معسكر القبيلة

معسكر القبيلة

نحن أسارى بيد الذهنية القبلية السائدة (فيسبوك)

في حوار جرى بيننا على صفحتي الشخصية أكد صديقي أن العشائر لم تعد بتلك السطوة السياسية والاجتماعية. لقد انتهى أمرها بيد الأحزاب بها  تحكم وتتلاعب بقوتها كيفما تريد. ولم تعد العشائر محركًا سياسيًا واجتماعيًا في العراق، ولا يمكن العثور على حركة تمرّد ذات صبغة عشائرية. لا إقطاعيين ولا ملّاك أراضي يتحكمون بالسلطة التشريعية، ولم يعد الأمر على ما كان عليه في عهد الملكية، إذ لم يكن من المستغرب في حينها أن تجد نائبًا أميًّا يشغل مقعدًا في مجلس النواب. ولا تجد تنظيمًا يتكوّن خطه الأول من الملّاك والأغوات والإقطاعيين كما فعل نوري السعيد إيمانًا منه أن هؤلاء يشكّلون طبقة مهيمنة، ومن الضروري أن يتصدروا الواجهة في الحكم السياسي. لا توجد لدينا أحلاف عشائرية تُعتبَر القوة الضاربة في الدولة العراقية، ولا تشكّل عنصر تهديد في أطراف البلد، والدولة الحالية ليست مضطرة لشق عصى القبائل وتقطيعها إلى أفخاذ وتوزيع الأراضي على المنشقين لغرض توطينهم وكسب ولاءهم. ولضمان عدم زعزعة الأمن في الأطراف كما انتهج العثمانيون هذه السياسة في حينها. حتى الاحتلال الأمريكي، لم يعتمد على العشائر كحلف مضمون كما فعل سلفه البريطاني. لقد ولّى زمن الشيوخ والإقطاعيين يوم كانوا قوة توازي قوة الجيش بالعدة والعدد، ويمكنها إسقاط الملك لولا قربه من البريطانيين! باختصار: لقد انتهت القبائل كونها قوة مهيمنة.

الفرد العراقي لا يُعرّف بمواطنته وإنما يُعرّف بقبيلته العزيزة على قلبه أكثر من أي شيء آخر

غير أن وجهة النظر هذه، لا تلمس سوى سطح الأحداث، وتنظر للقبائل كتشكيلات انتهت هيمنتها السياسية والاجتماعية بشكل عام، ولا ينظر لها كطريقة تفكير ظلت سائدة حتى هذه اللحظة. بعبارة أخرى، أن النقاط المرجعية لطرق التفكير والسلوك في المجتمع العراقي لا زالت تتقاسمها سلطتا الطائفة والقبيلة. ولا نعثر إلّا على فئات اجتماعية ضعيفة التأثير خارجة عن هذه الثنائية. وكلما تحركت هذه الفئات ستصطدم بقوة الاستبداد الاجتماعي المتشكّل أصلًا من السلطتين أعلاه؛ فأنت أما فرد منصهر بجماعتك الطائفية أو القبلية. أما العابرون لهذه الثنائية لا يشكّلون ظاهرة اجتماعية قائمة لها سماتها الخاصة والمحددة. وعلى الرغم من توهمنا لكثرة العابرين لهذه الثنائية، غير أن التجارب العملية الملموسة تقودنا إلى نتائج معاكسة ومخيبة للظن. وبالطبع لا نسعى هنا إلى محاكمة أو تعنيف  للفئات الاجتماعية الأخرى، بقدر ما نسعى لتوضيح القوى الاجتماعية الأكثر تأثيرًا على الواقع السياسي والاجتماعي، والساعية باستمرار لتشكيل الواقع طبقًا لصورتها؛ صورة القبيلة، والطائفة، والعائلة. وما عدا ذلك لا نعثر على قوة موازية سوى فئات تحجز لها مكانًا في الهامش رغم محاولاتها الدؤوبة للتمايز الاجتماعي. لا زالت القوى الاجتماعية المهيمنة تعيد إنتاج نفسها في صلب الأحداث، وتشغل المراكز المهمة في مؤسسات الدولة العراقية. ومن هنا لا نستغرب، مثلًا، استمرارية كتابة لقب العشيرة في هوية الأحوال الشخصية، ذلك أن الفرد العراقي لا يُعرّف بمواطنته وإنما يُعرّف بقبيلته العزيزة على قلبه أكثر من أي شيء آخر. إن البنى التحتية للتفكير وصيغ التفسير السائدة لا زالت حتى الآن مأسورة بأغلال الشيخ.

