17-أبريل-2022
ألينا رومانوسكي

تبدو مهمة السفيرة الجديدة معقدة جدًا في العراق

الترا عراق - فريق التحرير

لا تمثّل شؤون سفراء الدول الأجنبية، قضية جديرة بالاهتمام بالنسبة لمعظم شعوب العالم، باستثناء العراق، الذي خبِر مواطنوه مدى تأثير سلوك السفراء على أوضاع البلاد الداخلية، وخاصة حين يكون الحديث عن سفراء الدول الأكثر تدخلاً –أو تأثيرًا بالمفردة الأخف- في الشأن العراقي، كالولايات المتحدة وإيران، والسعودية.

قضت السفيرة الجديدة العقد الأول من حياتها في العمل لصالح وكالة المخابرات الأمريكية ثم شقت طريقها نحو العمل الدبلوماسي

في الثالث والعشرين من آذار/مارس الماضي، وافق مجلس الشيوخ على مهمّة الدبلوماسية ألينا رومانوسكي، سفيرةً فوق العادة لبلادها في العراق.

منتصف نيسان/أبريل الحالي، كتبت رومانوسكي رسالة وداع الكويت، التي شغلت فيها منصب السفير منذ مطلع العام 2020، وقالت إنها متحمسة لاستلام مهامها في العراق. 

مزيج العسكر والمخابرات والدبلوماسية

رومانوسكي، مواليد 1955، محاطة بأجواء العسكر، فقد عمل والدها وزوجها وابنها الأصغر في الجيش الأمريكي، فضلاً عن توليها شخصيًا مهام متعددة في وزارة الدفاع الأمريكية.

ألينا رومانوسكي

لكن السفيرة الجديدة، قضت العقد الأول من حياتها في العمل لصالح وكالة المخابرات الأمريكية (CIA)، ثم شقت طريقها نحو العمل الدبلوماسي. 

تنتمي رومانوسكي إلى عائلة متعددة الثقافات، جاء والدها من بولندا إلى الولايات المتحدة، فيما تنحدر والدتها من كندا، ويبدو أن أصول والدة السفيرة، وعملها في تدريس الفرنسية، لعبا دوراً في إتقان رومانوسكي للغة التي ينطق بها أكثر من 13% من الشعب الكندي.

وسيتيح قرب السفيرة الجديدة من فرنسا، فرصة لمتابعة تحركات السياسة الفرنسية المتصاعدة في الشرق الأوسط عن كثب، خاصة بعد إطلاق الرئيس إمانويل ماكرون  عدة مبادرات، العام الماضي، في دول تعتبرها الولايات المتحدة مناطق نفوذ، مثل العراق ولبنان.

رومانوسكي والتطبيع واللوبي الإسرائيلي

درست رومانسكي وتولّت مهام رسمية لصالح بلادها في تل أبيب، لكنها تفضّل تقديم نفسها بوصفها الحائزة على شهادة الماجستير من قسم إدارة الأعمال في جامعة شيكاغو.

تبدي السفيرة الجديدة موقفًا "أقل حماسة" من حراك تطبيع الدول العربية مع إسرائيل

للسفيرة الجديدة، موقف "أقل حماسًا" من حراك تطبيع الدول العربية مع إسرائيل، إذ تعتقد أنّ ذلك ينبغي أن لا يكون بديلاً عن السلام بين اسرائيل وفلسطين، كما طالبت غير مرّة تل أبيب ببذل جهود أكبر للسلام، وهي بذلك تعيد التركيز إلى النقطة التي حاولت تل أبيب تجاوزها عبر سلسلة اتفاقات تطبيع مع دول عربية.

علاوةً على ذلك، يعتبر كتاب "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية"، السفيرة ألينا رومانوسكي، مثالاً على السياسيين الأمريكيين الذين واجهوا عراقيل بسبب مواقفهم غير الصريحة في دعم إسرائيل.

