استحمت بـ

استحمت بـ "الماء المثلج" في العراق وسحرها شط العرب: من هي نادرة أمين؟

نصحت أمين الأوربيات بحمام شمس في العراق يحولهن إلى "كتاكيت مسلوقة"

لا تفرق الكاميرا بين رجلٍ وامرأة، تسحرهم بالقوة ذاتها. على غلاف العدد الأول، 28 آذار/مارس 1932، وقفت السيدة نادرة أمين مصطفى وقد أسندت يدها على سياجٍ خشبي كدرويش يتعلق بضريح. هل أدركت نادرة أمين وقتها أن كتب التاريخ ستخلد اسمها كأول مطربة تقوم ببطولة فيلم غنائي في السينما المصرية؟.

نادرة أمين مصرية الأصل بيروتية المولد مثلت أمام محكمة في بغداد، وهي المطربة الأولى التي تُلتقط لها أفيشات مستقلة لفيلم سينمائي 

نادرة أمين هي المطربة الأولى التي تُلتقط لها أفيشات مستقلة لفيلم سينمائي. ولدت نادرة أمين، مصرية الأصل بيروتية المولد، في 17 تموز/يوليو 1906. لكن تلك الفتاة شاءت لها الأقدار أن تذوق اليتم وهي في الثانية من عمرها، إذ رحلت الأم في الخامسة والثلاثين من عمرها، وكان والدها قد سافر من قبل إلى أمريكا ليتزوج هناك من سيدة أمريكية وينجب منها. تولى تربية نادرة أمين كل من عمتها وجدتها. تلقت نادرة أمين تعليمًا أوليًّا في بيروت وتربت في ضواحيها، قبل أن تنتقل إلى دمشق.

اقرأ/ي أيضًا: جدلُ مستمر يصل إلى "القضاء".. ما أسباب تراجع الدراما في العراق؟

كانت نافذة مفتوحة على غرفة لفتاةٍ صغيرة تتعلم عزف العود، ومن هنا بدأت تنتبه إلى تلك الآلة الوترية التي أصبحت الرفيق الأوحد. بجانب العود كانت نادرة أمين تنصت السمع إلى الفونوغراف لساعاتٍ طويلة حتى يشغلها عن الأكل والنوم.

زارت نادرة أمين مصر للمرة الأولى في عام 1926، قبل أن تغادرها وتعود إليها مرة أخرى في عام 1928. لقد قضت فترة طويلة تستمتع فيها إلى الغناء العربي الأصيل، ربما كانت تدرك أن الدخول إلى هذا العالم يحتاج إلى مفتاح خاص. إنه التدرج في بحيرة الفن من أسطوانات الشيخ سيد الصفتي، إلى أدوار سيد درويش، وفي إحدى حفلات الأسر الخاصة تعرفت على عازف الكمان الشهير سامي الشوا الذي أُعجِب بصوتها وشجعها على مواصلة الغناء واحترافه.

في حفلتها الأولى بمسرح "رمسيس" منعها الخوف والارتباك من الغناء بشكلٍ جيد. وخلال تلك الفترة تقرّب إليها مجموعة من أعلام الموسيقى الذين عملوا على شحذ همتها كان من بينهم عازف العود يوسف عمران، وسامي الشوا، بالإضافة إلى صبري، والقصبجي، ومنصور عوض، وزكريا أحمد.

في فقرة بعنوان "تراجم مختصرة عن كواكبنا" كتبت مجلة الكواكب في الثلاثينات: "وظهرت السيدة نادرة أمين بعد ذلك على التخت في ثقة عظيمة بالنفس، وأرسلت من عذب أنغامها على الجمهور فيضًا كاد يسكره بغير خمر. وكأنها كانت في هذه المرة تنتقم لنفسها من الفشل الذريع الذي مُنيت به في حفلتها الأولى. وظلت بعد ذلك تخطو خطواتٍ واسعة في سبيل النجاح حتى أضحت درةً في تاج الغنـاء في مصر، وأقبل الناس على حفلاتها كما تهافت المتعهدون على عقد الاتفاقات معها، وذاع صيتها ودوت شهرتها". 

وضعت نادرة أمين قدميها على سلم المجد والشهرة بعد أن وقعت معها شركة "نحاس فيلم" بطولة الفيلم الغنائي أنشودة الفؤاد عام 1932. ولهذا الفيلم المؤسس حكاية خاصة فبعد ظهور فيلم أولاد الذوات كأول فيلم ناطق على الشاشة الفضية، كان لابد من وجود فيلم غنائي تتخلله بعض الأغنيات التي تؤدى بطريقة سليمة.

