أرشيف

أرشيف "صانعة الملوك".. فوتوغرافيا ذاكرة العراق المُهملَة

يثير نشر الأرشيف الكامل أسئلة كبيرة عن دور المختصين (ميس بيل)

أسست اليونسكو في عام 1992 برنامجها الفريد والمسمى "سجل ذاكرة العالم" لحفظ التراث الوثائقي الذي يشمل الأرشيفات الوطنية والأقراص السمعية والبصرية والأفلام السينمائية والصور الفوتوغرافية بهدف صيانة هذه الذاكرة والحفاظ عليها في زمن تنامت فيه أخطار التلف والحروب والاتجار غير المشروع.

يضم أرشيف ميس بيل أكثر من 7 آلاف صورة للعراق الحصة الأكبر منها

ساهم هذا البرنامج بفتح الباب على مصراعيه للدراسين ومحبي المعرفة للاطلاع على ذاكرة الإنسان الحديث.

"جائزة جيكجي"

ولم تكتف اليونسكو بهذا المقدار بل أعلنت في عام 2004 عن جائزة تمنح كل سنتين تكريمًا للأعمال المميزة من ناحية قيمتها التاريخية والزمنية، تقدر قيمتها المالية بـ 30 ألف دولار، سميت هذه الجائزة "جيكجي"، نسبة إلى أقدم الكتب المطبوعة باستخدام الحروف المعدنية كان طُبع في تشونغجو (كوريا) عام 1377، ويتضمن المبادئ الأساسية لمذهب الزن البوذي.


جيكجي: أقدم كتاب طبع بالحروف المعدنية المتحركة في 1377

وفي عام 2016 تقدمت المملكة المتحدة بملف أرشيف غرترود بيل لغرض إدراجه على سجل ذاكرة العالم، وقد جرى ذلك في مؤتمر اليونسكو في باريس عام 2017.

كنز "صانعة الملوك"

وفي نفس العام نشرت جامعة نيوكاسل البريطانية أرشيف السيدة غيرترود بيل كاملاً عبر موقعها على شبكة الإنترنت، حيث كانت الجامعة قد استلمته من أختها غير الشقيقة السيدة ريتشموند.

اقرأ/ي أيضًا: 100 عام على تأسيس الدولة العراقية.. تاريخ جديد وحاضر مفصلي

ويضم الأرشيف أكثر من 7 آلاف صورة للعراق الحصة الأكبر منها، بالإضافة إلى الرسائل واليوميات التي كتبتها "صانعة الملوك" التي تناولتها الكثير من الكتب والأبحاث والدراسات نقدًا وتحليلاً، لكن شيئًا من هذا كله لم يحدث مع الصور التي التقطتها.


غيرترود بيل وليوناردو ويلي أثناء تنقيب أور عام 1921


الجبايش 1911

وبنظرة سريعة على الكم الهائل من صور المس بيل في العراق، والتي بوبتها الجامعة ضمن أقسام منتظمة وبدقة الكبيرة في عرض الصور وتاريخ التقاطها مع وصف مقتضب لمكان الصورة، يمكن ملاحظة أنّ رحلة المس بيل مع العراق تبدأ بمجموعتين من الصور تعود للعام 1909 وثلاث مجاميع أخرى التقطت في أعوام 1911، 1913 و1914، لتختمها بالعام 1919، بالإضافة إلى الكثير جدًا من الصور التي التقطتها في مواقع عراقية وضعتها جامعة نيوكاسل ضمن قسم "Personalia".

"لا أثق بالكلمات.. أثق بالصور"

هكذا يقول المصور الفرنسي الشهير جيلاس بيريز، فيما يرى الأكاديمي والشاعر الدكتور علاوي كاظم كشيش، أنّ "الصورة الفوتوغرافية تتنوع فيها مجسات التلقي، بحسب مواصفاتها وخطوطها ومساحاتها وألوانها إن كانت ملونة أو بالأسود والأبيض".

