كورونا العراق: دروس المواطنة والدين وحكم الكونكريت

كورونا العراق: دروس المواطنة والدين وحكم الكونكريت

الكونكريت لا يحمي من كورونا (Getty)

هل من شيء جديد يُمكن إضافته حول الأزمات التي تعاني منها دولنا العربية على الصعيد السياسي والاجتماعي والديني والاقتصادي؟ لا أظن. فقط هي محاولات للتذكير بالمشكلات والحلول النظرية المطروحة سابقًا، وأخذ الدروس والعبر من أزمة فيروس كورونا التي عرّت من جديد ـ كحال الأزمات الأخرى ـ جسد الدولة العربية الممتلئ بالتقرّحات، على مستوى الأنظمة، وكذلك بالنسبة للنخب والشعوب بشكل عام، من منطلق إمكانية الهزّات على إحداث "صدمة" قد تؤدي إلى تغييرات في واقعنا الذي "تكلّست" خلاياه الإصلاحية.

المواطنة الإجبارية

في الحالات الطبيعية قبل تفشي فيروس كورونا ـ إن صحّت تسمية حالة طبيعية في العراق ـ  تثير أخبار الموت في مناطق معينة بسبب فعل الإنسان أو الطبيعة، حزنَ آخرين في مناطق أخرى، كحادثة "العبّارة الموصلية"، والحرائق، والقتل والاغتيالات والانفجارات، لكنها كثيرًا ما ترتبط وتتأثر لناحية شدّتها بنظرة الناس لهوية الضحية، ومن المؤسف أن تؤدي كثرة الحروب الناتجة عن فساد الأنظمة إلى "استسهال" فكرة الموت أولًا، وضعف التعاطف والتضامن بين الناس ثانيًا، خاصةً، الحروب الأهلية منها، التي تُجزّء المشاعر الإنسانية الأصيلة وتُحددها بحدود الهوية الفرعية. لكن كورونا، كما أسلفنا في مقال سابق لم يَعرف طائفة أو قومية، صغيرًا أو كبيرًا، شماليًا أو جنوبيًا أو غربيًا. لم تَتوزع الإصابات على نسب "المكونات" وفق ديمقراطية بول بريمر. يَبحث المواطنون عن إحصائية الإصابات في العراق كله. تُحزِنُهم زيادة الأعداد في أية محافظة، كما يُفرِحُهم نقصانها، سواء لدواعٍ وطنية أو إنسانية أو أنانية.

هل سَيهزم كورونا ما تبقى من الطائفية في نفوس البعض كما انهزمت شخصيات دعت إلى توزيع الموت على الطوائف بالتساوي؟

يُصنع التضامن بين البشر عبر القرابة الأهلية أو الدينية أو القومية أو المشتركات الاقتصادية، وتؤدي حالات الانهزام إلى إثارة "الضمير الشعبي"، فإذا كانت المصائب في العراق تُوزّع على أساس طائفي وقومي وجغرافي وطبقي ـ وإن كنّا لا نعتقد بذلك ـ ، فلماذا لا يُصنع التضامن بـ"المصائب الوطنية"، الجامعة المانعة، التي تشمل الجميع دون استثناء كفيروس كورونا؟

اقرأ/ي أيضًا: فيروس كورونا: العلاج باليوتوبيا!

لم تَعتمد الطبقة السياسية مبدأ المواطنة الذي ارتبط بالدولة الحديثة، في إدارتها للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكنها أُجبرت أن تعتمدها في التعامل مع كورونا، فهل سَيهزم كورونا ما تبقى من الطائفية في نفوس البعض كما انهزمت شخصيات دعت إلى توزيع الموت على الطوائف بالتساوي؟

يُمكننا استثمار فرصة هذا الوباء وتجربته الأليمة في ترسيخ شعورنا التضامني مع بعضنا على أساس المواطنة، التي هي العمود الفقري للمجتمعات الحديثة والأنظمة الديمقراطية العصرية، كما هي الترياق الفعّال ضد فيروس المحاصصة القاتل، فإن كان السبيل إلى تخلي الأحزاب السياسية والنخب الحاكمة وما دونها عن المحاصصة مستحيلًا، فعسى أن تَفرغ قاعدتها الاجتماعية عبر خروج التضامن والتعاطف والمساندة خارج حدود الهوية الفرعية. وأحد أسمى الأمثلة العملية لذلك هو حملات المساعدة والتبرع للعائلات المتعففة، التي تندرج تحت مسمى "التكافل الاجتماعي"، فهي تُعزز قيمًا إيجابية وتعزز من قابلية الناس على التضامن، إن كانت دوافعها دينية، عشائرية، اجتماعية، إنسانية، فضلًا عن الوطنية.

