11-أبريل-2020

إدانة الاحتلال الأمريكي للعراق صارت ترفًا في نظر الكثير (فيسبوك)

ثمّة علاقة تكاملية مثالية حدثت في احتلال العراق: دولة محتلة لم تمتلك أدنى خطة لبناء البلد  بشهادة الأمريكان أنفسهم و"نخب سياسية" تعاني من كراهية شديدة من حقيقة اسمها بناء المؤسسات، كما لو أنها تطلب هذا البلد وتاريخه ثأرًا غامضًا، وشعب لم يشهد استقرارًا سياسيًا طيلة عقود وتتفشى فيه العدمية السياسية بشكل يدعو للقلق. وكانت النتيجة مثلما نشهدها اليوم: بنية تحتية منهارة، ومحاصصة طائفية تقسم الشعب العراقي إلى ثلاثة شعوب! وفساد سياسي وإداري لم يشهده العراق طيلة تاريخه الحديث. لا يختلف العقلاء على هذه المقدمة السريعة؛ فالغرب والشرق بكل مؤسساته البحثية أدان احتلال العراق، وأدان السياسات الحمقاء التي اتبعتها الولايات المتحدة في العراق.

ترك الاحتلال الأمريكي بنية تحتية منهارة، ومحاصصة طائفية تقسم الشعب العراقي إلى ثلاثة شعوب وفساد سياسي وإداري لم يشهده العراق طيلة تاريخه الحديث

 أما المصابون بمتلازمة ستوكهولم، ينتابهم شغف لذيذ وبهجة مُحَّبّبّة لأتيان الحقائق من أدبارها! ليعلنوا أن الشعب العراقي هو السبب الجوهري، لأنه شعب لا يفهم الكيفية التي يحدد بها بوصلته الوطنية! أو الأحزاب هي السبب الجوهري لأنها لم تساير المحتل في سياساته، باستثناء أمريكا فهي سبب السعادة الجوهرية! فلو فهمناها جيدًا لما حصل الذي حصل. وينبغي أن لا نقلل من قيمة هذه الآراء من جهة أنها تحظى بجمهور غفير. وهذا الجمهور لا يحصر سمومه في الحالة العراقية بل يحلو له أن يستبيح لخياله ما يشتهي ويتمنى.

اقرأ/ي أيضًا: من أجل المستقبل.. ما ينبغي ولا ينبغي في 9 نيسان

ضمن هذه المعادلة السخيفة، تغدو كل الشعوب التي حطمتها الولايات المتحدة وغزتها بعقر دارها وأشاعت الإرهاب فيها، تستحق ذلك: الشعب الياباني يستحق القنبلة الذرية، الشعب الفيتنامي يستحق تلك الحرب الطاحنة، الحصار الاقتصادي المنحط يستحقه الشعب العراقي. وتشريد الشعب الفلسطيني "استحقاق"، لكن هذه المرّة ليس استحقاقًا من الله، حسب السردية الدينية، بل من أرباب الديانة الجديدة وعبيدها الجدُد.. وهكذا إلى أن نصل، ضمن "نظرية الاستحقاق" هذه؛ إن ثلاثة أرباع الكرة الأرضية تستحق ما يحدث لها. لكن لو توخّينا الدقّة: إن تاريخ الاستعمار لشعوب العالم الثالث مستثنى ويأتي بالدرجة الثانية من لعنات العبيد، المهم هنا أن يستثنوا معاناتنا من صلواتهم وتطبيلهم.

والأهم من ذلك أنّهم يكرهون السعودية، لكنّهم لا يكرهون من يُسيّر السعودية، يكرهون طالبان، ولا يكرهون من جنّدهم. يكرهون مقاومة الاحتلال، لكنّهم يحبون الحرية! ما عدا ذلك كل ما يجري هو استحقاق للعرب.

 وقد كانت حصة احتلال العراق من هذه السردية المشوهة كبيرة للغاية، بل إدانة الاحتلال تغدو ترفًا في ضمير هؤلاء؛ فهم يماثلون، في نظرتهم للحضارة الغربية، بين السياسي والمثقف الحر على حد سواء، بمعنى أنهم يماثلون بين الغرب السياسي والثقافي. فليس غريبًا أن نسمع الكثير من الأصوات النشاز التي تعلمنا بأخذ أسباب التقدم من الغرب حتى لو كانت عن طريق الطائرات المسيرة! ويطالبونا بنسيان الماضي، لكن ماضي الحضارة العربية الإسلامية مستثنى من فضيلة النسيان!

لا زالوا يذكرونا، مثلًا، إن الإسلام دين جاء بالسيف والاحتلال، أما الحروب الوحشية التي خاضها الغرب ضد الشعوب الضعيفة في تاريخه القريب لا يحق لنا أدانتها ولو بالكلام فقط! هؤلاء أنفسهم يذكرونا اليوم بأننا "دقة قديمة" وعلينا أن ننظر للأمام، ونحن منذ زمن طويل ننظر للأمام ونتمنى أن تحين اللحظة المناسبة التي يعاملنا بها الغرب السياسي معاملة عادلة وطبيعية تجري ضمن السياقات المعروفة، لكن حتى هذه اللحظة لا شيء سوى الدمار والخراب، ليس لشيء سوى إننا نسكن هذا المشرق العربي الذي عليه دفع الثمن إلى أجل غير مسمّى.

إدانة الاحتلال الأمريكي للعراق صارت ترفًا في نظر الكثير، وهي تأتي ضمن سياقات مشوهة ومتداخلة ببعضها

إن البحث عن الأسباب والمقدمات التي أوصلتنا إلى هذا الكابوس لا يتم عن طريق الرغبات، فالحقائق الموضوعية أوسع بكثير من رغباتنا الصبيانية. الجهلاء يتمتعون بإطلاق الأحكام عن طريق النتائج، بينما يتصرف العقلاء طبقًا للمنطق العلمي الذي يحثهم على تجميع أكبر معطيات ممكنة لتفسير الظواهر. من الغباء أن نحصر مصيبتنا بالشعب (وتلك نغمة محببة من دون كل النغمات!)، فالقضية أعقد بكثير من هذه الأحكام المجحفة. فاختيار حلقة واحدة من سلسلة طويلة ليس له تعبير سوى أنه عبث، عبث ربما يجد مبرراته الواسعة للغاية بسبب العدمية التي تفتك بنا وانعدام النموذج الذي نحلم به لكنه لم يتحقق بعد.

 

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

عبد المجيد الخوئي.. صورة الضحية

ذكرى غزو العراق.. هل منحت واشنطن خامنئي ما لم يحلم به الخميني؟.