العراقيون وسؤال الحرية

العراقيون وسؤال الحرية

الحرية بتعريفها الواضح هي نفي الإكراه (فيسبوك)

كل سؤال يستتبع بالضرورة مشاكله الخاصة. السؤال بعمومه يولّد إشكالية، وهذه الأخيرة تولّد مشاكل. ولا نعني بالإشكالية أو المشكلة معناها السلبي، وإنما أبعادها الوجودية والمعرفية. ما يكون الوجود؟ ما هي الشروط والإمكانات لنشوء المعرفة؟ ما هي القيم؟ هذه الأسئلة وغيرها أثارت العقل البشري على مر التاريخ، وخلقت بدورها فلاسفة ومفكرين، وهؤلاء بدورهم فتحوا إمكانيات هائلة للفكر والحياة، ولا زالت هذه المسيرة الفلسفية الهائلة في حراك دؤوب لفهم معنى الحياة. فالمشاكل تستبطن في جوهرها صيرورات وتوليفات تفتح مجالات واسعة للفكر البشري. وبالطبع ليس كل بيئة اجتماعية قادرة على توليد المشاكل، خصوصًا إن كانت هذه المشاكل تعاكس القيم السائدة، وهذه الأخيرة تعني ما تعنيه الأشياء المرغوبة. فكل ما يعاكس قيمنا يبقى في خانة النسيان. أكثر من ذلك؛ سيغدو عدوًّا ومصدر خطر وشيك.

سؤال الحرية لم يستأنف بعد عند عموم المجتمع العراقي لأنه يُنظر إليه كمشكلة اجتماعية، أي سؤال غير مرغوب فيه

هل يحتل سؤال الحرية موقعًا حيويًا عند عموم المجتمع العراقي؟ والجواب سيأتي من خلال التعريف. الحرية بتعريفها الواضح هي نفي الإكراه. ولمجرد أن يستأنف عموم العراقيين هذا السؤال ستنحدر منه مشاكل عدّة، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، حرية التفكير، وحرية التعبير، وحرية المعتقد. بالمجمل: حرية أن أكون ما أراه مناسبًا لحياتي الفكرية، والسلوكية، والروحية، ضمن مناخ قانوني تكفله دولة المواطنة. وينبغي التذكير مرة أخرى، سيقودنا سؤال الحرية إلى سلسلة من المشاكل، وربما أكثرها خطورة هي حرية التفكير. لكنّ المشاكل تحتاج إلى بيئة حاضنة متصالحة معها. بيئة تتخذ من هذه المشاكل مواضيعَ للفهم وليس للانغلاق. فعليه، إما أن تصبح المشكلة أمر محمود أو مذموم، طبقًا للسياق الثقافي ونظرته إزائها.

اقرأ/ي أيضًا: الحرية بين الحقيقة والادّعاء

نسأل بطريقة أخرى: هل سؤال الحرية يولّد مشاكل فكرية أم مشاكل اجتماعية؟ المشكلة الأولى تفتح باب الحوار والإبداع على مصارعيه، أما المشكلة الثانية تفتح باب المقاومة الاجتماعية على مصراعيه. والوقائع الاجتماعية والسياسية تؤشر لنا بوضوح أن سؤال الحرية لم يستأنف بعد عند عموم المجتمع العراقي، لأنه يُنظر إليه كمشكلة اجتماعية، أي سؤال غير مرغوب فيه، بمعنى لا يندرج في سلّم القيم المُعتادة عند المجتمع العراقي. وقد يُقال في هذا الشأن، إن سؤال الحرية في مجتمع يمر بما يسمّى بالعدالة الانتقالية، كونه يعاني من أرث استبداد ثقيل، سؤال سابق لأوانه. ونحن نصدق هذا الاعتراض لو كانت ثمّة مؤشرات لهذه العدالة الانتقالية المزعومة، أو خارطة طريق واضحة المعالم. لا يوجد حوار يعزز هذا الادعاء، من قبيل، الحوار عن الشكل المناسب لهوية الدولة، أو الحوار عن طبيعة الديمقراطية، أو الحوار عن الأسس اللازمة لإرساء قواعد متينة للمجتمع المواطني. إن "الحوار" الوحيد الذي يحظى بمشروعية ومقبولية اجتماعية وسياسية هو حوار المغانم والتسويات الطائفية.

ثمة عقد اجتماعي غير مكتوب بين القوى السياسية المهيمنة وجمهورها العقائدي، يجري على أساسه تنازل الجمهور السياسي عن كل مكاسبه السياسية والاقتصادية. ينص هذا العقد الاجتماعي، غير المعلن بشكل مباشر، على الاكتفاء بالتضامن والحميمية بين الاثنين، وإنجاح الطبقة السياسية والترويج لها بتفانٍ لا محدود، وضمان تحقيق الأغلبية السياسية. وثمن الجمهور هو لا شيء تقريبًا، ما عدا حصول السياسيين وبعض المنتفعين على مكاسب شخصية. أما الجمهور فيكفي أن يكون مواليًا في الشدّة والرخاء، وأن لا تضعف فيه روح الجماعة القائمة على السلطوية ونفي الحرية. فما أن تحلّل الحرية تغيب الجماعة العقائدية وتُنخَرُ من الداخل.

