العصائب توفد

العصائب توفد "فريق إنقاذ إعلامي".. لماذا تستميت الفصائل دفاعاً عن عبد المهدي؟!

مثل تكليف عبد المهدي فرصة ذهبية للعصائب ما دفعها إلى "حمايته" إعلاميًا

الترا عراق - فريق التحرير

منذ اللحظة الأولى لتحضيرات تظاهرات تشرين الأول/أكتوبر 2019، تعامل زعيم حركة عصائب أهل الحق، قيس الخزعلي، مع الحدث الذي كان مرتقبًا –كسائر زعماء الفصائل- بوصفه "مؤامرة" تقودها أطراف سياسية، واستمرت مشاعر "الذعر" من سيناريو حركة شعبية استئصالية تراود الخزعلي، وتظهر في نبرات صوته وهو يتحدث للإعلاميين عن ما يُمكن أن تؤول إليه الأمور، كما تجلت المخاوف بشكل أوضح، في بيان القيادي في الحركة، عدنان فيحان، وهو يعبر عن رفضه الشديد لتسريب تسجيلات صوتية تكشف الشخصيات التي أصدرت أوامر قمع المتظاهرين.

أوفد قيس الخزعلي أحد الكوادر المتقدمة في فضائيته  إلى مكتب عبد المهدي في محاولة لإنقاذ ما يُمكن انقاذه بعد الحرج البالغ الذي تسبب به خطاب الثالث من تشرين

وبعد أن تدخل شخصيًا للتحذير من التظاهرات التي توشك أن تُطيح بحكومة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي، أوفد الخزعلي أحد الكوادر المتقدمة في فضائيته "العهد" إلى مكتب عبد المهدي في محاولة لإنقاذ ما يُمكن انقاذه، خاصةً بعد الحرج البالغ الذي تسبب به خطاب الثالث من تشرين الأول/أكتوبر، حيث تحدثت دوائر مقربة من رئيس الوزراء عن ضعف واضح في الأداء الإعلامي لرئيس الوزراء، يُنتظر أن يرفعه الوافد الجديد.

اقرأ/ي أيضًا: القصة الكاملة للإعلام الإيراني في العراق من مصادر حصرية

تواجه حركة عصائب أهل الحق قائمة لا تكاد تنتهي من الاتهامات، تبدأ مع تولي زعيمها قيس الخزعلي إدارة "المجموعات الخاصة" في جيش المهدي التابع لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، حيث يُتهم الخزعلي بالإشراف على عمليات الخطف والقتل التي طالت مدنيين وعسكريين عراقيين في السنوات الأولى للاحتلال الأمريكي، ولا تنتهي بالأحاديث المتواترة عن قيادته حملة هادئة للاستيلاء على عقارات في مواقع مهمة داخل العاصمة بغداد والمحافظات، مستغلًا حصوله على وزارتين "الثقافة والعمل" في حكومة عبدالمهدي، فضلًا عن تفاهمات جناحه المسلح مع المستثمرين ورجال الأعمال، الذين يقول كثير منهم إنهم مضطرون للتنسيق مع جهة مسلحة ما لضمان سير أعمالهم بأمان، وبلا عبوات ناسفة أو ملاحقات سيارات "جمس يوكن السوداء المظللة".

يقول أنصار التيار الصدري اليوم، إن الصدر عزل الخزعلي مطلع عام 2011، في إطار "حملة تطهير داخلية" لتخليص التيار من العناصر المتهمة بإراقة الدماء في أحداث العنف الطائفي.

لكن الخزعلي يقدم نفسه وحركته كجزء من "البدائل الممكنة" للأحزاب الشيعية التقليدية التي تواجه انهيارات متلاحقة في شعبيتها مابعد العام 2018، كحزب الدعوة الإسلامية، المجلس الأعلى الإسلامي، وغيرهما، ومن أجل هذا، يولي اهتمامًا بالغًا بالجانب الإعلامي.

عبدالمهدي.. الفرصة الذهبية

ومثّل تكليف رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، بالطريقة التي أدار بها التوازنات الداخلية، فرصة ذهبية بالنسبة لحركة عصائب أهل الحق، وبقية الفصائل الشيعية المسلحة المتطلعة إلى دور سياسي أكبر في مرحلة ما بعد الأحزاب الكبرى (الدعوة والمجلس)، وافق عبد المهدي على منح وزارتين من كابينته لحركة العصائب، ووزارة أخرى هي الاتصالات لفصيل مسلح ثانٍ يقوده زعيم شاب آخر يُدعى شبل الزيدي، انضم مع زميله الخزعلي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، إلى قائمة العقوبات الأمريكية التي اتهمته بإدارة عمليات تهريب النفط العراقي إلى إيران.

