بشان التظاهر، فضلًا عن منحها مسوّغات واسعة للاعتقال، بالوقت الذي يعتبر الكعبي وكتلته "سائرون" أنهم المعنيون بالدرجة الأولى بتعطيل القانون بصيغته الحالية كونهم وصلوا إلى البرلمان عن طريق الاحتجاجات، بحسب مراقبين.

اقرأ/ي أيضًا: قانون جرائم المعلوماتية.. لماذا يخاف السياسيون مواقع التواصل الاجتماعي؟

 ويعزو النائب الأول تأخر إقرار القانون إلى الخلافات بين الرافضين لتقييد حرية التعبير، والمؤيدين لإيجاد إطار قانوني يحمي المواطن والدولة من الجرائم الإلكترونية التي انتشرت بشكل كبير في أغلب دول العالم.

وقال بيان أورده مكتب الكعبي وتابعه "ألترا عراق"، إن "سبب تأخر إقرار قانون جرائم المعلوماتية يعود إلى الخلافات بين الرافضين لتقييد حرية التعبير، والمؤيدين لإيجاد إطار قانوني يحمي المواطن والدولة من الجرائم الإلكترونية التي انتشرت بشكل كبير في أغلب دول العالم ومنها العراق الذي تأخر فعلًا في إقراره"، مشيرًا إلى أن "من واجبنا بيان الجدوى من القانون وتبديد مخاوف الرافضين بتقييد الحريات حينها هم من سيطالبون بتشريع القانون".

لفت البيان، إلى أن "الكعبي ترأس اجتماعًا موسعًا عقدته لجنة الأمن والدفاع بحضور ممثلي عن جهاز المخابرات العراقي ووزارة الداخلية والأمن الوطني ومستشارية الأمن الوطني لبحث بنود مشروع قانون جرائم المعلوماتية، مشيرًا إلى أن "الغاية من استمرار عقد الندوات والورش والاجتماعات الخاصة بهذا القانون هو لضمان تشريع قانون كفيل بالحفاظ على كيان الدولة وحرمة المواطن والتجربة الديمقراطية الحديثة لبلدنا، مع ضمان إيجاد انسجام ما بين الحقوق والحريات العامة والخاصة وبين ضرورة الحفاظ على أمن الدولة والمواطن".

ويواصل الكعبي حِراكه بشان تعديل القانون، فيما يطرح السؤال عن ثمار ذلك، خاصة وأن الكعبي كان مهندس التصويت على حظر لعبة "بوبجي" الإلكترونية، ما يجعل مراقبون يتخوفون من نتائج التعديل المُنتظر.

في الأثناء، ترأس الكعبي مرة أخرى في 22 نيسان/أبريل، ورشة مناقشة مسودة القانون بحضور اللجان النيابية المعنية وهيئة الإعلام والاتصالات. فيما ذكر بيان صدر عن مكتب الكعبي، وتابعه "ألترا عراق"، أنه "تم الاتفاق على عدة توصيات سيتم تضمينها لقانون جرائم المعلوماتية منها ضرورة إجراء موازنة بين المصالح المتعارضة وعدم التوسع في التحريم وبشكل قد يراه المواطن تكميمًا لحرياته وعدم فرض عقوبات ما لم يترتب على الفعل إضرار، والتحقق من أمن الشبكات ودقة المعلومات"، مستعرضين في الوقت نفسه بعض الجرائم الإلكترونية التي تكلف العالم سنويًا أكثر من 60 مليار دولار حيث تنجم عن الهجمات السيبرانية خسائر سنوية تزيد عن 600 مليار دولار سنويًا".

إزاء ذلك، قال عضو اللجنة القانونية البرلمانية وجيه عباس، إننا " ننتظر من هيئة الإعلام والاتصالات تعديلات جوهرية لمسودة القانون المقترحة، وحرية الصحافة وإبداء الرأي محترمة، ونحن معها قلبًا وقالبًا، اليوم نحن مشرعون وغدًا ربما متهمون إذا تجاوزنا الحرية واستخدمنا حق إبداء الرأي بالعصيّ"، مشيرًا إلى أن "الحرية يجب أن تكون وفق حدود التعامل الإنساني، الحرية التي تسيء إلى الذات بعيدًا عن الموضوع هي فوضى".

نظرة سريعة لمسودة قانون "جرائم المعلوماتية" توضّح أن الكثير من التشريعات تحمل ميزة العقوبات الانتقامية حيث تصل الكثير من المخالفات لعقوبات قاسية جدًا تصل للحكم المؤبد

أضاف عباس، في حديثه لـ"ألترا عراق"، أن "ورشة العمل التي ترأسها النائب الأول لرئيس مجلس النواب حسن الكعبي حضرها خبراء قانون لهذا النوع من التشريع الجديد على العراق، وهي كانت لتبادل الآراء من أجل الوصول إلى منطقة "لا ضرر ولا ضرار"، مبينًا أن "تقييد الحرية تتطلب التوسع في التجريم وصولًا إلى سياسة تكميم الأفواه، وهذا المفصل نحن ضده".

استدرك عباس "لكننا في نفس الوقت نتطلع إلى قانون من أهدافه المحافظة على حقوق الأفراد ومنع التشهير والإساءة إليهم"، مشيرًا إلى أن "بعض المواد القانونية بحاجة إلى مطارحة الأفكار مع الآخرين، وتشريع هذا القانون بحاجة إلى شرح فلسفة المواد العقابية من ٣-٢٠ من القانون، ووضع تصور أولي لما تتمتع به من وجوه التأويل بحيث يتصور القارئ أن المشرّع يريد من المواطن أن يكون أعمى وأخرس وأطرش".

