الأسئلة

الأسئلة "المزعجة" في أجواء المحاصصة وتقسيم المغانم

الكثير من مناطق الخطر في النظام السياسي لم تقترب منها الأسئلة الجادة (Getty)

تبقى الاستفهامات على ما هي عليه ومحيرة في العراق، باحثةً عن إجابات لها عسى أن تخفف من وطأة هذا الضياع الذي يحيط بنا كنظام وشعب، لكنها أسئلة لا يجيب عنها أحد في نظام تتحكم به الفوضى لا التنظيم والخطط القريبة والبعيدة.

فقدان الثقة والتوازن وانفكاك العقد الاجتماعي بسبب المحاصصة التي أنتجت أحزابًا متصارعة طائفيًا وتستقوي بالخارج على حساب الداخل هي من أسباب سقوط الموصل والانهيار الأمني

أنا في حيرة بالحقيقة؛ هل أكتب عن جرح الموصل ونحن في ذكراه الخامسة، أم عن عيد صحافتنا التي باتت في مواجهة شرسة مع نفسها، وهي تصارع على أعتاب الضياع أيضًا، لكني سأستثمر الحدثين معًا للكتابة لأنهما مرتبطان بشكل رئيسي من وجهة نظري بما وصلنا إليه من خراب.

اقرأ/ي أيضًا: شرط الدولة المفقود عراقيًا

من الطبيعي أن تكون أحداث الموصل وما أعقبها من انهيار شبه تام للمؤسسات الحكومية ومنها العسكرية لأسباب كانت ولا زالت ماثلة أمام الجميع بلا أدنى مراجعة لتصحيح ما تم تدميره سياسيًا، فقدان الثقة والتوازن وانفكاك العقد الاجتماعي بسبب سياسات النظام الذي أفرزه الاحتلال من محاصصة مقيتة أنتجت أحزابًا متصارعة طائفيًا وتستقوي بالخارج على حساب الداخل. أحزاب ساهمت بشكل مباشر لتعزيز نفوذها عبر ثقافة السلاح لتضخيم دور السلطة على الدولة مما عزز من الانهيار السياسي آنذاك، فضلًا عن التداخل الإقليمي المؤثر الذي انهمك مستغلًا الفراغ الكبير عقب سقوط نظام الرئيس السابق صدام حسين وغزو العراق بما يتناسب وتوجهات كل دولة، لكن رؤوس النظام بمجملهم تركوا أسئلة المواطنين دون إجابة وهم يرون انهيار محافظاتهم واحدة تلو الأخرى.

لم تتعلم الكتل السياسية الحاكمة من الدرس بعد، وبقي فايروس المحاصصة فارضًا أمر الواقع على جميع مفاصل الحياة في هذا البلد كما لم يتم متابعة الأسباب الجوهرية التي أدت لهذا الفشل المريع في الحكم والإدارة.

وبقدر ما كان "داعش" داءً وعلة كان حقنة انعاش للقادة الفاسدين والأحزاب الفاشلة حيث أعادهم من جديد كمنتصرين يتحكمون بمصير البلاد والعباد، سواء بالسلاح أم بتلك الشعارات الثورية التي تصور للناس أننا على أعتاب الحرب مرة أخرى، وليس لكم من دوننا بديل وهو ما سهل لهم الكثير لخوض انتخابات 2018.  

لا توجد بوادر للنجاح إن لم تكن هناك معالجات لكل أزماتنا المعقدة الشائكة. الموصل ليست إلا نموذج شاخص لأخطاء مكررة وليس هناك ما يمنع من بروز كارثة جديدة ما دام هناك نظام لا يعرف كيف يقرأ ويضع الهوامش والملاحظات لتقويم النص من وجهة نظر سياسية ناضجة وبعقلية واعية بعيدًا عن سلوكيات المراهقة والطيش الحزبي السياسي والطائفي والقبلي.

ما يدعونا للكتابة بهذه السوداوية هو لتشخيص التحديات التي تمر أمامنا كشباب مهتم، وهو أن القاتل والمحرض صار شريكًا في القرار والخائن صديقًا يقرع فناجين القهوة بمضيف واحد والذباح ناشطًا في حقوق الشهداء، ومن كان خنجرًا أضحى ناعيًا على تلال جماجم الضحايا.. هل هناك ما هو أسوأ من هذا التناقض المرعب في النظام العراقي لكل المفاهيم والمسلمات؟!

نحن بالفعل بحاجة لمراجعة شاملة على مستوى عالٍ لكل مفاصل النظام والدستور والقانون والهوية، مسائل كبرى كهذه لا يمكن أن تبقى عالقة، وفي طي التأجيل لتعاد المأساة وبذات الأخطاء الكارثية التي وضعتنا على محك الموت بعد الآلاف من الضحايا.  

إن إفرازات ما بعد هذه المرحلة لم تكن أفضل مما قبلها لأنها أنتجت أجنحة سياسية كغطاء لكل المجاميع المسلحة التي كنا نأمل أن تقنن كل تحركاتها ومكاسبها المريبة، وهذا ما يجعلنا في حالة احباط ويأس أكثر من ذي قبل، القتلة الذين كانوا سببًا بما حصل للدولة، عادوا للواجهة كما لم يكن شيئًا قد حصل، من سياحكم القتلة ويتابع تفاصيل ما جرى؟ من سيقف ضد الميليشات وابتلاعهم للدولة؟ من سيعمل على إنهاء السلاح المنفلت في أيادي الجماعات الفرعية؟ من سيقف ضد تقسيم المناصب على أساس  مكوناتي؟ هذه ليست سوداوية بالمعنى الحقيقي، إنما لمعرفة أين هي تحدياتنا وأزماتنا الحقيقية.

كما كان "داعش" داءً وعلة، كان حقنة انعاش للقادة الفاسدين والأحزاب الفاشلة حيث أعادهم من جديد كمنتصرين يتحكمون بمصير البلاد والعباد في مجاميعهم وسلاحهم

هذا السؤال كان ينبغي أن يكون عنوانًا ملازمًا للصحافة والإعلام في العراق من منطلق واجبها لتتبع كل الخيوط، وصولًا للعقدة التي أقحمتنا في الجحيم، لكن كيف لمثل هذه الصحافة التي نحتفل بعيدها هذه الأيام أن تحترم حالها وهي التي باعت موقفها في سوق المحاصصة والنظام الفاسد، هذه الصحافة التي أتحدث عنها تحديدًا هي صحافة مدجنة تقبع في مفقس السلطة للتفريخ الفاسد، مهمتها التلميع، لن يختلف الأمر بما أنها كانت تبيض وجه السلطان على قدر الضخ المالي لتضليل الناس وإيهامهم بالحقائق الكارثية المحدقة بنا، آخرُ منجزاتها أنها سبقت الجميع لمباركة تنصيب بارزاني الانفصالي سابقًا، الشريك الأساسي حاليًا بعدما عدّت نقدًا مبالغ المنحة من هذه الأسرة الزاهدة بالحكم والمال والأرض!

 

اقرأ/ي أيضًا: 

قصة الدولة في العراق: ذلك السؤال الغائب

الدولة "المفتعلة".. سيرك إقطاع العراق السياسي