اقرأ/ي أيضًا: فزاعة العشيرة العراقية.. سيف المحاصصة المشهر

لذلك يحق لي الزعم وتأكيد هذه البديهية: إن "المجتمع" العراقي لا يندرج في عداد المجتمعات الحديثة ولا يخضع لتقسيماتها، من قبيل، التنظيمات الحزبية، والنقابات، والهيئات، والمؤسسات، وغيرها. وبتعبير آخر، لا يوجد مجتمع مواطني يميّز نفسه عن سلطة الدولة بقدر ما يوجد مجتمع تقليدي قائم على أواصر القربى. وعلى ما يبدو أن هذه التنظيمات السياسية المتوفرة في العراق خالية من كل مضمون، ولا علاقة لها بقيم الدولة الحديثة، وإنما هي شديدة الصلة بالسلب والنهب والصراع على السلطة واحتقار كل ما يمت للدولة الحديثة بصلة. فمن هنا تكتسب هذه الجماعات قوتها وهيمنتها على المشهد السياسي والاجتماعي. لا يمكن وصفها بـ"النخب"، ذلك أن هذه الأخيرة ينبغي أن تكون متقدمة نوعيًا من حيث الرؤى والتطلعات عن طرق التفكير السائدة، في حين نجدها متماثلة تماثلًا تامًا مع المجتمع، أي لا تتمتع بأدنى ميّزة تؤهلها لهذا التوصيف المتقدم. إنها تنظيمات تتماثل مع مجتمعها حد التوحد في الفكر والسلوك، ولا تحظى بالحد الأدنى من التفرّد، لأن تركيبتها الذهنية والنفسية لا تختلف عن أي فرد من أفراد المجتمع. بل أطرف من ذلك، سنجد النخب الحقيقة والمتقدمة نوعيًا، مثل الخبراء، والمثقفين، والأكاديميين، لا يشكّلون أدنى تأثير يٌذكَر، بسبب المناخ الشعبوي السائد الذي يستمد أصوله الفكرية والنفسية من سلطة الطائفة والعشيرة. الأمر هنا مقلوبًا كما نرى، ومن يشكك في هذه المعادلة الغريبة، يمكنه مشاهدة الكرنفال الانتخابي القادم ويقارن بين مرشحَيَن، أحدهما بروفسور والآخر شيخ قبيلة، ليكتشف بنفسه من سيحصد الأصوات!

لكن، كيف استطاعت هذه القوى الاجتماعية المهيمنة المضي قدمًا بدون أحلاف عشائرية واضحة كما السابق؟ إن الإجابة على هذا السؤال يقتضي منّا فهم عقلية الفرد العراقي وطرق التفكير السائدة لديه، ربما سنعثر على حقيقة مفادها: إن الجماعات الدينية، حتى وإن ارتدت لباس التقوى وتمسكت بأذيال المذهب، وضحّت من أجله،  فبالتحليل الأخير سنجد أن طرائق تفكيرها وسلوكياتها لا تنفصم عن الروح القبلية، فالمتدين يفضل شريعة العشيرة على شريعة الدين، ويفضل "فقه" العشيرة على فقه القانون الديني أو المدني. ومن النادر الاحتكام، في القضايا العشائرية، إلى سلطة القضاء، أو سلطة الدين، إذ يبقى المشرع العشائري هو السلطة التشريعية الأولى حتى وإن احتكم الفرد إلى سلطة القانون. إن القانون المدني لم يستطع لحد الآن أن يحل محل القانون العشائري، والنزاعات العشائرية خير شاهد على ذلك؛ لا يحق لأحد التدخل في فضها سوى "النخبة" العشائرية التي لديها ما يكفي لفض النزاعات، وسيبقى حق الثأر ساري المفعول حتى لو أخذ القاتل القصاص العادل، فحق العشيرة لا يسقط بالقانون المدني.