في غرفتها بمنزلها المرتفع، دقَّ جرس الهاتف ودفع المتصل بعبارة مباشرة "هل تقبل الاشتغال بالسينما والظهور على الشاشة البيضاء...؟" كان المتصل أحد مندوبي شركة نحاس فيلم، وكان الاتفاق هذه المرة بشأن بطولة فيلم سينمائي جديد "أنشودة الفؤاد".

أراد صُناع الفيلم أن يخطوا به نحو درجات الكمال، لذلك طلبوا من شاعر القطرين خليل مطران أن يقوم بكتابة الحوار كما شهد الفيلم إسناد دور بسيط لشيخ الملحنين زكريا أحمد الذي لحن الأغنية الرئيسية. لقد كان هذا الفيلم ثمرة تعاون بين المخرج ماريو فولبي ومدير التصوير الإيطالي كياريني. وقد تم معظمه داخل أستوديو "أكلير" بباريس بالإضافة إلى مشاهد خارجية في مدينة القاهرة وصعيد مصـر.

وقد كانت نادرة أمين في تلك الحالة شأنها شأن العديد من المطربات اللاتي احترفن الغناء ولم يسبق لهن الوقوف أمام كاميرا. في مقال بعنوان "نادرة تصف طريقها إلى السماء" في مجلة "الكواكب" وصفت نادرة أمين حالتها بقولها "أنا مطربة يعرفني الجمهور أغني فأشجيه فهل أصبح ممثلة أيضًا.. وسينمائية مرة واحدة وكيف أستطيع التمثيل، وماذا يحدث لو سقطت...؟ ترى هل أقبل أم أرفض...!".

ولا تتوقف نادرة أمين هنا بل تذكر تبعات المرة الأولى للسفر بحرًا، وما تلاه من دوار البحر أثناء الرحلة إلى فرنسا. كما تقول "فإذا رأيت الفلم الناطق الغنائي أنشودة الفؤاد فأذكر حين تراني أن هذه أول مرة في حياتي وقفت فيها أمام الكاميرا. وأول مرة كنت فيها ممثلة إلى جانب ناحية الطرب... وأحسبني قد تجاوزت الخطوة الأولى بنجاح..!".

تظل رحلة نادرة أمين إلى العراق إحدى المحطات المهمة في حياتها الفنية حينما أرادت أن تهرب من حرارة الجو في مصر خصوصًا في فصل الصيف لتفاجئ بحرارة أشد!

في كتابه بدايات السينما المصرية 1907 – 1939 يقول الناقد سامي حلمي "أهم ما يلفت نظرنا في تلك التجربة الرائدة هو ظهور جديد لاسم أمبرتو مالافاس درويس، حيث تواجد على تترات الفيلم كواحد من الذين قاموا بصنعه. كان درويس قد تغيب فترة عن الساحة السينمائية، وبالرجوع إلى وثائق إدوارد بهنا وجدنا أنه أشرف فنيًّا على صنع الفيلم بالإضافة إلى إشرافه على مدير التصوير كياريني مع تصوير بعض المشاهد الخارجية داخل أستوديو مصر، وإذا كانت هذه مفاجأة فهناك أخرى بأنه لن يأتي ذكر لأسمه بعد ذلك في أي فيلم أو شريط سينمائي فيما بعد، ويبقى لنا فيلم أنشودة الفؤاد كآخر فيلم شارك في صنعه دوريس". 

لقد تم ترميم الفيلم مؤخرًا في باريس بواسطة أبناء إدوارد بهنا، لكن تلك النسخة خلت من أغنية الفيلم الرئيسية. حقق الفيلم نجاحًا كبيرًا وجنى كثيرًا من الأرباح بالرغم من أن الحوار كان بالعربية الفصحى. وقد وضع اسم نادرة أمين بمصاف النجوم بعد شاركت البطولة مع الممثل القدير جورج أبيض. وقد تضمن الفيلم مجموعة من الأغنيات الناجحة أبرزها: "يا بحر النيل يا غالي"، و"أَمُسْعِدي أنتَ في مُرادي"، و"يا أيها البلبل الحنون". كان لنجاح أنشودة الفؤاد دورًا بارزًا في خطوات نادرة أمين السينمائية فقد شاركت بعده في فيلمين أولهما "شبح الماضي" مع الشقيقين إبراهيم وبدر لاما في عام 1934، و"أنشودة الراديو" أمام بشارة واكيم من إخراج الإيطالي السكندري توليو كباريني في عام 1936.

تظل رحلة نادرة أمين إلى العراق إحدى المحطات المهمة في حياتها الفنية، فعندما أرادت أن تهرب من حرارة الجو في مصر خصوصًا في فصل الصيف، قررت الذهاب إلى العراق. لقد كانت حرارة الجو أصعب من تصورها لذلك قررت أن تنام وتحتضن زجاجتين من الماء المثلَّج. وقد كتبت في مقالة بعنوان "نادرة في العراق تستحم بالماء المثلوج"، "أود أن أنصح السيدات الأوربيات اللواتي يلجأن إلى حمام شمس في المصايف كي ينلن اللون الأسمر أن يقصدن إلى العراق وأنا الكفيلة بأنهن يعدن إلى بلادهن كالكتاكيت المسلوقة". 