 المهم، أين ما نتجه سنجد سؤال الحرية سؤال مسكوت عنه، ليس لأنه يزاحم الأولويات، بل لأنه يمثّل مشكلة اجتماعية لأغلبية الجمهور السياسي. كيف ننتظر من جمهور سياسي أن يطرح على نفسه سؤال الحرية، وهو يحدد مرشحه الحزبي على أسس إيمانية بحتة؟ فالإيمانيات تزاحم الحرية بالضرورة. ليس هذا فحسب، بل ترادف الحرية بالإباحية؛ أنا حر التفكير إذن أنا مُتَحَلّل، أتصرف بما يحلو لي، أهدد قيم المجتمع بقيمة غير مرغوبة على الإطلاق. وبالطبع أن النظر إلى هذا الشكل المستوحى من الأدبيات الإباحية ومحاولة جعله رديفًا للتَحَلَل (أو الإلحاد في مستويات معينة)، ليس بريئًا على الإطلاق، وإنما يشكّل حربًا معلنة بأشكال تعبيرية مختلفة على مفهوم الحرية. إن الخطاب العدائي غير المباشر على الحرية يتّخذ صيغًا شتّى، ومنها: بما أنكم تفكرون بحرية، فمعنى هذا أنكم تهددون قيم مجتمعنا، لأننا أصلًا لا نعد سؤال الحرية مشكلة فكرية قابلة للحوار وإنما مشكلة اجتماعية لا تندرج في أدبياتنا الحوارية. فنحن مجتمع يسعى حثيثًا لتكريس السلطوية حتى وإن لم نعلن عنها مباشرة.

ولو تتبعّنا أسباب النفور الاجتماعي حول سؤال الحرية، لو جدنا بعض خيوطه - وليست كلها - في أمر عزيز على غالبية المجتمع العراقي، أعني به السلطوية، وهذه الأخيرة ببساطة شديدة تعني نفي المساءلة. فنحن أمام سلسلة يتوسطها نفي، ولا أعني به النفي الجدلي على الطريقة الهيغلية، بل نفي كل ما هو مصدر تهديد، نفي لكل ما هو غير مرغوب. في المدارس الدينية ثمة سلطوية تُمارس على أي مجدد يخرج من داخلها، ويُحكم عليه بالنبذ والإقصاء الاجتماعي، وفي الأسرة، تُمارس السلطوية بدافع مركزية أبوية صارمة، وجوهرها هو نفي لسؤال الحرية (تكثر هذه الظاهرة في البيئات الفقيرة ذات الجذور الريفية). فإذا كانت الحرية هي نفي الإكراه، فينبغي استدعاء هذا الأخير ببديل صارم وهو السلطوية لنفي الحرية. ثمة صراع بين الحرية والسلطوية، أحدهما ينفي الآخر، لكن في المجتمع العراقي ينتصر المرغوب على ضده، أي تنتصر السلطوية على الحرية. هذه المشكلة إذن: ليست لأن الحرية سابقة لأوانها نظرًا لزحمة سلّم الأولويات، بل لأنها أصلًا تزاحم السلطوية، وهذه الأخيرة مرغوبة، بينما الحرية ليست مرغوبة؛ إنها مسّ شيطاني فينبغي الاستعاذة منها بالسلطوية!

بناءً على ما تقدّم، يمكن القول إن أغلبية الجمهور السياسي (وهي أغلبية عقائدية على أي حال) لم يبلور في ذهنه سؤال الحرية، لأنه سيولّد مشكلة اجتماعية كما قلنا.  هذا الجمهور لا توجد لديه مشكلة في السلطوية وإنما في هوية السلطوية؛ كلما كانت قريبة إلى وجداننا العقائدي كانت إلى قلوبنا أقرب، وبخلافه سنغدو معارضين. بمعنى، سنعارض السلطوية ليست لأنها نفي للحرية، بل لأنها لا تندرج ضمن مكونات هويتنا العقائدية. بل لا نطالب من هذا الشخص السلطوي، لا حقوق، ولا خدمات، ولا برامج تنموية، مادام لا يمشي بالضد ممّا نرغب. ماذا نرغب؟ نرغب بتنظيمات سياسية هيكلها القانوني والإداري عَلماني، لكنّها أيام التحشيد والكرنفالات الانتخابية تستخرج الخطاب العقائدي من جعبتها لتعزز فيه وجداننا القمعي، ومن ثمّ تبدأ بمهاجمة العلمانية بعد الاستقرار. لو رُشّحَ أحدهم على أساس برنامج تنموي فسيفشل على الأرجح. في الوعي الطائفي الرث نعثر على مفاضلة غريبة: يمكن أن يتفاضل المستبدون فيما بينهم اعتمادًا على قربهم من وجداننا وولاءاتنا.

إن الحرية هي نفي للإكراه، وهذا الأخير يتكثف في السلطوية، ونحن متصالحون مع السلطوية

فمعظم من سقطوا في الاحتجاجات هم ضحايا النبذ الاجتماعي، ضحايا السلطوية. حينما طُرح سؤال الحرية من قبل الفئات المعارضة، جاءهم الرد مزلزلًا من دعاة السلطوية؛ إنها معركة نفي قاسية ومرعبة ودموية؛ معركة الانتصار لقيم السلطوية ونفي كل ما عداها، فكانت الحرية وأنصارها هم الثمن الباهض. لذلك لا نستغرب من الردود المتهورة والغبية على سؤال الحرية. كانت مجمل هذه الردود تكثف نفسها بجواب واحد: إن الحرية هي نفي للإكراه، وهذا الأخير يتكثف في السلطوية، ونحن متصالحون مع السلطوية، إلّا إذا جاءت بالضد من هويتنا. فسؤال الحرية هو السؤال الذي لم يُستَأنف بعد، ونفي الإكراه سيُرَدُ عليه بنفي غير مسبوق. وعملية النفي هذه، كما قلنا، لا تفضي إلى نتائج كيفية، وإنما ستُعزز إرادة اجتماعية عزيزة على قلوب الأغلبية، وهي إرادة العدم، التي تنتصر فيها قوى السلطوية وجمهورها الغفير.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

رياح الحرية والقيم الراسخة.. هل مياهنا راكدة؟

الحرية بوصفها مشكلة اجتماعية