ما هي أصنامنا الذهنية؟

ما هي أصنامنا الذهنية؟

يخلق الذهن الكثير من الأصنام دون أن يقبل بمساسها حتى في سبيل مراجعة الذات (تويتر)

الخطوة الأولى في تكوين هوية معينة تبدأ بـ"مسلمّة" يختلقها الذهن ويصادق عليها وهي: إن هذا الشيء "هو هو وليس غيره"، فمن هنا يتشكّل مبدأ الهوية، وتتشكّل معها أساطيرها ومخيالها: أن تتخيل هذا الشيء كهوية صلبة غير قابلة للتغيّر، أن تتخيل ماضيك وحاضرك ومستقبلك يتمحور حول هذه الهوية، أن تفهم الوجود انطلاقًا من هذه الهوية، لا بل أن يتحوّل شخص ما إلى مرآة لهذه الهوية، فلا يمكن فهم الذات إلا من خلال هذا الشخص الذي تكوّنت هويتي من خلاله!. فمن هذه الناحية  تغدو أفكار وسلوكيات هذا الشخص "هو هو"، أي هويتي المتعيّنة، ستكون كل أفعالي طقوسًا، وكلماتي صلاةً لهذا الشخص "هويتي".

لم يأتِ التقديس من فراغ؛ فلا يكفي الفهم الفلسفي لكيفية نشوء الهوية وملحقاتها التقديسية، وإنما تلعب الظروف الاقتصادية والسياسية والثقافية دورًا محوريًا في تشكيل هوية الأفراد والمجتمع 

إنها حالة من حالات التصوّرات المزيفة حول الذات والآخرين. إن التقديس لم يأتِ من فراغ؛ فلا يكفي الفهم الفلسفي لكيفية نشوء الهوية وملحقاتها التقديسية، وإنما تلعب الظروف الاقتصادية والسياسية والثقافية دورًا محوريًا في تشكيل هوية الأفراد والمجتمع بشكل عام. لكن عموم الناس لا يهمها البحث عن جذور هذه المعضلة لأنها ليست إشكالية في نظرهم، بل هي امتداد لوجودهم؛ وجودهم غير معني بحياة اجتماعية سويّة ولا بنظام يؤمّن لهم حرّياتهم السياسية والاقتصادية، بل يكافحون عمّن يؤمّن لهم هوياتهم المتخيلة المسكونة بالألفة، عن أساطيرهم الشخصية وتصوراتهم المزيفة، عن ذواتهم المنحوتة بأحلام اليقظة وانعكاساتها الهائلة. فمن هنا تتسع دائرة التبرير. بالطبع لا يتوقف الموضوع على التقديس المجرد فحسب (فمتى كان التقديس مجرّدًا؟!)، وإنما يصل إلى مدياته القصوى من خلال إفناء الجسد وإعلان الموت حبًا بهذا الشخص الذي شكّل هويتنا الفردية، إننا نتصور ونرى ونفعل طبقًا لوجوده فينا!. وجوده الذي ينوب عن وجودنا، فهذا الأخير غامض قياسًا إلى وجود الآخر الواضح كل الوضوح في أذهاننا، ذلك إن صنم الآخر أجلى من صنم الذات التي يرعبها غموض وجودها فتستكين بوجود الغير كبديل لهويتها الشخصية، فتتفرع من هنا وبالذات ثنائية السيد والعبد.

اقرأ/ي أيضًا: مدن العشوائيات "المقدّسة"

المسألة هنا وبدقة؛ أن تصنع لك تصوّرات كاملة تبرّر أفعالك وأقوالك، وتعطيها لاحقًا صيغة "فلسفية" لتخدع ذاتك أن ما تفعله سليمًا ومحقًا. والأخطر من ذلك حينما يتناهى إلى سمعك مثل هذه العبارات فتستثني نفسك فورًا لتخليص الذات من أي تهمة قد تتوجه لها. إنها آلية هرب مخادعة تلفّها الذات على نفسها لتبقى آمنة من الانكشاف. الانكشاف من ماذا؟ من إننا كاذبون ونحاول أن نعطي لأكاذيبنا صيغًا علميةً؛ ما عليك سوى اختيار صيغ ذات طابع عمومي، أو تتناسب مع مزاج الرأي العام، من قبيل، الجهل منتشر بين الناس، أو أن المجتمع صعب التغيير، فلنستمتع بما تبقّى من الحياة، أو تنتخب ذاتًا تنوب عن ذاتك وتمنحها جوازًا "شرعيًا" لسلب حياتك متى شاءت.. في هذه اللحظة يمكنك أن تمرّر أكاذيبك وتبعث رسائل اطمئنان للذات من أن كل ما تفعله صحيح.. بهذه الطريقة يجري تبرير الكثير من جهلنا المغلف بـ"الحقائق".

لم تعد الحقيقة هنا موضوع البحث، وإنما محاولة العثور على نقطة مرجعية تحاكي أوهامنا، مرآة صقيلة تعكس بدقّة نفاقنا الذهني وتقلباته النفسية. لا يقتصر هذا الأمر على الهوية الفردية، بل يتعداه إلى النظم السياسية التي تكافح في تكوين هويات سياسية صلبة. على سبيل المثال، استطاع جماعة الخضراء أن يعزفوا على وتر الهوية الطائفية فترة من الزمن، وبما أن الناس صمّمت وجودها كليًّا على هذه الهويات، وترى أن الهوية المذهبية "هو هو وليس شيئًا غيره"، ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فتبرّع الناس للذود عن هذه الجماعة، فكانت أيام كابوسية لم يحصد منها أنصار جماعة الخضراء سوى الدم المسفوح والدموع.

 وعلى مستوى النظام العالمي والقوى المهيمنة فيه، استطاعت أمريكا إقناع الشعب الأمريكي الطيب، أن ما تفعله من ترويع في "حروبها الإرهابية" هو لنشر الديمقراطية، فصدّق الشعب الأمريكي على ذلك.  لقد تمكّنت أمريكا بماكنتها الإعلامية الجبارة أن تبني هوية ذات أصول اعتقادية صلبة للغاية وأهم هذه الأصول: إننا نحارب من أجل دحر الإرهاب ونشر الديمقراطية.

في العراق لا تقتصر الهوية على الدين أو المذهب، بل هي متوزعة بشكل غريب: هويات فرعية تنشطر من داخل المذهب نفسه! تعتاش على عبادة الأشخاص، وهويات عشائرية تتنافس حد التقاتل فيما بينها، وهويات مناطقية تتخذ، أحيانًا، من البعد الطبقي ملاذًا للتميّز، ومن البعد الطائفي ملاذًا آخر عند الحاجة، لكن هذه المرة ملاذًا للأغلبية الطائفية، حتى لو كانت هذه الأغلبية لم تحصل على مكاسبها السياسية والاقتصادية، لأن قاموسهم الهوياتي لا تتوفر فيه هذه المكاسب الغريبة!. فلا بدّ أن يبقوا أوفياء لهوياتهم، ما نوعية هذا الوفاء: أن يهبوا حياتهم بالمجان متى ما شاءت هوياتهم، أن يبقوا أوفياء لعيشهم في مدن الموت الفقيرة، وأخيرًا، أن يبقوا بناة أشدّاء لأصنامهم الذهنية، فهذه الأخيرة تمثّل وجودهم "المقدس".

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

سؤال الهوية الوطنية في حمّى "التحاصص" الطائفي

حوار| محمد غازي الأخرس: الهوية العراقية إشكالية عابرة للزمن