المعاناة كأفق للتبصر

المعاناة كأفق للتبصر

النقطة التي تشترك فيها كل الكائنات البشرية هي المعاناة (فيسبوك)

الولادة معاناة، والشيخوخة معاناة، والمرض معاناة، والموت معاناة، فراقك لمن تُحب معاناة، ولقائك بأولئك الذين ليسوا أعزّاء معاناة، وعدم حيازة ما ترغب معاناة، وعدم الحفاظ على ما لدينا كذلك معاناة. وتحيل الشيخوخة أسباب الجمال إلى قبح. فيخطف العمر الجلال والقدرة ويأخذها بعيدًا. وتسرق الشيخوخة السعادة وتأخذها بعيدًا وتسبب المعاناة. البوذا

المعاناة هي البساط الذي يغلّف عتبة الوجود، بل لا يمكننا التمييز بين العتبة والبساط فهما متضايفان لا يتبدّى طرف إلّا بالاعتماد على الأخر، فكلاهما يبدوان بتزامن لحظي بسرعة قصوى درجتها الصفر المطلق!. ليس المعاناة متعالية على الوجود: ليست مقولة ميتافيزيقية ولا تمثّل قبلي؛ إنها لحم الوجود وسداه! فإذا كان الوجود والفكر يتلاحمان لإنتاج الحدث، بتعبير جيل دولوز، فالوجود والفكر، من منظور البوذا، نسيج معقّد "عشّ الغراب.. غابة من الخيزران"، لا توجد نقطة مرجعية له يمكن الإحالة إليها، بساط مفروش للألم والمعاناة؛ لا يمكن فصلهما (الوجود والفكر) وتمييزهما إلّا لدواعٍ نظرية، وهذه الأخيرة لا تحظى باهتمام بالغ عند البوذا إلّا من حيث قوتها الكشفية لجذر المعاناة الذي يتخلل جميع مسامات الوجود، أي أن تكون المفاهيم دالة على الظواهر التي تعزز أوهامنا وتساهم في الإشارة إلى البنية العميقة التي تتسلل منها دفقات المعاناة المتوالية.

 مهما تلونت أشكالنا واختلفت هوياتنا، يبقى هناك شيء لا يفارقنا وهو الإحساس بالمعاناة

 فالشق الذي يحتل أهمية قصوى في طريق البوذا هو أن تكون المفاهيم المصطنعة مصابيح كاشفة للظواهر لتبيان صيرورتها التي تمعن في معاناتنا بالتحديد. فالبوذا ليس فيلسوفًا بالمعنى التقليدي، ولا عالمًا تستهويه الدوال العلمية، ولا شاعرًا يسهم في خلق المدركات الحسية؛ إنه الجراح الذي خبر البنية العميقة لهذا الوجود، واكتشف الجرح النازف في أعماق  الكائن البشري؛ إنها المعاناة التي تتحكم بوجودنا المشروط؛ المشروط بالألم والمعاناة، والذي تتحكم فيه قوة قاهرة؛ قوة الفناء، واللاديمومة، واللا جوهرية.

اقرأ/ي أيضًا: ما هي أصنامنا الذهنية؟

أن تعرف، بالنسبة إلى بوذا، يعني أن تعرف حدود جهلك، أن تعرف حدود جهلك يعني أن تقبض على سيل التدفقات وهدير الألم الذي لا يتوقف إلا باستحضار المعاناة كأفق للتبصر. ثمة كابوس يتغلغل في ذاكرة الأحياء وهو الخوف من المعاناة، الخوف من الفناء، الخوف من اللاديمومة وتقلّبات أحوال الوجود، ظنًا من الكائن البشري أن الوجود والمعاناة يقعان في دائرة التعارض! في حين يشكّل الوجود والمعاناة، إن أمكننا الفصل بينهما ولو نظريًا، نسيجًا واحدًا.

النقطة التي تشترك فيها كل الكائنات البشرية هي المعاناة. فمهما كانت صورها مختلفة تبقى الكائنات مرتبطة بجذر مشترك للمعاناة، كما يرى الحكيم بوذا. باختصار، إن هذا التباين في المعاناة لا ينفي اشتراكنا سويةً في جذر واحد، فهي اختلافات كيفية فحسب. فمهما اتخَذَتْ صور المعاناة أنماطًا متباينة، فهي ليست سوى أشكال تعبيرية مختلفة لحقيقة واحدة، وتعبيرها الجامع: "أنا أعاني". فلو جاز لنا الكلام عن حقيقة مشتركة تحقق لنا إجماعًا كونيًا، إن صحّ التعبير، فسوف يطلّ علينا مفهوم المعاناة كأفقٍ للتبصر بحقيقة الكائن البشري.