ألينا رومانوسكي

الكتاب الذي ألفه أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، جون ميرشايمر، وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، ستيفن والت، ونشراه عام 2007، يشير إلى حادثة تراجع الرئيس الأميركي التاسع والثلاثين، جيمي كارتر عن ترشيح السياسي الأمريكي جورج بول لمنصب وزير الخارجية، خشية معارضة اللوبي الإسرائيلي، أما فيما يتعلق بالسفيرة رومانوسكي، فيشير الكتاب إلى حرمانها عام 2001، من منصب مسؤولة الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي خلفًا لبروس ريدل، بسبب شكوك ساورت مسؤولي البنتاغون في أنّ رومانوسكي لا تدعم الدولة اليهودية بشكل كافٍ.

نفوذ فصائل إيران.. وتشكيل حكومة العراق

في رسالتها أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ بعد ترشيحها لإدارة سفارة الكويت، 31 تشرين الأول/أكتوبر 2019، تُعرب رومانوسكي بشكل واضح عن أولوياتها وطريقة تفكيرها.

تقول إنه "لابدّ من زيادة الضغط على إيران واحتواء أنشطتها الخبيثة عبر وكلائها في جميع أنحاء المنطقة (..) خاصة بعد التصعيد الخطير عبر الهجمات على البنية التحتية النفطية في المملكة العربية السعودية، والتهديد الإيراني لحرية الملاحة في أحد أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم، إلى جانب زعزعة أمن المنطقة الذي تتسبب به إيران عبر دعم الحوثيين في اليمن ونظام بشار الأسد في سوريا وحزب الله في لبنان".

وتنتمي السفيرة الجديدة إلى الاتجاه الأمريكي الذي يؤمن بضرورة حشد جهود جميع المتضررين من السياسات الإيرانية، ودفعهم للعمل المشترك، ولذا، فقد تعاملت مع الأزمة الخليجية بين دول الرباعي وقطر، بوصفها "خلافات لا تفيد إلا النظام في إيران".

تشير الرؤية التي عبّرت عنها رومانوسكي إلى احتمالية إنهاء عهد من انكفاء واشنطن بشأن العراق

انطلاقًا من الرؤية التي عبّرت عنها رومانوسكي، سيكون مُحتملاً أن تنهي الولايات المتحدة عهدًا من الانكفاء والنأي بالنفس عن الشأن العراقي الداخلي -بدأ بوصول الرئيس دونالد ترامب- لتشرع السفيرة الجديدة بلعب دور يوازن الكفّة لمواجهة الدور الإيراني في ملف التحالفات السياسية. خاصةً وأن مشروع التحالف الثلاثي يواصل مواجهة أزمة عددية، تتعلق بحاجته إلى نحو 20 نائبًا ليُطلق جلسة انتخاب الرئيس.

تريد أيضاً بيع "الرز".. وليست مُنبهرة بكردستان

في رسالتها أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، مطلع آذار/مارس الماضي، تحدثت رومانوسكي بوضوح عن أن "الشراكة الاستراتيجية مع العراق ستبقى أولوية في السياسة الخارجية الأمريكية"، وأنّ العراق "حجر زاوية في المنطقة". كما تحدثت عن "لقاءات" تنوي عقدها مع "المجتمعات العراقية الأكثر ضعفًا"، غير أنها لم تأتِ على ذكر صريح للدور الإيراني، في رسالة ترشيحها خلال إدارة بايدن، على عكس رسالتها عند ترشيحها في عهد ترامب.

ألينا رومانوسكي

في الشأن الثقافي، قالت إنّها ستعمل على تشجيع التبادل التعليمي بين البلدين، وبينما تحدثت في رسالتها قبل تولي منصب السفيرة في الكويت، عن 12 ألف مُبتعث كويتي إلى الولايات المتحدة، فإنّها لم تحدد في رسالتها الأخيرة عددًا للمُبتعثين العراقيين، واكتفت بالتأكيد على أنّها ستعمل لحماية 25 ألف أمريكي قالت إنهم يعيشون ويعملون في العراق، وهو ليس رقمًا متداولاً في السجالات العراقية. وقد سبق أن قالت السفيرة أن الكويت تضم 45 ألف أمريكي يعملون في شتى المجالات.

