بين الغضب والتهديد.. ما هي أوراق العراق في التفاوض مع الكويت؟

بين الغضب والتهديد.. ما هي أوراق العراق في التفاوض مع الكويت؟

الأزمة العراقية مع الكويت في المسار الدولي (فيسبوك)

منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003 لا تزال علاقات العراق مع دول الجوار تواجه عدة تحديات، يدخل فيها السياسي والاقتصادي، وأحيانًا شكل النظام السياسي وطبيعة تعامله ومن يهيمن عليه في الداخل. لكن علاقة العراق مع الكويت، فيها شيء من "الخصوصية" لما حدث في حرب الخليج الثانية، وما أقدم عليه النظام السابق برئاسة صدام حسين. وبعد سقوط الأخير تحسنت العلاقات مع الكويت، وحصلت عدّة تفاهمات، لكن بعض الأطراف العراقية اليوم تقول إن مصير البلاد الاقتصادي وهي الإطلالة البحرية الوحيدة في خطر، و"تجاوزت" الكويت عليها، وسط تهاون من قبل المتنفذين في بغداد.

قدم العراق شكوى لمجلس الأمن ضد الكويت بشأن تجاوزات على الجغرافية البحرية والتي يقول سياسيون عراقيون إنها تنعكس سلبًا على الموانئ العراقية

 وتفاعلت في الأوساط السياسية والإعلامية من جديدة أزمة ملف خور عبد الله، على خلفية تقديم الحكومة العراقية شكوى إلى مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة بشأن الخور، بالإضافة إلى تجاوزات بشأن الجغرافية البحرية، والتي من شأنها أن تحد من خط الملاحة وتنعكس سلبًا على الموانئ العراقية، حيث قدّم  ممثل العراق لدى الأمم المتحدة محمد بحر العلوم شكوى إلى مجلس الأمن يتهم فيها الكويت بأنها "تتبع سياسة فرض الأمر الواقع من خلال إحداث تغييرات جغرافية في الحدود البحرية بين البلدين، وأنه اجتمع مع عدد من ممثلي الدول لشرح موقف بغداد".

فرض الأمر الواقع

تقديم الشكوى جاء "حرصًا من العراق على معالجة هذه المسألة بشكل ثنائي مع الأشقاء في دولة الكويت"، بحسب الحكومة العراقية التي لفتت إلى أن "وزارة الخارجية العراقية قامت بتوجيه ثلاث مذكرات احتجاج إلى وزارة الخارجية الكويتية بشأن هذه الإنشاءات بتاريخ 5 آيار/مايو 2017 و12 أيلول/سبتمبر 2018 و20 تشرين الأول/أكتوبر 2018، وطلبت تأجيل قيام حكومة دولة الكويت هذه الإنشاءات لحين الوصول إلى تفاهمات مشتركة بشأن ترميم المنطقة البحرية غير المرسومة حدوديًا بين الطرفين".

اقرأ/ي أيضًا: الكويت تتسلم ربع مليار دولار من العراق.. ماذا تبقّى من التعويضات؟

مصدر رفض الكشف عن اسمه لأسباب السياسية، يؤكد أن "الشكوى لا تستهدف الخور بشكل مباشر، بقدر ما تهتم بإحداث تغيرات جغرافية في المنطقة البحرية الواقعة بعد العلامة 162 في خور عبد الله من خلال قيامها بتدعيم منطقة ضحلة – تدعى في الخرائط "فشت العيج".

أضاف المصدر في حديث لـ"ألترا عراق"، أن "الكويت أقامت منشأ مرفئي عليها من طرف واحد، دون علم وموافقة الحكومة العراقية، وخلافًا لاتفاقية العراق والكويت المسمى "الخطة المشتركة لضمان سلامة الملاحة في خور عبد الله" والموقعة في 28 كانون الأول/ديسمبر 2014".

يرى المصدر أن "الشكوى دليل على التزام العراق بالقانون الدولي ومحاولة حل الموضوع ضمن السياقات المتعارف عليها، وبذات الوقت هو كسر للصورة النمطية التي يبدو أن جوار العراق اعتادوا عليها بعد الاحتلال الأمريكي، وهي التهاون في مسألة الحدود وحقوق البلد السيادية"، مرجحًا أن "تعمل الكويت على إيجاد حلول ترضي الطرفيين، وهذا يعتمد على مهارة المفاوض العراقي".

الكويت غاضبة

وعلى ما يبدو، أن جار الجنوب لم يتوقع أن تقوم الحكومة العراقية بهذه الخطوة وبشكل عملي، خاصة مع وجود حديث عن "تورط شخصيات متنفذة في البصرة وبغداد باستلام مبالغ ضخمة مقابل السكوت عن التجاوزات".

