الموت بـ

الموت بـ"ألف" دينار.. قصص من فاجعة العبّارة في ربيع الموصل!

عدد ضحايا العبّارة وصل إلى 170 شخصًا حتى الآن (مصدر خاص)

صبيحة اليوم العالمي للأم، والذي تزامن مع أعياد "نوروز" في 21 آذار/ مارس، خطّط علي محمد، من أهالي مدينة الموصل بمحافظة نينوى للخروج مع والدته إلى منطقة الغابات في الجزيرة السياحية بأطراف المدينة. اصطحبها مع أخته، وبالتأكيد كانت زوجته التي لم يمض على ارتباطها به سوى أشهر معدودة تستعد للرحلة المنتظرة، بينما كان عبد الجبار الجبوري يستعد مع زوجته وأختها وبناته الثلاث للذهاب أيضًا وقضاء بعض الوقت هناك، للترفيه عن النفس.

نزهة الموت بسعر ألف دينار!

وصلوا جميعًا وقت الظهر، كانت الجزيرة السياحية ملأى بالعوائل التي تجمعت من أحياء الموصل المختلفة. بصحبة الرجال ينتظر النسوة والأطفال عبور نهر دجلة للذهاب إلى المتنزهات في منطقة الغابات، التي لا يفصلهم عنها سوى عرض نهر دجلة، الذي أشتد تياره وأرتفعت مناسيب المياه فيه، بعد يوم واحد إثر فتح بوابات سد الموصل "شمال المدينة"، بسبب زيادة الخزين المائي.

المسؤولون عن عبور الركّاب في "العبّارة" لم يكونوا مكترثين لحمولتها التي لا تستوعب أكثر من 50 شخصًا، حملوها بأكثر من 170 شخصًا بينهم نساء وأطفال ورجال

على ضفة النهر، كان المسؤولون عن عبور الركاب في العبارة يتنظرون صعود أكبر عدد ممكن من الأشخاص على متنها حتى ينطلقوا صوب الضفة الأخرى، كلما زادت عدد الركاب جمعوا أكبر قدر من الأموال، حيث سيتقاضون عن الشخص الواحد مبلغ "1000 دينار عراقي"، ما يعادل (83) سنتًا أمريكيًا.

لم يكونوا مكترثين لحمولة العبّارة التي لا تستوعب أكثر من 50 شخصًا، حملوها بأكثر من 170 شخصًا، بضمنهم عائلة محمد والجبوري مع زوجته وبناته، وسيكون نفس العدد أو يكبره بقليل عند العودة من الضفة الأخرى، حيث العوائل العائدة من النزهة تنتظر دورها للعصود والرجوع.

 لم تستطع العوائل المنتظرة في الضفة الأخرى الرجوع، لأنها بقيت تراقب مشهد انقلاب العبارة القادمة، وتناثر الركاب بينهم نسوة وأطفال وسط نهر دجلة، الذي بدأ تياره السريع بجرف الركاب فور انقلاب العبارة، فيما أخذت مياهه المرتفعة تغرق الأطفال وتجرف النساء بعيدًا، وسط محاولة الرجال من الذين يجيدون السباحة إنقاذ ما يمكن من الأطفال والنساء. 

اقرأ/ي أيضًا: ارتفاع حصيلة ضحايا غرق العبّارة والمرجعية تعلّق وهذا ما حدث مع العاكوب

وأعلنت وزارة الصحة، عقب الحادث أمس الخميس، حصيلة ضحايا حادثة عبّارة الجزيرة السياحية في مدينة الموصل.

ونقلت قناة العراقية شبه الرسمية، في خبر عاجل، عن الصحة قولها، إن "حصيلة حادث غرق العبارة في الجزيرة السياحية بمدينة الموصل، كانت غرق 33 امرأة و12 طفلاً و10 رجال"، فيما أعلن رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، والذي وصل مدينة الموصل ليلًا أن "عدد الضحايا بلغ "85 شخصًا، فيما تم إنقاذ 55 بينهم أطفال"، مضيفًا أن "عمليات البحث ما تزال مستمرة للبحث عن مفقودين آخرين".

استطاع عبد الجبار النجاة بنفسه من الغرق دون زوجته وبناته الثلاث وأخت زوجته وأطفالها، فيما قضى علي محمد المتزوج حديثًا نحبه غرقًا برفقة أمه وأخته وزوجته، بحسب الصحفي أحمد الزيدي، الذي كان من بين أول الواصلين لمكان الحادثة.

أضاف الزيدي في حديثه لـ"الترا عراق"، أن "عمليات البحث عن الجثث التي استمرت حتى ساعات متأخرة من الليل، أسفرت عن انتشال عدد من الغرقى، بينهم إحدى بنات عبد الجبار الجبوري وزوجته، مع وجود مفقودين لم تعثر عليهم الشرطة النهرية، من بينهم عائلة محمد".

وتابع الزيدي، أن "مدير حمام  العليل أعلن العثور على ثلاث جثث، لامرأة وثلاثة أطفال في منطقة تبعد عن الحادث أكثر من 7 كيلو متر، جنوب شرقي الموصل"، مشيرًا إلى أن "مجموعة من شباب الموصل عثروا على جثة في منطقة الكيارة، التي تبعد حوالي 50 كيلو مترًا عن مكان غرق العبارة".

