16 عامًا على

16 عامًا على "سقوط بغداد".. الخراب أيقونة للماضي والمستقبل

لم يحقق الغزو الأمريكي للعراق أيًا من الأهداف التي تحدث بها، وإنما دمّر البلاد فقط (Getty)

يمكن لأي عين فاحصة أن تعود إلى الوراء كثيرًا، سيما في عصر المعلومات والتكنولوجيا، وتصادف تفاصيل تفوق ما قد التقطها شاهد على ذلك، فإعادة قراءة ما مضى تكون أجدى بعد انقشاع الغبار وانخفاض الصخب. لكن أكثر العيون الفاحصة أو المطالعة حيادية يمكنها أن تغرورق دمعًا خارج إرادتها، كما حصل مع مذيع نشرة الأخبار محمد كريشان في قناة الجزيرة يوم التاسع من نيسان/أبريل عام 2003، عندما خنقته العبرة وهو يتلو خبر دخول الدبابات الأمريكية إلى شوارع العاصمة بغداد، قبل 16 عامًا من اليوم.

احتلال أم تحرير؟

رغم المدة الطويلة التي مرت، لم يقلل الزمن من تعقيد معنى ما حصل. فحتى الآن يوجد عدد منظور من ذوي الرأي سواء كانوا صحفيين أو نخبة مثقفة تنظر إلى ما جرى في ذلك اليوم بوصفه تحريرًا تُشكر الولايات المتحدة عليه، بعد أن جاءت بنحو نصف مليون مقاتل إلى العراق وأسقطت نظام البعث الدكتاتوري، مقابل مجموعة أخرى تسمي الوجود العسكري الأمريكي في العراق احتلالًا، بعضهم كان هذا رأيه منذ البداية وبعض نمّى هذا الاعتقاد بمرور سنوات الخراب الـ16.

بات من يؤيدون الاحتلال الأمريكي بوصفه تحريرًا قلة وعلى استحياء لأنهم يخشون من ردات الفعل بعد أن ذاق العراقيون ثمرة ما يسموه بـ"التحرير" 

الكاتب والصحفي العراقي مروان الجبوري، يرى في حديثه لـ"ألترا عراق" أن "أعداد من يتبنون رأي التحرير ويصرحون به كان أكثر  خلال سنوات الاحتلال الأولى، أما اليوم فقد بات من يعلنونه قلة وعلى استحياء، فقد أصبحوا يخشون من ردة فعل من حولهم أو من نظرة المجتمع إليهم، بعد أن ذاق العراقيون ثمرة "التحرير" هذا".

ويقسم الجبوري دوافع المعتقدين بفكرة التحرير وفق رؤيته إلى ثلاثة، قائلًا، إن "بعضهم كان يتعامل مع الموضوع من منطلق طائفي أو قومي، فسقوط نظام صدام كان يمثل إعدامًا للمعادلة الظالمة التي حكمت العراق تاريخيًا بالنسبة لهم، والولايات المتحدة وفقًا لهذه الرؤية لعبت دور المحرر الذي خلصهم من سلطة ذات جذور عربية سنية، وإن كانت علمانية أو قومية".

أما المنطلق الثاني لأصحاب نظرية التحرير بحسب الجبوري فكان: "التخلص من حكم دكتاتوري أتى على أخضر العراق ويابسه، بسبب سياسات حمقاء ورعناء جرت على البلاد حروبًا طاحنة وحصارًا اقتصاديًا وجوعًا وعزلة عن العالم"، فيما يشير إلى أن المنطلق الثالث والأخير هو شخصي تمامًا، موضحًا أن "الاحتلال فتح الباب لهم كي يتسنموا مناصب لم يكونوا يحلمون بها، ومكنهم من مفاصل الدولة ووضع أيديهم على خزائنها، إضافة إلى الذين كانت بينهم وبين رأس النظام السابق أو أركان حكمه أو حزبه ثارات استطاعوا تصفيتها عن طريق الأمريكيين".

اقرأ/ي أيضًا: غزو العراق.. تفتيت الهوية وإفقار الشعب في رحلة الكذب الأمريكي

لكن استاذ الأدب العربي في جامعة سامراء، أحمد الظفيري يرى ببساطة أن تسمية التحرير لسقوط بغداد بيد القوات الأمريكية ضرب من الغباء، قائلًا في حديثه لـ"ألترا عراق" إنه "بعد كل ما جرى في العراق خلال 16 عامًا أجد من الغباء أن أحدًا ما زال يعتقد أن ما فعله الأمريكيون هو تحرير".