مثل تكليف عبد المهدي فرصة ذهبية للعصائب حيث فضل التحرك في مناطق "غير حساسة" وبدا أنه سلم الداخل للفصائل المسلحة

بدا عبد المهدي متساهلًا مع الجدل الداخلي حول سلاح الفصائل المسلحة، ومصير "الحشد الشعبي" وفضّل رئيس الوزراء -الذي وُلد من رحم اتفاق بين مقتدى الصدر، وتحالف الفتح الذي يضم معظم الأجنحة المقربة من إيران- فضّل التحرك في مناطق غير حساسة، كالقيام بزيارات إقليمية ودولية، والتركيز على العلاقات الخارجية، وفي غضون عام، بدا أن عبد المهدي أجرى تقاسمًا غير مُعلن مع الفصائل المقربة من إيران، يتسلم بموجبها إدارة السياسة الخارجية، ويسلم للفصائل الداخل بما فيه.

حماية إعلامية!

تدريجيًا، بدأت الفصائل المسلحة تحيط عبد المهدي بحماية إعلامية، تحوّلت لهجة فضائيات الفصائل المسلحة من الحياد تجاه عبد المهدي، خلال الأشهر الأولى، إلى الانحياز المعتدل لرئيس الوزراء، الذي أظهر هو الآخر ثباتًا في حماية المناصب التي حصلت عليها أحزاب الجماعات المسلحة. واجه عبد المهدي جميع الدعوات لإخراج المناصب الحكومية من دائرة التقاسم السياسي، واستمر بتمرير المناصب وتوزيعها على الكتل السياسية، وصولًا إلى مدير مكتبه أبو جهاد الهاشمي الرجل المقرب من إيران والذي شغل مناصب قيادية رفيعة في المجلس الإسلامي الأعلى.

وكلما ضاق الخناق الشعبي على عبد المهدي، أظهرت الفصائل تقدمًا أكبر في حمايته، وصولًا إلى تحضيرات تظاهرات تشرين الأول/أكتوبر، حيث تقدم قيس الخزعلي شخصيًا للذود عن عبد المهدي.

بدأت الفصائل المسلحة تحيط عبد المهدي بحماية إعلامية وكلما ضاق الخناق الشعبي عليه أظهرت الفصائل تقدمًا أكبر في حمايته حتى تقدم الخزعلي شخصيًا للذود عنه

استدعى الخزعلي أواخر آب/أغسطس الماضي، مجموعة من الإعلاميين إلى مكتبه، وعقد معهم لقاءً على طريقة رؤساء الدول الكبرى، حيث لم يكتف بحوار ينظمه محاور، بل ظهر وهو يتوسط جمعًا من الإعلاميين، ويتحدث عن مسارات خطيرة.

نقل الخزعلي في الثامن والعشرين من آب/أغسطس، المعلومات عن تحضيرات تظاهرات الأول من تشرين الأول، بوصفها بيانات سرية حصل عليها، وكعادته، اتهم أطرافًا خارجية برعاية التظاهرات التي لم تكن قد انطلقت بعد.

"الخطاب المستفز"

وفّرت كلمات الخزعلي، وعشرات التغطيات الساندة "لخطوات عبد المهدي الإصلاحية" زخمًا شيعيًا مضادًا للحراك الشعبي ضد الحكومة، لكن ارتفاع عدد الضحايا في الأيام الثلاثة الأولى للتظاهرات لم يكن مفهومًا لدى شريحة "المتفرجين" التي بدأت تبدي تعاطفًا مع الحركة الاحتجاجية، وفاقم مأزق حكومة عبد المهدي وحلفائها من الفصائل، الخطابُ الذي ظهر فيه عبد المهدي (3 تشرين الأول) جالسًا خلف مائدة رتيبة، متحدثًا بلغة ملؤها الاسترخاء، عن تعرض مبانٍ للتخريب، وتهديد للتجربة الديمقراطية، خطابٌ لم يكن يوازي من وجهة نظر كثيرين، سقوط عشرات القتلى وتجاوز عدد الجرحى حاجز الألف، حيث كان خاليًا من أي تعابير إنسانية تتعلق بالضحايا وذويهم، قدر تركيزه على عمليات التخريب المفترضة.

اقرأ/ي أيضًا: الإعلام الحكومي العراقي.. جيش موظفين في جثّة تحنطها مليارات السلطة

في وقت لاحق، سرّب مقرّبون من عبد المهدي معلومات عن لحظات كتابة الخطاب المستفز الذي كان مقررًا بثه قبل منتصف الليل، قال صحفي في المكتب الإعلامي لعبد المهدي، وعزز شهادته آخر مقرب من رئيس الوزراء، إن الأخير كان قد كتب خطاب استقالته في تلك الليلة، إلا أن مبعوثين من عدة فصائل مسلحة وأحزاب وصلوا إلى مكتبه، ونجحوا في ثنيه عن إلقاء خطاب الاستقالة، وقدموا له الخطاب التصعيدي الذي تلاه.

خلف خطاب عبد المهدي "المستفز" في الثالث من تشرين ردود فعل سلبية وتحدثت عدة أطراف عن خلل بالغ في الطريقة التي تعامل بها مع الأحداث

لا نشر في يوتيوب وفيسبوك!

