مليونية انتخابية علمانية

مليونية انتخابية علمانية

تجتهد حاليًا فرق شبابية لتأسيس كيانات سياسية مدنية علمانية (Getty)

مطلع عام ٢٠١٨، وقبل الانتخابات البرلمانية التي انتهت لصالح تحالفي "سائرون والفتح"، كان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر قد دعا إلى "مليونية انتخابية إصلاحية"، وكانت هذه دعوة لتياره ومناصريه للالتحاق بمراكز الاقتراع في عموم العراق والتصويت لصالح تحالفه "سائرون" حتى حصل على المرتبة الأولى، وما خسر غير العراقيين، وتحديدًا العلمانيين.

تجتهد حاليًا فرق شبابية لتأسيس كيانات سياسية مدنية علمانية، وقد حصلت على تزكيات من خيم المعتصمين بميادين الاحتجاجات 

كان الحزب الشيوعي ـ سامحه الله ـ وبعض الحركات السياسية المدينة قد تحالفوا مع الصدر، ودخلوا الانتخابات البرلمانية سوية، ولم يحصل الماركسيون غير مقعدين اثنين في مجلس النواب، لكن الصدريين حصلوا على أكثر من 50 مقعدًا، وكانت نتيحة ما حصل عليه الشيوعي العراقي مع كل الحركات المدنية، صادمة حقًا، حتى مع تحوَّل العلمانيين في العراق قبل انتخابات 2018 إلى مناهضين للانتخابات، إلا أنها شكّلت صعقة للجميع، وهو ما فرح لأجله الكثير من العلمانيين الذين رفضوا التحالفات السياسية جميعها، وأعلنوا أنهم "مقاطعون".

اقرأ/ي أيضًا: حلم التغيير وشروطه الغائبة

كان العلمانيون متهمون بأنهم مملون من جهات خارجية ودولية ومخابراتية وماسونية وسعودية وأمريكية وبعثية.. الخ، لتهشيم الهيكل الكارتوني الذي اسمه "العملية السياسية في العراق" عبر مقاطعة الانتخابات والتحالفات "المدنية" التي أسسها شيعة وسنة السلطة، إلى أن جاءت ثورة تشرين 2019 بقيادة الجيل العلماني الحقيقي الرافض لكل أشكال التحالف مع أحزاب قديمة، لا سيما الدينية، بل وحتى المدنية وبضمنها الحزب الشيوعي الذي خذل العراقيين بتحالفه مع التيار الصدري، ثم ما لبث حتى انسحب منه، وهو الآن وحيد، ولأن الثورة علمانية، فهي متهمة بذات التهم التي تعرض لها العلمانيون القدامى.

المهم، تجتهد حاليًا فرق شبابية ـ عراقية خالصة ـ لتأسيس كيانات سياسية مدنية علمانية، وقد سمعنا أن هذه الفرق حصلت على تزكيات من خيم المعتصمين بميادين الاحتجاجات في أكثر من محافظة. هذه الكيانات الجديدة، لا يمكن لها أن تخدع الشعب، إذ بات من السهل كشف أي مخططٍ أو حيلةٍ سياسية من قبل العراقيين، قبل مراحل طويلة من الإعلان عنها، فالعراقيون لماحون أشقياء، وثورة تشرين ليست عادية، فقد علمتهم أن ظهر وما بطن.

ستعمل هذه الفيالق العلمانية الجديدة، على تجهيز المرشحين الجدد، وتأنيقهم، للمرحلة المقبلة، وقد أصبح لدى الثوار في ساحات الاحتجاج، قناعة شبه تامة بأن الفوضى بالتظاهر وسوء التنظيم لا يخلف سوى دماء جديدة وضحايا جدد، يموتون بدمٍ بارد، دون أي اهتمام، لذا فالتوجه نحو مضايقة ومزاحمة الأحزاب القديمة، فاقدة الشرعية والجماهير، هو الخيار الأكثر إيلامًا وقهرًا على الكيانات السياسية الدينية، وهو ما يحتاج إلى مساندة علمانيي العراق الذين اعتزلوا الانتخابات بسبب نكسة الحزب الشيوعي، والعودة مرة أخرى إلى مشاهدة الجيل الجديد القادر على منافسة الكهول في السلطة.

تُنسب مقولة "كل شعب في العالم ينال الحكومة التي يستحقها" إلى ونستون تشرشل، وتبدو في أحيان كثيرة تنطبق على العراق قبل ثورة تشرين 2019، ولكنها حتمًا غير منطقية بعد الثورة، إذ لا يمكن القبول بحكومات المحاصصة في المرحلة الجديدة، فالجيل الثائر في ساحات البلاد خطير، ولن يقبل بهمام حمودي وسليم الجبوري ومن على شاكلتهم. الثوار يبحثون الآن عن العلماني الواضح، صاحب السيرة غير المتقلبة، وأنهم يريدون الشخصيات التي لم تغادر العراق في أزماته، وهذا الجيل الذي يتخذ من صفاء السراي مرجعًا سياسيًا وعقائديًا لن يرضى بمثل آل النجيفي وآل علاوي وآل الصدر وآل الحكيم، ولا حتى آل برزاني وآل طالباني.

الجيل الذي يتخذ من صفاء السراي مرجعًا سياسيًا وعقائديًا لن يرضى بمثل آل النجيفي وآل علاوي وآل الصدر وآل الحكيم

أي كيان سياسي علماني جديد، سينجح في الانتخابات المبكرة التي ينتظرها العراقيون، حتى وإن شنت فضائيات ووكالات الأحزاب وجيوشها الإلكترونية حملاتٍ بالملايين ضده، بل حتى وإن اختلف بسببها العلمانيون أنفسهم، لأننا في العراق صرنا متأكدين أن خراب بيتنا يشترك فيه المثقفون قبل الجهلة، وهذا النجاح المأمول لن يحدث دون "مليونية"، وإن التغيير النوعي الذي يُطالب به المنتفضون، لن يحدث دون مشاركة سياسية، وإن الهتاف وحده لن يؤدي غرضه.

اقرأ/ي أيضًا: المقاومة والسلطة.. معركة النفور المتبادل

والنظام الحاكم في العراق، بما فيه من أحزاب تدعي التكرّد والتسنن والتشيع، الذي "يحمي نفسه تحت ستار التقوى الزائدة" كما يقول إدموند بيرك، لم يخف منذ 17 عامًا من أي شيء، حتى من تنظيم "داعش"، بل أنه يخاف من الأحزاب الفتية والفكر الجديد الذي سيزيحه، وأن "الرعب لدى مسؤولي وسياسيي المنطقة الخضراء" كما أكده زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، لم يكن ليحدث لولا صفاء السراي وثائر الطيب وفاهم الطائي وأكثر من 600 شهيد آخرين، وإزاحة النظام لن يُنجز، إلا بمليونية انتخابية علمانية.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

التنظيم السياسي.. وقاية من الدكتاتورية المضادة

صفاء السراي.. هذه قِبْلَتنا