ويعزو رأيه إلى أن "الإدارة الأمريكية اعترفت بنيتها المبيتة لاحتلال العراق لأسباب عديدة منها اقتصادية وسياسية"، مضيفًا "أعتقد أنهم لن يغادروا الأراضي العراقية بسهولة سواء بوجود قواعدهم العسكرية أو بوجود أعداد موظفيهم الغفيرة في السفارة الأكبر عالميًا، فضلًا عن وجود شركاتهم واستثماراتهم التي باتت تشكل ركنًا ثابتًا يتحكم بعمق الحكومات العراقية المتعاقبة"، منوهًا أيضًا إلى أن "القوات الأمريكية استبدلت طاغية عراقيًا واحدًا بمجموعة كبيرة من الطغاة ولم تستقدم أو تستعن بأية شخصية وطنية عراقية بل جرى استبعادهم وترهيبهم على مرأى ومسمع من القوات المحتلة".

يأس خالص!

في خطاب لرئيس الوزراء السابق حيدر العبادي خلال الجلسة الأولى لمجلس النواب بدورته الحالية، تحدث عن إنجازات حكومته في الفترة ما بين 2014 و2018، وكان على رأسها تحرير التراب العراقي المحتل لا من قبل القوات الأمريكية، بل من تنظيم داعش الذي تمكن من السيطرة على قرابة الثلث من مساحة البلاد قبل تولي العبادي دفة البلد بمدة وجيزة، العبادي ذكر إضافة إلى ذلك انجازات أخرى دارت جميعها حول مفهوم التصدي والإنقاذ والدفاع والحماية، ورغم عدم ذكره لأي منجز يسمح للعراق مغادرة منطقة الصفر، لكن معظم العراقيين أجمعوا على أن العبادي كان الأفضل مقارنة بأسلافه بسبب دحر تنظيم داعش في كثير من المناطق، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل: هل لا يزال ثمة أمل بعراق موحد وآمن ومستقر؟.

أستاذ القانون في جامعة كربلاء، حمزة عليوي، يرى أن اليأس هو كل ما بقى ليكتب عنه في "بلادنا العظيمة"، مسترسلًا بسرد عاطفي أثناء حديثه لـ"ألترا عراق" أن "اليأس والخذلان ورغبة الناس بمقاومة ما حصل بالسخرية غالبًا واليأس المرير وقلة الحيرة بعض مما حصل منذ عام 2003 حتى اللحظة".

ويواصل عليوي، قائلًا، إنه "في انتخابات عام 2018 مثلًا رفض الناس المشاركة، فضلوا الجلوس في بيوتهم والثرثرة عن أمور كثيرة، ليس منها حدث اليوم، وهو انتخاب نوابهم وأعضاء حكومتهم".

ويضيف: "يشعر الناس، مواطنو "العراق الديمقراطي" الذين يتكلم السياسيون باسمهم أن لا جدوى؛ فالأمر سيّان: البلاد تُسرق ثرواتها ولا حساب، القتلة والجهلاء يديرون دولة مفكَّكة ومنهوبة، ولا أمل. الأزبال تتسيَّد المشهد، تلال عظيمة ترتفع وتشمخ كل يوم، يمرُّ الناس قربها، يرمون بلا مبالاة بعض أزبالهم ويمضون. ولا أمل، يجلس "الشهداء" في صورهم يبتسمون للمارة، للناس".

انتهت حفلة طوابير المحتفلين بسقوط الدكتاتور، الراكبين ظهور دبابات المارينز الهاتفين للحرية والديمقراطية بمشهد البلاد بعد عقد ويزيد من تقطيع الرؤوس!

ويكشف عليوي عن فكرة بخصوص "الأزبال" قائلًا :"أفكر بجمع المال من الجيران لأشيد صورة لـ"سيد" فلان، أو "سيد" علان، عسى أن يجد الناس مكانًا آخر يرمون فيه أزبالهم بعيدًا عن البيوت. يسألني أحدهم ساخرًا كيف سيبدو "السيد" في صورته مبتسمًا، ضاحكًا، عابسًا، غاضبًا؟ أجيبه: لا فرق، أنا أفضِّله غاضبًا؛ فهذا أصلح الحالات انسجامًا مع اليأس والخذلان".