 بمعنى آخر، إنّه المفهوم الذي يعمّق بصيرتنا نحو فهم حقيقة هذا الوجود البشري. ذلك أنّ الحكيم الهندي المستنير لم يكن مهمومًا بأي سؤال ميتافيزيقي، بقدر ما كان مهمومًا بقصة العذاب البشري: الولادة معاناة، المرض معاناة، الشيخوخة معاناة، الموت معاناة.. هذه الحقائق الأربعة التي تؤرّق الوجود البشري برمّته، وما من نازلةٍ تحلّ على الإنسان إلا وكانت صدىً لهذه الحقائق ذات الطبيعة القاهرة والموجعة.

 إنّها سلسلة من الالآم البشرية التي تتصل حلقاتها بهذه الحقائق الأربعة. لقد أدرك بوذا هشاشة الوضع البشري، وأدرك ببصيرته أن الأسئلة الميتافيزيقية لا تجيب عن معاناتنا، فنحن مثل المصاب بسهم في قلبه وننشغل بالسؤال عمّن أطلق السهم، وهل هو مسموم أم لا، وكم طوله ونحو ذلك، بينما يقتضي منّا إزالة السهم بأسرع وقت، وإلّا سيبقى النزيف متدفقًا مهما كانت نوعية الأسئلة المطروحة التي ترتبط بطبيعة السهم ولا علاقة لها بطبيعة النزيف! إن السؤال العملي الوحيد هو العثور على الترياق الشافي لهذا السم الزعاف.

 ثمّة أمر غائب عن فهم الكائن البشري، ذلك أننا مهما تلونت أشكالنا واختلفت هوياتنا، يبقى هناك شيء لا يفارقنا وهو الإحساس بالمعاناة، ذلك الإحساس العميق الذي يتوزع بطرق مختلفة على مجمل حياتنا النفسية والاجتماعية والسياسية. إن نسيان المعاناة المشتركة يساهم في تضخيم الأنا والنزوع إلى التميّز والشعور بالأهمية تجاه الآخرين، ما يجعل  الهوية الشخصية، القبيلة، المذهب، أو العرق، هي قدس الأقداس، والجامع للولاءات والمعيار الأوحد لتعميق حس التضامن حتى لو كانت معانتنا مشتركة. لكن في النهاية: لا القبيلة، ولا المذهب، ولا النخب السياسية خففت من معاناتنا العامّة على الأقل، بل ساهمت، وهذه مفارقة، في تضخيم شدة الألم البشري! وابتدعت أشكالًا كابوسية لتضخيم معاناتنا.

على أي حال، مالم يأخذ سؤال المعاناة حيّزًا واسعًا في فكرنا فسترتد علينا أصدائه، بل سيبدو كما المرآة المتشظية تعكس أكثر من وجه، حتى لو كانت مجموعة  في إطار يجمعها، ولا تحيلنا إلى نقطة مرجعية واحدة بل إلى شظايا متكسرة كل منها يعكس الصورة المناسبة لمقدار التشوهات التي تعتريها. فجميع الأفكار التي تتنكر لسؤال المعاناة وتتجاهله ولا تضعه في سلم أولوياتها هي بمنزلة شظايا المرآة المتكسرة. ومن ثمّ لا تعكس لنا هذه المرأة سوى أشكالها المشوهة وليست الحقيقة كما هي.

مالم يأخذ سؤال المعاناة حيّزًا واسعًا في فكرنا فسترتد علينا أصدائه، بل سيبدو كما المرآة المتشظية تعكس أكثر من وجه

 إن الأفق الذي ينبغي على الكائن البشري يتخذه كبساط يسطر عليه أسئلته الوجودية هو: ماهي المعاناة، و لماذا أعاني، وما هو العلاج المناسب لعبور هذه المحنة الذي نزلت على الكائن البشري دون أن يعرف السبيل الواضح للخروج منها.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الخوف من التغيير

القراءة والحرية