المصادر التي تحدثت لـ "الترا عراق" من داخل مكتب رئيس الوزراء، أشارت إلى أن ردود الفعل السلبية تجاه الخطاب، وصلت إلى عبد المهدي ودوائره المقربة، وأن الجميع تقريبًا تحدثوا عن خلل بالغ في الطريقة التي تعامل بها عبد المهدي مع الأحداث، وامتنع المكتب الإعلامي عن نشر الخطاب في قناة رئاسة الوزراء على موقع يوتيوب، وعلى صفحة المكتب الإعلامي في فيسبوك.

في الحادي عشر من تشرين الأول/أكتوبر، تسرب نبأ تكليف أحد أحد أهم إعلاميي حركة عصائب أهل الحق، مديرًا أو مسؤولًا في المكتب الإعلامي لعبد المهدي.

لم يتم الإعلان رسميًا عن الخبر، لكن المصادر الموثوقة والمتقاطعة، تشير إلى أنه انتقل منذ مطلع تشرين إلى مكتب عبدالمهدي، ومعه عدد من الفنيين والخبراء للإشراف على النشاط الإعلامي لرئيس الوزراء.

وهي حركة تكشف حجم المأزق الذي يواجه حركة عصائب أهل الحق، والرغبة العارمة في الاحتفاظ بعبد المهدي في منصبه، حيث قررت زعامة الحركة التفريط بخدمات أحد خبراء إعلامها النادرين، ورميه طوق نجاة لعبد المهدي الذي يغرق بين دعوات تظاهرات الخامس والعشرين من تشرين الأول، وازدياد الضغط بعد انضمام زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر إلى دعم الاحتجاجات.

أبرز قيادات العصائب: حرب قذرة

الحرج ذاته يظهر بين سطور أبرز قيادات العصائب، عدنان فيحان، الذي كتب سطورًا ملؤها الغضب (21 تشرين الأول/أكتور 2019)، ضد تسريب تسجيلات صوتية تكشف أسماء المتورطين بإصدار أوامر قمع المتظاهرين في بابل، وهو ما قد يشكل ضغطًا على بقية القيادات يدعوهم لمراجعة قراراتهم قبل إصدار قرارات القمع في تظاهرات الجمعة المقبلة، فضلًا عن أنه يُمكن أن يقود إلى تساقط على طريقة الدومينو، بين المرؤوسين ورؤسائهم في شأن المسؤولية عن سقوط أكثر من مئة قتيل وآلاف الجرحى.

كتب فيحان في بيانه "حرب تسريب التسجيلات الصوتية للقادة والمسؤولين في بابل حرب قذرة هدفها إذكاء الفتنة وتعميق الفجوة بين الجماهير والمسؤولين وأخذ المحافظة إلى الفوضى وتدمير الممتلكات والدوائر وإسالة الدماء الغالية من أي طرف كانت، نحن كتلة صادقون/عصائب أهل الحق، ندعم ونقف خلف الأجهزة الأمنية بكل صنوفها وتشكيلاتها قائدًا وضباطًا ومنتسبين، وهم أهل للثقة في الحفاظ على أمن واستقرار  بابل وأهلها. نطالب السيد المحافظ ورئيس مجلس المحافظة بتقديم استقالتهما لأنهما المسؤولان عن حفظ أسرار الجلسات الرسمية وما يجري فيها من نقاشات وحوارات، وفي حالة عدم استجابة السيد المحافظ ورئيس مجلس المحافظة لهذا المطلب تدعو كتلة صادقون أعضاء مجلس المحافظة لعقد جلسة استثنائية لإقالتهما وفتح باب الترشيح".

ترمي الفصائل بكل ثقلها لتعضيد جبهة عبد المهدي، وتبدو خطواتها، وعلى رأسها العصائب، غير آبهة بالتأثير الشعبي والمجتمعي، قدر تعلق الأمر بإنقاذ ما يُمكن إنقاذه

ترمي الفصائل المسلحة بكل ثقلها في هذه الساعات الأخيرة، لتعضيد جبهة عبد المهدي، وتبدو خطوات الفصائل، وعلى رأسها العصائب، غير آبهة بالتأثير الشعبي والمجتمعي، قدر تعلق الأمر بإنقاذ ما يُمكن إنقاذه من حكومة عبدالمهدي، أو على الأقل، في إنتاج معادلة جديدة، تحفظ المكاسب المريحة التي وفرها وجود الرجل طيلة العام الماضي أعلى هرم السلطة، لكن المؤشرات -رغم الانكفاء والاصطفاف الفصائلي- تشير إلى أيام صعبة تنتظر تلك المكتسبات، مع تحول الدعوة إلى تظاهرة الجمعة المقبلة إلى دعوة شعبية شاملة، ستدفع بأضعاف مضاعفة من المتظاهرين عن أولئك الذين تواجدوا في الساحات بعد الأول من تشرين. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

السلطة تحاصر الصحافيين في محاولة لإسكات الاحتجاجات العراقية!

التغطية تحت أزيز الرصاص.. كيف وثق الصحفيون احتجاجات تشرين؟