اقرأ/ي أيضًا: 9 حقائق هامة ينبغي ألا ننساها عن الغزو الأمريكي للعراق

ويلفت عليوي إلى أن "طوابير المحتفلين بسقوط الدكتاتور، الراكبين ظهور دبابات المارينز، الهاتفين للحرية والديمقراطية، انتهت حفلتهم، بمشهد البلاد، بعد عقد ويزيد من تقطيع الرؤوس والأثداء والأظافر، أن تحولت إلى مقبرة كبرى: مقبرة الناجين من الطوفان"، خاتما حديثه بالقول: "بالنسبة لي أزرع النخل جوار الفرات وأتمرغ يوميًا بيأسي وخذلاني. في مجرى النهر، مجرى الفرات قبل ألفي عام، أغرس فسائلي وأنصح العابرين، الضاحكين من المشهد برمته: عليكم بالمزيد من اليأس وقلة الحيلة".

هل انتهت الدكتاتورية؟

يتبنى معظم المتفائلين طرحًا مفاده، أن النتيجة الإيجابية الوحيدة التي خرج بها العراق بعد 2003 هو حصوله على هامش من الحرية، ودستور يؤكد على ديمقراطية النظام وحقوق الشعب، لكن حتى هذه النتيجة اليتيمة اصطدمت بعوائق عديدة، أهمها هي لا مركزية القوى في عراق ما بعد 2003، والتي جعلت من الجماعات المسلحة والأحزاب المتنفذة والقوى الدينية سلطات غير نظامية تمارس الترهيب والقمع والتصفية، إضافة إلى أن الدستور بُني على التوافق الطائفي والعرقي لتمثيل العراقيين بوصفهم جماعات منتمية إلى طائفة أو عرق أو قبيلة ما.

ويختصر مروان الجبوري نتائج سقوط بغداد، بالقول إنها "إعلان لتحالف بين الكهنوت والعشيرة والهويات البدائية أمام ثقافة الدولة، التي كانت منخورة بسبب الاستبداد والحروب"، موضحًا "هي لحظة فارقة بين زمنين وعالمين مختلفين، انتقال من الاستبداد إلى الفوضى، ومن حكم الفرد إلى سلطة أمراء الطوائف، ومن عصبية الحزب والعائلة إلى عصبية الطائفة والعنصر".

وبوضوح أكثر، يؤكد الظفيري ما جاء به الجبوري، قائلًا، إن "الاحتلال ببساطة عبارة عن دكتاتورية جديدة، بمجرد أن تمضي عليه مدة من الوقت سيتحول أيضًا اصطلاحًا لدكتاتورية".

ويرى الظفيري، أن بغداد في زمن الطاغية كانت "مدينة يسودها النظام على أقل تقدير، وحتى لو كان نظامًا غير عادل تمامًا لكنها كانت أقل فوضى وأكثر أمنًا"، مستدركًا "في الحقيقة لست بمعرض مقارنة السيء بالأسوأ لأنها مقارنة مجحفة بحق أي شعب".

وتأتي الذكرى الـ16 لسقوط بغداد بيد القوات الأمريكية الغازية بالتزامن مع تصريحات لمسؤول منظمة بدر في محافظة الأنبار، قال فيها إن "الطائرات الأمريكية تقوم بعمليات إنزال ليلية لقوات قتالية في قاعدتي عين الأسد والحبانية في الأنبار، وتعمل على تجنيد المخبرين في مناطق المحافظة، وسط صمت الحكومة المحلية من هذا الحراك".

لحظة احتلال العراق كانت فارقة بين عالمين مختلفين، انتقال من الاستبداد إلى الفوضى ومن حكم الفرد إلى سلطة أمراء الطوائف، ومن عصبية الحزب والعائلة إلى عصبية الطائفة!

فيما تذهب الأنظار إلى الشرق نحو طهران، التي قطعت منذ تشكيل حكومة عبد المهدي شوطًا طويلًا ببناء شراكة اقتصادية وسياسية عسكرية مع بغداد، في وقت تنتظر فيه المنطقة اشتعال فتيل الحلقة الأخيرة من الدبلوماسية بين إدارة الولايات المتحدة والحكومة الإيرانية، وبداية مواجهة مباشرة أو غير مباشرة بين الطرفين سيكون العراق بحسب مراقبين للساحة الإقليمية مسرحًا رئيسيًا لها، ما يجعل السنوات القادمة على البلاد حبلى بموجات خراب يبدو أنها ترفض النفاد في عراق ما بعد "الاحتلال" أو "التحرر".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

مركز أبحاث الجيش الأمريكي: إيران هي المنتصر الوحيد في حرب العراق!

أكاذيب بوش الابن ليست دعابة!