نقلت صحيفة الراي الكويتية ردود الفعل في مجلس الأمة، حيث عد الكثير من النواب أنه "سلوك مستفز وليس مستغربًا من جار الشمال"، مع دعوة إلى "اتخاذ احتياطات أمنية ودبلوماسية"، وتعامل "دولي حازم" مع الإدعاء، حيث أعتبر النائب صفاء الهاشم أن "الأمر ليس مستغربًا، فهذا هو نهج العراق منذ أمد، فعلًا...الكحل بعين الرمدة خسارة".

مصدر لـ"ألترا عراق": الشكوى لا تستهدف الخور بشكل مباشر، بقدر ما تهتم بإحداث تغيرات جغرافية في المنطقة البحرية الواقعة بعد العلامة 162 في خور عبد الله 

"لا يمكن لوم نواب مجلس الأمة الكويتي على رد فعلهم"، هكذا يرى المحلّل السياسي الكويتي إبراهيم الهدبان، ويبيّن "هي ردة فعل شبيهة بردة فعل الشارع الكويتي الذي استهجن فكرة قيام العراق بتقديم شكوى ضد الكويت، بالرغم من التقارب الكبير بين البلدين في فترة ما بعد ٢٠٠٣".

استدرك الهدبان في حديث لـ"ألترا عراق"، "لكن من حق العراق كدولة أن يشتكي إن كان يعتقد بتعدي الكويت على حدوده ومن حق الكويت أن تفند وترد على الشكوى بشكل قانوني وبالدليل"، مبينًا أنه "هكذا يجب أن يكون التعامل بين الدول وذلك من خلال المؤسسات الرسمية الدولية بحيث يقبل الفرقاء بنتائج القرارات الدولية دون أن يورث ذلك عداوة بين الأشقاء".

اقرأ/ي أيضًا: 4 روايات عن الغزو العراقي للكويت

أضاف الهدبان أن "أي قرار يصدر عن المنظمة الدولية بشأن الخلافات الحدودية بين الكويت والعراق يساهم في توثيق هذه الحدود وحقوق الدولتين بشكل أفضل".  

بشأن إمكانيات اللجوء إلى المفاوضات الدبلوماسية بين البلدين والوصول إلى تسوية بعيدًا عن الإجراءات الدولية قال الهدبان إن "المفاوضات لن تحل القضية لأن الضغوطات كبيرة على الحكومة العراقية، بغض النظر عن الحزب أو الجماعة التي تسيطر عليها، والقضية من السهل تحريك الشارع خلفها على أساس خطاب إعلامي يزعم قيام الكويت بخنق العراق مائيًا واقتصاديًا".

يصف الهدبان علاقة الكويت مع الحكومة العراقية ومع رموز الجماعات المؤثرة والفاعلة في العراق بـ"الممتازة"، لكنه يتخوف من "ظهور أصوات شاذة بين حين وآخر تهدد وتتوعد الكويت لذلك كان الأولى أن يتم حسم الموضوع من خلال المنظمات الدولية وذلك كي يرتفع الحرج عن كل من الكويت كدولة وعن الحكومة العراقية أمام ضغط الشارع والميليشيات".

تهديد عراقي

 يمتلك العراق ـ بحسب مختصين ـ الأدوات التي تؤهله للحصول على حقه من الكويت وحماية أراضيه إن كان صاحب حق، من خلال سلسلة إجراءات يمكن القيام بها، حيث تعتبر الشكوى وإدخال المجتمع الدولي في حسم الملف أولى الخطوات في الطريق الصحيح، فيما تذهب قوى سياسية إلى خيار إلغاء اتفاقية خور عبد الله، والدعوة إلى شكوى أخرى على ملف ميناء مبارك، ويترك للعالم أن يبت في هذه القضية بين الجارين.

حيث يرى وزير النقل الأسبق عامر عبد الجبار امتلاك المفاوض العراقي الأوراق الرابحة للمناورة والضغط في حسم جميع الملفات العالقة مع الكويت، مشيرًا إلى "إمكانية استخدام هذا الأمر مع جميع الدول".

وزير النقل الأسبق لـ"ألترا عراق": استخدام ملف الربط السككي واحد من تسع ملفات مهمة ممكن فتحها على الكويت كأوراق رابحة بيد المفاوض العراقي

يقول عبد الجبار في حديث لـ"ألترا عراق" إن "لدينا القدرة على استرداد حقوقنا المسلوبة من قبل الكويت بقوة العقل والمنطق في إدارة الملفات العالقة بين البلدين عبر إجراءات اقتصادية وسبل قانونية، سنجعلها بيد المفاوض العراقي المخلص من خلال القنوات الدبلوماسية".

اقرأ/ي أيضًا: مات بوش الأب.. بقي العراق!