اقرأ/ي أيضًا: "الجرائم المعلوماتية".. تساؤلات التوقيت والتحديات

لفت عباس إلى أن "قضية التعدّي على الأديان والمذاهب هذه بحاجة إلى وقوف جميع العراقيين في منطقة حياد وحذر خشية اتهامهم بها، أما حقوق الدولة العراقية فقد احتفظت بكامل حقها قانونيًا وجعلت الطرف الآخر مذنبًا مع سبق الإصرار والترصد واتيقن أن بعض المواد مغالية جدًا في القصاص". 

أشار عباس إلى أن "بعض القوانين تملك حساسية التعامل مع المواطنين، لهذا فنحن بحاجة إلى عقد ندوات نقاشية كثيرة مع النخب المثقفة لنصل إلى حالة من اليقين في الذهاب لتشريعه، مبينًا أن "الدولة هي الطرف الأقوى، فلا ينبغي لها أن تمارس السلطة بكامل قوتها على الطرف الأضعف في المعادلة".

صياغة انتقامية.. تداخلٌ قانوني!

في هذا السياق يقول المدير التنفيذي لمنظمة أفق، وسام إبراهيم عنبر، إن "صياغة مسودة القانون لأول مرّة تمت في جو مشحون بالاضطرابات بعد احتجاجات شباط/فبراير ٢٠١١ وثورات الربيع العربي، ويمكن القول إنها ضعيفة فنيًا وكارثية على المستوى الحقوقي والإنساني، مبينًا أن "نظرة سريعة توضح أن الكثير من التشريعات تحمل ميزة العقوبات الانتقامية حيث تصل الكثير من المخالفات لعقوبات قاسية جدًا تصل للحكم المؤبد"، لافتًا إلى أن "المشرع استخدم عبارات غير معروفة كالمساس بالأمن والسيادة، دون أن يوضّح كيف يمكن المساس بالسيادة أو تشويه سمعة البلد، وهذه المواد مؤذية لحرية التعبير والعمل الصحافي".

وبشأن الاعتراض على القانون أضاف عنبر في حديثه لـ"ألترا عراق"، أن "صياغة المشروع تحتوي على الكثير من العموميات والمصطلحات غير المعرفة، والتي قد تصل العقوبة فيها إلى المؤبد وهو أمر خطير، كما في المادة ( 3 أو 6) اللتان تعاقبان بالسجن المؤبد وغرامة 25 مليون كل من مس باستقلال ووحدة وسلامة البلاد وكدر الأمن والنظام العام وأساء إلى سمعة البلاد"، مشيرًا إلى أن "هذه المصطلحات مبهمة وغير واضحة ويمكن أن تكون أداة للتضييق على حرية التعبير وحرية العمل الصحافي، والتي يترتب عليها عواقب وخيمة، فيما لم يتطرّق القانون إلى مواضيع مهمة ومؤثرة على أمن وحياة المواطن مثل الابتزاز الإلكتروني والجيوش الإلكترونية".

تابع عنبر أن "الكثير من المواد التي تتداخل مع تخصصات قوانين أخرى مثل قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1968، لا نجد مبررًا لتشديدها أو تكرارها، بالإضافة إلى قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005، وهناك قوانين تم إقرارها بالفعل بعد صياغة هذه المسودة في سنة 2011، ويبدو أن المشرّع لم يعد مراجعة المسودة بناءً على المتغيّرات والمتطلبات الجديدة لا فنيًا ولا حتى قانونًا، موضحًا أن "القانون يتداخل مع قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم (28) لسنة 2012، وقانون التوقيع الإلكتروني والمعاملات الإلكترونية رقم 78 لسنة 2012، بالإضافة إلى قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم 39 لسنة 2015".

أشار عنبر إلى أن "هناك لبس واضح بين المعلومة والرأي وتجسد ذلك في المادة 21 ثالثًا: يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة و بغرامة لا تقل عن (2000000) مليوني دينار ولا تزيد على (5000000) خمسة ملايين دينار كل من اعتدى على المبادئ أو القيم الدينية أو الأخلاقية أو الأسرية أو الاجتماعية أو حرمة الحياة الخاصّة عن طريق شبكة المعلومات أو أجهزة الحاسوب بأي شكل من الأشكال، لافتًا إلى أن "هذا خلط واضح وخطير لأن المعلومة لا تشبه الرأي بأي حال وهذه المادة تشكل خطرًا على حرية الرأي والتي ضمنها الدستور العراقي في المادة 38 أولًا"، مضيفًا أن "المادة 22 من المشروع تطرقت الى جملة من العقوبات تجاه سلوكيات غير متفق على خطرها اجتماعيًا، بينما تجاهلت سلوكيات متفق على خطرها اجتماعيًا مثل خطاب الكراهية والتحشيد الطائفي والعنصري".

المشرّع استخدم عبارات في قانون "جرائم المعلوماتية" غير معرّفة كالمساس بالأمن والسيادة، دون أن يوضّح كيف يمكن المساس بالسيادة أو تشويه سمعة البلد، وهذه المواد مؤذية لحرية التعبير والعمل الصحافي!

شدّد العنبر على أن "العقوبات التي نصّ عليها مشروع القانون مبالغ بها بشكل كبير ويجب مراجعتها مرة أخرى لأنها مجحفة ولا تتناسب إطلاقًا مع الفعل، ومن الضروري أن يتم إيقاف عملية تشريع القانون بشكله الحالي، واشراك جميع الأطراف ذات العلاقة في عملية إعداد مسودة جديدة وعدم استثناء أطراف كالمجتمع المدني والمؤسسات الصحافية والنشطاء من عملية التشريع".

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

تحذير دولي من انتكاسة "مفجعة" لحرية التعبير في العراق.. لا تشرعوا هذا القانون!

الجرائم الالكترونية في العراق.. بطش القانون وعقوبة غيابه