وأطلقت السفيرة في رسالتها وعودًا بعبارات عمومية حول ضرورة الإصلاح الاقتصادي ومكافحة الفساد في العراق، لكنها كانت أكثر وضوحًا حين تحدثت عن سعيها إلى دعوة العراق لشراء المزيد من الأرز والقمح الأمريكيين.

حديث رومانوسكي عن الرز يعيد إلى الأذهان تسريبات عن الحوار الذي دار شتاء العام 2019، بين السفير الأمريكي ماثيو تولر ورئيس الوزراء السابق عادل عبدالمهدي، الذي كانت قواته تنتشر في عدة مدن عراقية وتنفّذ أشنع هجمات أدت إلى سقوط ما لا يقل عن 400 متظاهر، قتلاً ميدانيًا أو اغتيالاً.

في تلك الأثناء، تسرّبت أنباء عن أن تولر قضى معظم اللقاء، في الحديث مع عبد المهدي عن زيادة استيراد العراق من الأرز الأمريكي، وهو ما تستشهد به أوساط المتظاهرين، للتدليل على "تواطؤ بين الولايات المتحدة والسلطات العراقية" في القمع المنظم قبل تظاهرات تشرين أو بعدها.

وبالعودة إلى رومانوسكي، فإنها وعلى غير عادة غالبية المسؤولين الأمريكيين، أوردت في رسالتها القصيرة، اعتراضات صريحة ضد "مستويات حقوق الإنسان في إقليم كردستان"، الذي قالت إنّه "يمثل نموذجًا للتسامح والتعايش السلمي"، لكنه أيضًا يشهد تراجعًا مقلقًا في ملف حرية التعبير، وهو ما قالت إنّها ستعمل عليه مع "الشركاء في إقليم كردستان العراق" لإطلاق إصلاحات تضمن الحفاظ على مكانة الإقليم ضمن العراق الفيدرالي.

أول امرأة منذ غلاسبي

يحتفظ كثير من العراقيين بذكريات غير سعيدة عن آخر سيدة مثّلت واشنطن في بغداد، وهي السفيرة أبريل غلاسبي، التي تتهمها أوساط مقربة من النظام السابق، بتحريض صدام حسين على غزو الكويت، أو إيهامه بأنّ ذلك "مسموح".

تواجه رومانوسكي تحديات جمّة في العراق من بينها سياسية سلفيّها وهجمات الميليشيات الموالية لطهران

أما رومانوسكي التي تستعد لشغل مقعد غلاسبي، فستكون أمام تحديات جمّة، من بينها مراجعة سياسة السفراء السابقين مثل دوغلاس سيليمان وماثيو تولر، اللذين يواجهان مع إدارتيهما اتهامات بالتغاضي عن تجفيف منابع تمويل الجماعات المسلحة في العراق، وعدم الجدية في بناء شراكة واضحة مع العراق تُنتج استثمارات يلمسها العراقيون في مدنهم المصنفة على قائمة الأسوأ للعيش، لاسيما في مجالات إنتاج الكهرباء، وافتتاح وكالات للشركات الأمريكية العالمية، وقطاعات الزراعة والري والصناعة.

وعلى الأرجح، لن تحظى السفيرة الستينية بالرفاهية والاسترخاء اللذين كانت تحظى بهما في الكويت، فلعبة "القط والفأر" في قصف "محيط السفارة" -المقر المفترض لإقامة السفيرة- أضحت إحدى النشاطات الترفيهية للجماعات المسلحة المدعومة من إيران في العراق.