بين مدن العراق الجميلة تنقلت نادرة أمين بصوتها الشجي الآسر، فكانت تنتقل بين بغداد والبصرة من أجل إحياء الحفلات. لقد تركت تلك الرحلة آثرًا كبيرًا في نفسها، وخصوصًا شط العرب وقوارب "البلم" التي تمخر مياهه. ويبدو أن دوام الحال من المحال، فقبل انتهاء الرحلة قام المتعهد برفع دعوى قضائية أمام المحكمة يلزمها بدفع تعويض قدره 400 جنيه لإخلالها بشرط التعاقد.

وأمام محكمة بداية بغداد جاء الحكم في صالحها على يد المحامي نجيب الرواي. فقد رأت المحكمة أن نادرة أمين لها الحق في إقامة ما تشاء من حفلاتٍ طالما أنهت حفلاته المتفق عليها. كان للرحلة آثر كبير في نفسها، فقد مدحها الشاعر جميل صدقي الزهاوي في إحدى قصائده قائلاً "أميرة على الفن على الإبداع أنتِ قادرة/ معجزة ثالثة من معجزات القاهرة/ بين أغانيكِ ووجهكِ الجميل آصرة"، ويتابع في بيت آخر "لو كان يحيى الميت أحيته الأغاني الساحرة/ فحبذا الفن وحبذا أغاني نادرة".

اقرأ/ي أيضًا: أصنام المجتمع.. ماذا تعرف عن العالم العراقي عبد الجليل الطاهر؟

تنوّع غناء نادرة أمين بين القصائد، والمواويل، والأدوار فكان من أشهرها "بيني وبين القمر"، و"بعد اللي شوفته في الغرام"، و"في الهوى قلبي زورق يجري"، و"يا ليل كم سئمت نجواك". وقد ساهمت نادرة بأغنياتها لرفع الروح المعنوية للجيوش إثر هزيمة 1948، ثم قيام الجمهورية في عام 1952.

وعلى أي حالٍ فإن الثابت عن نادرة أمين هو منح الدوريات الفنية لها لقب "أميرة الطرب"، وكان الأديب الكبير عباس محمود العقَّاد من أشد المعجبين بفنها. بالإضافة إلى غناءها للعديد من الملحنين الكبار أمثال فريد غصن، والسنباطي، والقصبجي، وزكريـا أحمد.. وغيرهم. اعتزلت نادرة أمين الغناء في بداية الستينات إثر خلافٍ حدث مع هيئة الإذاعة وقتها. ولم تعد موشحات نادرة أمين وأدوارها تُذاع بالقدر الكافي حتى وفاتها في 24 تموز/ يوليو 1990، عن 84 عامًا.

تنقلت أمين بين مدن العراق الجميلة بصوتها الشجي الآسر، منها بغداد والبصرة وقد تركت تلك الرحلة آثرًا كبيرًا في نفسها خصوصًا شط العرب وقوارب "البلم" فيما مدحها جميل صدقي الزهاوي

ويكفينا أن نختتم تلك المسيرة الحافلة بمقولة الكاتب أحمد عطية الألفي بمجلة الاثنين عام 1942 أنه يتصورها "سيدة وقورًا لا تضحك، ولا تبتسم تغني مرغمة كمن يؤدي واجبًا محتومًا، ولعلها احترفت الغناء على مضض وإذا أدير الراديو فأجد نادرة أمين تغني فيه، لا أعرض عنها، ولا أقبل عليها، ولقد ظللت مدة طويلة أسائل نفسي وأصدقائي عمن تكون تلك المطربة. غير ما قال عنها المذيع إنها "أميرة الطرب نادرة" فلم أفز من تساؤلي هذا بطائل، وهي سيدة رهيبة حقًا كجريتا جاربو في هوليود لا يعلم أحد شيئًا، بل ما زال الناس في حيرة وجهل من أمر جنسيتها. فمن قائل تركية إلى قائل عراقية إلى من يقول بل أرمينية.. وهم في حدسهم هذا لا يدرون إلا أنها السيدة نادرة أميرة الطرب، ولنادرة سمعة طيبة. ندر أن تشتهر بها مطربة، وهي في حياتها الخاصة أرهب منها في حياتها العامـة".

 

اقرأ/ي أيضًا:

حوار| ميثم راضي: أحلم أن يُعلم الخيال في المدارس!

حوار| محمد غازي الأخرس: الهوية العراقية إشكالية عابرة للزمن