 أن الأيديولوجيا الاجتماعية بعمومها لا تشذ عن التفكير القبلي، ذلك أن البنية التحتية للتفكير السائد لم تحدث قطيعة تامة مع أنماط التفكير والسلوك الماضية. وخصوصًا أن واقعنا البائس يتمتع بإغراءات كافية لارتماء الفرد في أحضان العشيرة ويشجعه للتمرد على كل ما هو مدني إن وجد! يظهر من كل ذلك، أن الحركة الشعبية المعارضة لحكومة الفاسدين متأثرة بنمط التفكير العشائري، بشكل وبآخر، ولم تتخلص منه. وأقصد هنا بالتحديد طريقة التفكير؛ التمرّد، اللاعقلانية، فشل العمل المنظم، والصراع على مراكز القرار. إنها تخضع، لا شعوريًا، لسلطة الشيخ، وتتشبّه بمجتمعات ما قبل الدولة، لأنها ترفض كل أشكال التنظيم الحديثة، وترفض المشاركة الفعلية في السياسية، بل هي ترفض السياسة على الإطلاق! وهي بذلك تبرهن لنا أن نمط تفكيرها لا يختلف كثيرًا عن نمط التفكير أعلاه، حتى وإن ارتدت الجينز والأحذية اللماعة والقمصان الملونة.

ولكي تتمايز هذه الفئات الاجتماعية التي تتخذ من "العقلانية" شعارًا لها، ينبغي لها إحداث قطيعة حقيقية مع طرق التفكير السائدة في المجتمع العراقي، هذه الطرق المُكَبّلَة في العمق بأنماط التفكير والسلوك القبلي. رغم قساوة هذا التوصيف، لكنّه لا يعد عيبًا أو مثلبة في مجتمع يتوارث ذات البنية الفكرية والنفسية منذ عقود، والسبب واضح وجلي، ويرجع لطبيعة النظم السياسية التي توالت على حكم العراق، ونمط الإنتاج المتجه دومًا إلى الريع، وغياب للطبقة الوسطى، وفلسفة الحكم التي تتبنى الصيغ الرعوية لإدارة الدولة، فتجرد الأفراد من مواطنتهم وتحولهم إلى قطيع يدار من قبل الراعي. إذن لا توجد مقدمات مقنعة تدفع باتجاه القطيعة مع الماضي، ما يوجد هو  ذات الجوهر، لكنه يتمظهر بكيفيات مختلفة.

الخطوة الأكثر واقعية هي الانخراط في العمل السياسي، والتمرن على هذه الفضيلة المهمة

لا بد من الإشارة هنا، أن الكلام لا يطال الأفراد، وإنما يسلّط الضوء على المجتمع بعمومه، ذلك إن الأفراد، وسط ثقافة شعبوية تتخذ من الحماس والغرائزية والفوضوية شعارًا لها، لا يمكنهم تحريك ساكن ولا تسكين متحرك! ولعل الخطوة الأكثر واقعية هي الانخراط في العمل السياسي، والتمرن على هذه الفضيلة المهمة، ولا أحد يدعي أن الحياة ستغدو وردية وخلّابة، بل ستتخللها عثرات ليست بالقليلة. لكنها خطوة لا بد منها لنجرب أنفسنا هناك. إن السياسة هي الحقل الأصدق والمختبر الدقيق للبرهنة على صحة شعاراتنا. لذلك، حينما تصل إلى السلطة وتنخرط مع الجماعة سنرى أفعالك الحقيقية: هل استطعت أن تتحرر من أغلال القبيلة أم لا زال الشيخ متواريًا في إحدى زوايا عقلك؟ هذا هو التحدي الأبرز لنحجز لنا مكانًا مختلفًا بعيدًا عن أهواء الطائفة والقبيلة، وبخلافه فنحن لا نختلف سوى بالشكل، أما في المضمون فنحن أسارى بيد الذهنية السائدة في المجتمع العراقي، والطريق طويل بلا شك.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

"نخاسة العشيرة" فوق الدين والقانون.. لماذا تنتحر النساء؟

يد القبيلة الخفية في العراق.. خزان السلطة الموازية