كوابيس عراقية

كوابيس عراقية

الصراعات الشخصية تغطي على الجانب الخير فينا

تكمن الأزمة تحديدًا في أن القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد. وفي ظل هذا الفراغ تظهر أعراض مرضية غاية في التنوع. أنطونيو غرامشي - كراسات السجن.

معظم اختلافاتنا مع الآخرين ناشئة من انطباعات شخصية، لكنّها تظهر بأشكال تعبيرية تأخذ صفة"العقلانية". والخطوة الأولى نحو اختلاف حقيقي ومنتج، هو التحرر من الانطباعات الشخصية، لأنها، ببساطة شديدة، تزيّف الواقع، وتعطينا صورة مشوهة عن أنفسنا والآخرين. والنتيجة التي لا تخفى: اجترار الآلام النفسية. وفي الحقيقة لا أحد منّا يرغب في تجربة المعاناة بالتأكيد؛ من النادر للغاية أن يغامر الناس في تجربة الألم، مثل الخوف، والغضب، والقلق، والاكتئاب، والعدوانية، وغيرها. أعني، أن هذه الحالات النفسية المؤلمة تحدث "بالرغم عنّا"، ولا نسعى، واقعًا، لتجربتها. لأننا، ببساطة شديدة، نسعى، فطريًا، لراحة البال والابتعاد عن المنغصات. غير أن مساعينا (وبالخصوص السياسية والاجتماعية) تناقض هذه الحقيقة! فمعظمنا متورّط بخلافات نفسية حادة ومؤلمة بحجة الاختلاف، ما يسقطنا لاحقًا في وحل الأيديلوجيا. 

لا نحتاج إلى جمل فلسفية مركبة لفهم الحالة التالية: إن الصراعات الشخصية تغطي على الجانب الخير فينا، وتبعدنا عن مواهبنا الحقيقية. إنها تشتيت لطاقاتنا الخلّاقة. التجارب اليومية تخبرنا عن هذه الحقيقة الجلية، إن طرق تفكيرنا وسلوكنا، في حراكنا السياسي مثلًا، تقودنا إلى المعاناة. ليس لأن المشهد السياسي شديد التوتر والتعقيد بطبعه، بل فقر الأدوات والافتقار إلى الموضوعية يضاعف من تعقيد المشهد بكثير. 

حينما كف شباب تشرين عن خصوماتهم النفسية، وأظهروا تضامنًا جماعيًا (وأعني به ذلك التضامن الذي وفّر الحد الأدنى من التكاتف للتجمع في ساحة التحرير، والاتفاق، بشكل عام، على وحدة المصير، ولا أعني به التضامن السياسي المُنَظَّم!)، الأمر الذي انعكس على سلوكهم اليومي في ساحة التحرير، من خلال إطلاق العنان لمواهبهم المدفونة، فتحولت الأنفاق والجدران إلى لوحات فنية معبرة عن طبيعة الحدث التشريني. ولا أظنهم سيقومون بهذه الفعاليات لو انشغلوا في خصوماتهم النفسية، لأنها، كما قلنا، ستغطي على مواهبهم. ولا نجد، حينئذٍ، ذلك الترابط، الذي له أكثر من مغزى، بين مختلف الشباب والشابات، والإمدادات اللوجستية شاهدة على ذلك. ولو ذهبوا أكثر من ذلك، لشهدنا امتدادات للحدث التشريني لولا فقر الأدوات السياسية لدى الأجيال الجديدة وعنف السلطة المرعب الذي مارسته أمام هؤلاء الشباب العُزّل، فكانت النتيجة تشتيت هذه الكتلة البشرية الواسعة عن طريق رِدّة دكتاتورية عنيفة، يقابلها تشرذم التشرينيين وغرقهم، لاحقًا، في بحر الخصومات النفسية الذي لا يسلم منه أحد إلّا من ذاق مرارة التجربة. فمن الضروري للغاية أن لا نسقط في فخ الآيدلوجيا، لأنها إسقاط مزيّف عن أنفسنا ما يقودنا بالضرورة إلى تزييف الواقع.

يظهر أن المناكدة في وضعنا العراقي المضطرب تتحول بالتدريج إلى ثقافة، إنها سلوك يومي معاش، وبالأخص في نشاطاتنا السياسية التي تدعمها عادة القوة الشعبوية للميديا. يترتب على هذه المقدمة نتيجة منطقية يدعمها الواقع، هو شيوع اللا أبالية والسلبية والإحباط. على سبيل المثال: منذ حراك"المدنيين" وصولًا إلى انتفاضة تشرين، لم تتغير الأدوات؛ خصومات وهمية، معارك ذهنية، انقسام حاد، غياب القدرة على تنظيم سياسي، فقدان الحاضنة  الشعبية، ومن ثم النهاية المتوقعة: بدلًا من مراجعة الذات، قمنا برمي الكرة في ملعب الآخرين. قوة الآخرين التنظيمية، ونفوذهم السياسي، وهيمنتهم البارزة، بفعل الحاضنة الشعبية، التي يمتلكونها، شيء، ورمي الإخفاق كله في سلّتهم شيء آخر. ويظهر من خلال معايشتنا للوضع العراقي، تتضح لدينا حقيقة بارزة للعيان، وهي دائمًا ما نربط النقد بكرامتنا الشخصية! وهذه الحقيقة، للأسف، لا تختلف فيها هوية عن أخرى إلّا من حيث الدرجة.

هذا الكلام لا يقلل من حجم التحديات الجسيمة التي ستواجهها، حتمًا، أي حركة اجتماعية في المستقبل، ولا يتجاهل شروط الواقع المعقّدة (التي يتجاهلها الكثير منّا، عن جهل أو عمد، تأثرًا بالنماذج الغربية المتقدمة)، ولا يغض الطرف عن العنف المفرط للسلطة، وإنما يسلّط الضوء على جزء من إخفاقاتنا السياسية؛ إن المناكدات الشخصية، والانشغال بتوافه الأمور، والاندفاع بالهجوم على الآخرين، والتعكّز فقط على حرية التعبير كمحرك وحيد لاحتجاجاتنا، يعني عزوف الكثير من الشرائح الاجتماعية عن التعاطف مع أي حراك سياسي، وابتعاد الكثير من المتعلمين والمثقفين في المشاركة تحسبًا للعداوات الشخصية التي تحدث (وهي على أي حال مُعَزّزَة بجيوش الميديا التي أدمنت هذه الحرفة العزيزة على قلوبها)، والنتيجة الأخرى: التعكّز على الأحلام بدلًا من الواقع، والتشبث بالأمل الزائف، واستدعاء نماذج تجريدية لا علاقة لها بالواقع. ولا نكتفي باستدعائها، وإنما نصنع منها قضيتنا المركزية، ونختلق معها خصومات نفسية مؤلمة، وكوابيس تراودنا بين الحين والآخر: كصراع الدين والعلمانية! إنها حالة اختلاق لجديد لم ير النور بعد.

 

اقرأ/ي أيضًا: