بلد المحاكاة المُشوَّهَة

بلد المحاكاة المُشوَّهَة

في العراق تبدو الأمور كما لو أنها مقلوبة رأسًا على عقب (فيسبوك)

تخبرنا سنن التاريخ أن المغلوب يقلّد الغالب، ذلك أن الطبقة المهيمنة تمتلك كل شروط القوة والازدهار. على عكس الطبقة المُهَيمَن عليها، تظهر كل صفات الدونية والضعف والانكسار. ويتجلى هذا الضعف والانكسار في مظاهر متعددة، ومنها شيوع المحاكاة المشوهة بين المجتمعات التي منيت بتراجع حضاري كبير، ورمى بها التاريخ في أقصى زاوية هامشية. فليس لها سوى المحاكاة الصورة الفجّة والمبتذلة والسطحية؛ فهي للاستهلاك أقرب منها للإنتاج، وللشعارات أقرب منها للعمل، وللتجريد أقرب منها للواقع الملموس. إن المحاكاة المشوّهة تعمل على تجريد الصورة الأصل وتنزع عنها مضامينها الجوهرية وتحيلها إلى حالة برزخية بين الموت والحياة. إن كائن المحاكاة هو أقرب إلى كائن "الزومبي" الأسطوري؛ إذ يتأرجح هذا الكائن بين فكي الموت والحياة.

في العراق نظام اقتصادي ريعي، لا هو رأسمالي على وجه، ولا هو اشتراكي على وجه، ولا هو اقتصاد رفاه على طريقة الدول الاسكندنافية

في مشرقنا العربي، الذي يعاني من تراجع حضاري كبير، تجري عملية الاستنساخ والمحاكاة المشوهة، وتجريدها من جوهرها الإبداعي. فالمصدوم فاقد لوعيه على أي حال، ويصعب أن نأتمنه على توضيح الواقع؛ ذلك أن المغشي عليه لا يمكنه تصوير الواقع كما هو، فهو ينظر إليه كحزمة كثيفة من الهلوسات الذهنية. على سبيل المثال: أشاهد يوميًا في مناطق بغداد الشعبية شبابًا يرتدون اللباس العربي "الدشداشة"، لكنه لباس لا يظهر الهوية العربية بصورتها الواضحة والطبيعية. إنه لباس عربي مدعوم بتسريحة شعر غربية صارخة! في كل أزقّة بغداد الشعبية ستعثر على هذا الخليط العجيب. هذا مثال بسيط لكنه لا يشكّل عبئًا ملحوظًا على سير الحياة الأساسية والاقتصادية.

اقرأ/ي أيضًا: نظام مهزوز أمام البعث والجوكرية والكائنات الفضائية

إن التحدي الأكبر ينطلق من هنا: محاكاة اقتصادية  مشوهة للدول المتقدمة، يسقط فيها النموذج الأصلي على حساب الصورة البائسة والمشوهة. فالمحاكاة الاقتصادية التي تجري في العراق، على سبيل المثال، تؤشر بوضوح سقوط النموذج وانتصار التجريد والمحاكاة. على أي حال، ففي البلدان المتقدمة تتماشى الخصخصة، مثلًا، مع الشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتعبر عن سياق ثقافي متكامل. إن الخصخصة عنصر مكوّن من بنية الثقافة الغربية وليس كائنًا طارئًا أو هجينًا؛ فالخصخصة تمشي جنبًا إلى جنب مع بنىً تحتية كاملة، ومؤسسات عصرية راسخة، ونظام اجتماعي يعتبر أحد نتائج هذه البنية المتربطة. إن الخصخصة في الدول الغربية تعني دخل مادي جيّد، وخدمات مثالية، ومؤسسات تعمل على توفير كل اللوازم الحياة البشرية.

في مشرقنا العربي، والعراق على وجه الخصوص، تبدو الأمور كما لو أنها مقلوبة رأسًا على عقب: نظام اقتصادي ريعي، لا هو رأسمالي على وجه، ولا هو اشتراكي على وجه، ولا هو اقتصاد رفاه على طريقة الدول الاسكندنافية. وعلى الرغم من الثروة النفطية الهائلة التي ينعم بها العراق، فما زالت إحصائيات تخبرنا بارتفاع معدلات مخيفة للفقر والبطالة في العراق، ذلك أن "شخصًا واحدًا من بين كل خمسة أشخاص لا يزال يعيش تحت خط الفقر". وفي تقرير نشره موقع الجزيرة العام الفائت، كشف وزير العمل والشؤون الاجتماعية عادل الركابي، أن "نسبة الفقر ارتفعت من 22% إلى 34%". ويقابل هذا البؤس خصخصة غير معلنة للصحة والكهرباء والتعليم!

ولكي تكتمل المسبحة، كما يقول المثل العراقي الشهير، بدأت العوائل العراقية بالاعتماد على متعهدي النفايات الأهليين: 10 آلاف دينار مقابل نقل النفايات. فنحن العراقيين، نعالج أنفسنا، ونعلّم أطفالنا، ونرمي نفاياتنا، كما لو أننا في أحد الدول ذات الاقتصادات المتطورة. أكيد أن الخصخصة بمعناها الحرفي والصريح لا توجد لها معالم حتى هذه اللحظة، وأكيد أن القطاعات الخدمية تقدم خدماتها العامة (ولو على استحياء)، مثل الماء، والكهرباء، والصحة، والتعليم، والبلدية، إلّا أنها، وعلى الطريقة العراقية، قدم هنا وقدم هناك؛ لا هي حسمت أمرها بموضوع الخصخصة، ولا هي دولة ريعية تقدم خدماتها بالكامل. إنها كائن "زومبي" يقع في الحالة الوسيطة، بين الموت والحياة، والفئات الفقيرة هي من تدفع الثمن تحديدًا، وهؤلاء مشاريع تخريبية، ومشاكل اجتماعية وسياسية واقتصادية مستقبلية، وكالعادة لا أحد يسمع.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

ثلاث حكومات وجغرافية واحدة

الحلم العراقي المُؤَجَل