ويقول، "تلفت اهتمامي صور الأماكن والوجوه دائمًا. فالمكان تظهر عليه علامات التغيير لكن الصورة تحتفظ به في نسيجها شاخصًا معبرًا جاذبًا مع دفقة تعبير ومعلومة"، في إحالة إلى ما يشدد عليه "رولان بارت" وهو يجد في الصورة الفوتوغرافية رسالة لها عناصرها الثلاث؛ المصدر، والقناة التي تمر عبرها الرسالة، والمتلقي، ومن ثم الوصول إلى معاني الصورة المقسمة إلى معنيين رئيسيين هما المعنى الإشاري والمعنى الإيحائي. 


شوارع كربلاء 1909


مجموعة من الإيزيديين عام 1911

في حين يرى المراسل التلفزيوني والمصور الفوتوغرافي مسلم الزيدي، أنّ "الصورة تمثل إعادة إنتاج للذاكرة في المستقبل".

مقارنة وأسئلة كبيرة..

وتجتذب صور أرشيف المس بيل المتداولة عبر صفحات مهتمة بنشر الآثار والتراث مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تعكس القراءة الأولية لتعليقات المشاهدين نمط المقارنة بين الماضي والحاضر فيما يخص المدن والأنهار والمواقع الأثرية والمعالم العمرانية، في ظل ما تعانيه المدن اليوم من تشوه البصري وازدياد معدلات التلوث البيئي للأنهار والإهمال الكبير الذي تواجهه المواقع الأثرية في العراق.

وتعلق المتخصصة بالآثار لمى العيساوي على صورة المدائن "طيسفون" الملتقطة عام في نيسان 1909 بالقول، إنّ "الصور المتداولة للمواقع الأثرية في بدايات القرن للماضي تشير إلى أنّ حال المواقع الأثرية في العصور القديمة كان أفضل بكثير من الوقت الحالي، وذلك بسبب الفوضى التي اجتاحت كل مفاصل الحياة في البلاد وكان للمواقع الأثرية نصيبًا كبيرًا منها، فقد عانت الإهمال والتجريف والعبث والنبش العشوائي".


اثار المدائن (طيسفون) عام 1909


الباب الوسطاني - بغداد - عام 1909 بعدسة مس بيل

وتضيف، "كانت المواقع الأثرية سابقًا من المحرمات التي لا يمكن التعدي عليها، واليوم وبسبب هذه الفوضى أصبحت مواقعنا الأثرية على شفا حفرة من فقدان هويتها الأثرية وتحويلها إلى مناطق عشوائية".

فيما تقول إسراء أمين، طالبة في كليّة الصيدلة، حول صورة باب بغداد الوسطاني الملتقطة عام 1909، إنّ "الحروب لا تكتفي بما نعرفهُ من آثار فقط، فعلى المدى البعيد، ستجد دورها الفاعل في التأثير على الذوق الفني في كل بصمة تتركها، وما يهمنا هنا الحديث عن الفروقات الواضحة بين العمارة قديمًا وحديثًا، فالغالب فيها للأسف، الانحدار المستمر في الذوق".

ويتسابق البعض الآخر في نشر كل الصور التي تخص مدنهم على حساباتهم الشخصية كجزء من الاعتزاز والفخر.


مدينة هيت عام 1909


قلعة صالح عام 1911

ويثير نشر الأرشيف الكامل أسئلة كبيرة عن دور المختصين في تحليل الصور ودراستها، ودور الباحث العراقي في الاستفادة منها في كشف واجتراح الحلول لمشاكل كالتشوه البصري واضمحلال الهوية البصرية في العمران المعاصر والتلوث البيئي والتصحر وغير ذلك مما تعكس نقيضه تلك الصور النادرة في ذلك الزمان.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

صور نادرة | مجلس الإعمار في العهد الملكي: مشاريع مستمرة حتى اللحظة!

صور نادرة| "طوب أبو خزّامة" وجنازة الزهاوي والسفارة الأمريكية.. بغداد قبل قرن