العراقيون يتفاعلون.. "هذولة عيالي" ومطالب بإغلاق قناة العراقية

مثل النار في الهشيم، تناقل ناشطون بمواقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" خبر غرق العبارة مع صورها ومقاطع الفيديو في الجزيرة السياحية بالموصل، ذّكر بعضهم بحادثة إلغاء مبارة الجوية والزوراء بعد امتلاء الملعب بالمشجعين، وعاد بعضهم إلى سنوات ماضية لانفجار حدث في الكويت، فيما طالب قسم منهم بإغلاق قناة العراقية الرسمية لعدم اكتراثها بالحادثة واستمرارها ببث البرامج بدم بارد.

وكانت مبارة الزوراء والجوية ضمن بطولة الدوري العراقي الممتاز لكرة القدم قد ألغيت بسبب أعداد الجماهير التي بلغت نحو 80 ألف شخص، وفق مصادر صحفية، وهو ما يفوق الطاقة الاستيعابية للملعب التي لا تتجاوز 29 ألف متفرج وفق وزارة الشباب والرياضة، وسط اتهامات ببيع بطاقات دخول أكثر من الطاقة الاستيعابية لملعب الشعب الدولي، ما أدى إلى حدوث الفوضى وتأجيل المباراة.

وعاد محمد ملا طلال إلى الكلمة الشهيرة لأمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، عام 2015 عند وصوله إلى مسجد "الإمام الصادق" بمنطقة الصوابر في العاصمة الكويتية، عقب تفجير استهدف المسجد خلال صلاة الجمعة، وأوقع العشرات بين قتلى وجرحى، حيث قال عن الضحايا: "هذولة عيالي"، أي عائلته.

ونشر طلال بصفحته على موقع "فيسبوك"، قائلًا "هذولة عيالي"، في إشارة إلى أن المسؤولين في البلاد وبعد كل خسائر بشرية لا يهتمون بعدد الضحايا، ولا يعتبرونهم أبناؤهم أو عيالهم ولا يتألمون لوقوع الضحايا، كما عبر الصباح عن ألمه بضحايا مواطنيه.

ولم تسلم قناة العراقية شبة الرسيمة والتي اكتفت بتغطية الحادثة عن طريق العواجل فقط، بعد ساعات من وقوعها، من غضب الناشطين بمواقع التواصل الاجتماعي.

وقالت بتول الموسوي بصفحتها الشخصية، على "فيسبوك"، مخاطبة شبكة الإعلام العراقي، "قناة العراقية، صح النوم، 70 ضحية بين طفل وامرأة وشاب حصيلة غرق العبارة في الغابات حتى الآن وأنتم نائمون.. إن لم تستح فافعل ما شئت".

من جانبه، قال حيسن ماهر الخزرجي، في صفحته الشخصية، إن "اهتمام الإعلام العربي والعالمي بالمصيبة التي حدثت بالموصل، دفع عادل عبدالمهدي بالمجيء إلى الموصل"، مشيرًا إلى أن "قناة العراقية لم تقطع بثها وأغانيها كما فعلت أكثر القنوات العربية".

 

ونشر سعد رعد، على صفحته صورة لخبر تحذير الموارد المائية المواطنين القريبين من ضفة النهر من زيادة الإطلاقات المائية من سد الموصل، متساءلًا عن دور القناة مع تحذيرات كهذه، مطالبًا بـ"غلق قناة العراقية".

الحصيلة النهائية.. أيهما أصدق؛ الضحايا أم السلطات؟

أعلنت قيادة عمليات نينوى، في صباح 22 آذار/ مارس، 2019، عن آخر حصيلة لضحايا حادثة غرق العبارة في الجزيرة السياحية بالموصل، وعدد الذين تم إنقاذهم حتى صباح اليوم، في وقت كشفت مصادر أمنية عن أعداد الضحايا حتى اللحظة وسط تضارب كبير مع الإعلام الرسمي، بشأن أعداد القتلى والمفقودين.

وذكرت قيادة العمليات، في بيان مقتضب،  تلقى "ألترا عراق"، نسخة منه، أن "موقف غرق العبارة في منطقة الغابات حتى الساعة 11 من اليوم، الأشخاص الأحياء الذين تم إنقاذهم 55 شخصًا والمتوفين 95 شخصًا"، مشيرة إلى أن "عمليات البحث عن جثث المفقودين ما زالت مستمرة"، فيما كشفت مصادر أمنية لـ"ألترا عراق"، أن "عدد الضحايا وصل إلى 170 شخصًا حتى الآن، بينهم مفقودون".

ويرجح متابعون أن الأعداد الحقيقة للغرقى والمفقودين تتعمد منصّات الإعلام الرسمية إخفائها، فمشيرين إلى أن الحقائق ستظهر قريبًا، خاصّة مع وجود عدد كبير من فاقدي الوعي بالمستشفيات والذين يتلقون العلاج، كما حصل مع الناشطة "آية نوفل"، والتي ذكرت على صفحتها بموقع "فيسبوك" أثناء إعداد التقرير، قائلة، إنه "لمن يسأل عني، أنا نجوت من الموت بإعجوبة وخرجت من المستشفى، لكني فقدت أمي الحبيبة وأختي نور وأخي أنس أرجو الدعاء لنا، إنا لله وإنا إليه راجعون".

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

نائب: 287 شخصًا كانوا على متن عبارة الموصل.. ووقفة للأهالي أمام الطب العدلي

التهريب والأتاوات في الموصل..هل هو الانهيار مجددًا؟