استجابة مُهمَلة

على المستوى الديني، تُعطي مثل هذه التجربة دُفعة من الطاقة لاجتراح تغييرات مفاهيمية على مستوى المؤسسة الدينية أو التدين التقليدي الشعبي، ورغم التزام غالبية المراجع الدينية المُعتمدة بتوصيات المتخصصين في الطب وخلية الأزمة الحكومية وإجراءاتهم الوقائية، وكذلك نسبة كبيرة من الناس الذين لم يجدوا إثمًا باختيارهم البقاء في البيوت على الذهاب إلى الجوامع والحسينيات والمراقد المقدسة، إلا أن شريحة من الناس مدعومة ببعض رجال الدين ومُعتلي المنابر لا زالوا عالقين في العصور السحيقة. إن خلط القلّة بين تحدي الأنظمة والجهات التكفيرية، أو الملحدين والعلمانيين، أو الطائفة الأخرى، في زيارة الأماكن الدينية، وبين تحدي وباء غير مرئي، وغير حي، ولا يستهدف المؤمنين دون غيرهم، أدى ـ بحكم لا عقلانيته ـ إلى جدل ونقاشات طغت على إبراز استجابة الأكثرية والتركيز على النموذج الإيجابي الذي قدمته المراجع والزعامات والمؤسسات الدينية من مختلف الطوائف. ولو كان يَحمل هذا التحدي شيئًا من المبررات المنطقية المُقنعة للجميع لما برَز هذا النقاش من الأساس، ويجب ألّا نقلل من أهميته، والأهمية الكبرى المتمثلة باستجابة المؤسسة الدينية لمتطلبات "الدولة" في قضايا حساسة لم تَفقد بعدُ حساسيتها. وعليه، يُمكن التعويل على هذه الاستجابة مستقبلًا في الكثير من القضايا المهمة، مثل أن تأخذ العلوم الطبيعية مجالًا واهتمامًا أوسع على جميع الصُعد، وفي "إيجابية" علاقة الدين بالدولة، وتثبيت قاعدة "حياة الإنسان المقدسة" على "عدميات دينية" مخلوطة بأفكار متطرفة لا ترى بالفرد المسلم إلا مشروعًا للموت في سبيل الجنة، في أرض لا سبيل لإصلاحها.

كورونا ضد الكونكريت

اعتاد النظام العراقي بعد 2003 على الاستجابة للأزمات والتحديات عبر تشكيل اللجان أو بالهروب منها!

هناك شرخٌ كبيرٌ بين صُنّاع القرار السياسي وبين غالبية المجتمع، يتحسسه كل من يقترب أو يستمع لما تُفكر به الطبقة الحاكمة في الكواليس. وبطبيعة الحال، عاشت عائلات وأقرباء وحواشي هؤلاء بمعزل عن معاناة الناس وقضاياهم جسدًا وفكرًا وشعورًا، من التفجيرات بالسيارات المفخخة والقتل على الهوية إلى تردي الخدمات مرورًا بالبطالة والفقر وليس انتهاءً بمشكلات المؤسسات الصحية. لكن كورونا لم يَتح لهم فرصة التمايز عن عامة الشعب كما تَفترض العادة، فالسفر إلى خارج العراق متعذّر فنيًا وعمليًا ونظريًا، والتجوال في الشوارع الخالية بسبب حظر التجوال لن يُخفف الوحشة عن النفس المنعزلة عن العالم.

ربما تَشغل فكر الحاكمين والمقربين منهم لأول مرة طرق الخلاص من المعاناة المُعتادة في العراق حين توصدت أبواب الدنيا. ربما ستشعر عائلاتهم المنعزلة بالخوف من انتقال العدوى إليهم حتى عبر الحمايات التي وفّرت لهم العيش الآمن داخل المناطق المحصّنة في ظروف الحرب والانهيار الأمني. ربما يُفكر المسؤولون في مصير عائلاتهم إن أصابهم كورونا واضطروا لمراجعة المستشفيات "المزرية" التي يتعالج فيها المواطنون، أو الحجر في القصور الفارهة الذي يبقى حجرًا.

كما ليست عائلات بعضهم في خارج العراق بمنأى عن الخطر العالمي، مع إضافة مشكلة صعوبة التنقل من وإلى العراق.

تَبرز ضرورة الاهتمام بالرعاية الصحية في مثل هذه الحالات حين لا يستطيع المسؤول حماية كل من يخصّه أو  إرسالهم إلى الدول الآمنة المتطورة كما في حالات أخرى. فالتفكير في ثروات البلاد كغنيمة يجب السطو عليها أشغل الطبقة السياسية عن التوجه السليم لرجال الدولة نحو تطوير البنى التحتية التي تشمل الأهل والأقارب والأصدقاء والجيران والحواشي، وحتى الناخبين، كما تَشمل عامة الناس.

لا يمكن للجدران الكونكريتية التي وضعت على الجسور لمنع المنتفضين من العبور إلى مناطق سكن وعمل المسؤولين أن تحميهم من الفيروس

إن طريقَ إدارة الدولة عبر تجاهل الشعوب والاختباء داخل المناطق المحصنة واستخدام القوة المميتة لقمع المتظاهرين المُطالبين بحقوقهم المنهوبة، واستخدام ثروات البلاد في "العيش الرغيد" للخاصة، دون توفير "العيش الكريم" للعامة، سيجدُ حائطًا في نهايته، كالكونكريت الذي أحاط السياسيون به أنفسهم وانعزلوا عن واقع المواطنين ومعاناتهم.

اقرأ/ي أيضًا: كورونا.. دروس في الدولة والإنسان

لا يمكن للجدران الكونكريتية التي وضعت على الجسور لمنع المنتفضين من العبور إلى مناطق سكن وعمل المسؤولين أن تحميهم من الفيروس.

اغسلوا أيديكم من الفيروسات والفساد. الكونكريت لا يحمي من كورونا.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

كورونا.. الديمقراطية بين قوسين

المؤامرة والعار في زمن كورونا.. نظريات أم فيروسات؟