بشأن الملفات التي يمتلكها المفاوض العراقي أوضح عبد الجبار أن "استخدام ملف الربط السككي واحد من تسع ملفات مهمة ممكن فتحها على الكويت كأوراق رابحة بيد المفاوض العراقي، مبينًا "وعلى أقل تقدير ممكن استخدامها وفقًا لمبدأ إسقاط ملف مقابل ملف، لنتمكن من غلق جميع الملفات العالقة مع الأشقاء في الكويت بشكل ودي وسلمي"، لافتًا إلى أن "النهج يجب أن لا يقتصر على الكويت حصرًا، بل مع جميع دول الجوار في معالجة الملفات العالقة معها حتى نضمن حقوقنا".

إزاء ذلك، دعت النائبة عن دولة القانون عالية نصيف إلى "إكمال الحكومة العراقية خطوتها من خلال إلغاء اتفاقية خور عبد الله المذلة، وتقديم شكوى ضد الكويت على خلفية ‏تشييدها ميناء مبارك في موقع يخالف قانون البحار وقرار مجلس الأمن رقم ٨٣٣، بالإضافة الخروقات بعد ‏العلامة 162 في خور عبدالله من خلال تدعيم منطقة ضحلة وتشييد مرفأ عليها دون استحصال موافقة العراق".

وعزت نصيف في بيان تابعه "ألترا عراق" ردود فعل أعضاء مجلس الأمة الكويتي إلى "الصدمة التي يشعرون بها بعد إن كان هناك مسؤولين عراقيين سابقين يغضون النظر عن التجاوزات الكويتية لأسباب معروفة".

وأثناء كتابة هذا التقرير، وفي 5 أيلول/سبتمبر وجه مندوب الكويت لدى مجلس الأمن، رسالة إلى المجلس بشأن بناء منصة "فشت العيج"، فيما أشار إلى أن العراق لم يتشاور مع الكويت بشأن الأعمال الإنشائية لـ"ميناء الفاو".

قال مندوب الكويت لدى الأمم المتحدة، السفير منصور العتيبي في رسالة إلى مجلس الأمن ردًا على الشكوى التي تقدم بها العراق حول قيام الكويت ببناء منصة "فشت العيج"، إن "العراق لم يستشر الكويت بشأن الأعمال الإنشائية التي تقام حاليًا في ميناء الفاو، والتي وصلت إلى مراحل متقدمة، بالرغم من الالتزامات التي تفرضها المادة 206 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، خاصة فيما يتعلق بتقييم الآثار البيئية على البيئة البحرية المترتبة على إنشاء ميناء الفاو وكاسر الأمواج الخاص بالميناء الذي تم إنشاؤه على بعد 4.5 ميل بحري من الساحل العراقي إلى داخل مياه خور عبدالله، وبمسافة أقل من 1.5ميل بحري من القناة الملاحية".

الكويت: العراق لم يستشر الكويت بشأن الأعمال الإنشائية التي تقام حاليًا في ميناء الفاو، والتي وصلت إلى مراحل متقدمة

أشار العتيبي في رسالته التي تابعها "ألترا عراق"، إلى "التأثير الجيومورفولوجي على قاع خور عبدالله والقناة الملاحية فيه ووجوب إطلاع الجانب الكويتي على تلك الآثار وفقًا للمادة 205 من ذات الاتفاقية، مبينًا "علمًا بأن الجانب العراقي لم يقدم حتى تاريخ هذه الرسالة أي دراسات تتعلق بالتأثير البيئي لإنشاء ميناء الفاو أو أية تأثيرات بيئية قد تكون نتجت أو من الممكن أن تحدث نتيجة لإقامته على الرغم من الطلبات المتكررة من الجانب الكويتي في هذا الشأن". 

 أوضح أنه "نظرًا لعدم تجاوب الجانب العراقي بتزويد الجانب الكويتي بالأثر البيئي أو إجراء تشاور مع الكويت بشأن بناء كاسر الأمواج الخاص بميناء الفاو استنادًا لنص المواد 123 و205 و206 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 فقد تقدمت الكويت بمذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 23 آيار/مايو 2018 تشير فيها إلى عدم تجاوب العراق مع الكويت بهذا الشأن وما يشكله ذلك من انعكاسات سلبية في تلك المنطقة وتطلب حث الجانب العراقي على الالتزام باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 وتزويد الكويت بالأثر البيئي وإجراء تشاور معها بهذا الشأن تنفيذًا لالتزاماته بموجب اتفاقية قانون البحار".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

أمير قبيلة العوازم الكويتية يعتذر للعراقيين: زل لساني وأنتم أهلنا وأنسابنا

هواجس عطش الرافدين.. مشاهد من عراق ما قبل الدولة